لمحة عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية بمنطقة تبسة

خلال النصف الأول من القرن العشرين

ج 02: الوضع الثقافي 

 

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز

 

إن الحديث عن الوضع الثقافي بمنطقة بتبسة، خلال النصف الأول من القرن العشرين، يستوقفنا عند محطات هامة مرت بها المنطقة، وكان لها دور فعال في تكوين نخبة مثقفة سيكون لها بالغ الأثر في مسيرة الحركة الوطنية الجزائرية، وهذا ما سنتطرق إليه في الجزء الثاني من تكملة المقال السابق.  

1-فتح أول مدرسة استعمارية فرنسية بالمنطقة: 

قامت الإدارة الاستعمارية بتأسيس بتنصب الفرنسي أوبرني من الفرقة الزواوية، على رأس مدرسة تبسة العربية الفرنسية، في سنة 1860م، ومعه مدّرس العربية من “الأهالي” كممرن، وكان عدد التلاميذ بها حينئذ حوالي ثلاثين، وكان عدد الكتاتيب العربية أربعة، كتّاب في تبسة، وكتاب في قبيلة أولاد سيدي يحي، وكتّابان لدى اللمامشة، وكان بها عدد من التلاميذ، وارتفع عدد تلاميذ المدرسة الفرنسية سنة 1862م، ليصل إلى أربعة وخمسين تلميذا من “الأهالي” وأحد عشر من الأوروبيين، وارتفع العدد في سنة 1863م إلى تسين تلميذا من “الأهالي” (الجزائريين)، وعشرة تلميذ أوربيين، وفي سنة 1865م، بنيت مدرسة بالقرب من باب كاركلا بسبب ارتفاع عدد التلاميذ إلى خمسة وثمانين تلميذا منهم خمسة عشر أوربيا، لم تعد قاعات الدراسة تكفيهم.  

وانخفض عدد المتمدرسين بسبب الجفاف والقحط الذي أصاب المنطقة، لم يتبقى سوى 13 تلميذا أوربيا وثمانية تلاميذ يهود وأربعين جزائري يتلقون التعليم في المدرسة، وفي سنة 1868م أضيف للمدرسة طابق، وتم تسجيل 54 تلميذا جديدا، وتم ترقية المدرسة إلى مدرسة بلدية، والحقت المدرسة في السنة الموالية بإدارة التعليم لتكون تحت اشراف الأكاديمية، وفي سنة 1890م، بنيت مدرسة تحضيرية في نقرين، تحت رعاية الملازم سالمار، وكان تضم 70 تلميذا يدرسون بها، ويتولى ممرن من “الأهالي” تدريسهم، ليتم فيما بعد تعيين مدرس لهم وهو السيد طسطاس وكلف بمهمة إدارة المدرسة، وبعد ثلاث سنوات تعينت السيدة طسطاس كمساعدة له بالمدرسة. 

02-وضعية التعليم حسب شهادة المفكر مالك بن نبي: 

وحسب شهادة مالك بن نبي الذي تحدث عن الوضعية العامة للتعليم بتبسة في مذكراته بقوله: كانت مدينة تبسة تضم مدرسة فرنسية وحيدة، أوجدت بها السلطات الاستعمارية صفا رابعا خصص للصغار من أبناء المدينة، وهو عبارة عن مطهر يقضي في الولد عدة سنوات، قبل أن يلتحق بالصفوف العادية، عقب امتحان يقرر ما إذا كان على التلميذ أن يدخل الصف الثاني أو الثالث، وكان المعلمة الفرنسية مدام بيل تتولى التدريس بهذه المدرسة، وقد استطاع الشيخ عباس بن حمانة أن يفتح أول مدرسة لتعليم اللغة العربية بتبسة. 

ويرجع هذا إلى قرب تبسة من الحدود التونسية، فقد يسر لها الصلة مع تونس حيث كان السكان يسافرون إلى العاصمة التونسية ومدنها الكبرى للدراسة، وقد تأثرت تبسة بتونس لا سيما في مجال التعليم والمدراس العصرية، حيث ابتدأ التبسيون سلوك الأساليب الحديثة في التعليم فأنشأوا مدرسة قرآنية عصرية حرة، وكانت هي الأولى في القطر الجزائري.

03-الحياة الدينية بالمنطقة: 

تميزت مدينة تبسة خلال بدايات القرن العشرين بمحافظة أبنائها على تقاليد الدين الإسلامي، والقيام بشعرائه، وهذا حسب الرحالة العرب الذين كانوا يتوافدون على زيارتها من فترة إلى أخرى، ويؤكدون في هذا الصدد على أنه كان بمدينة تبسة جامع واحد غاية في النظافة والحسن والبهرجة لصلاة الجمعة والصلوات الخمس، وسكان تبسة جلهم مسلمون وبها جالية أوربية قليلة جدا، وأهلها في غاية اللطافة والكياسة وإكرام الضيف والفرح، وقد لاقينا منهم كل حفاوة وإكرام، والمدينة منقوضة الجراب من آثار التعليم سوى أن بعض المتخرجين من الجامع الأعظم، من أهالي الجريد يجاور بها نحو خمسة أشهر في السنة يلقي فيها دروسا من الكتب الابتدائية، وبعد صلاة التراويح، وكان أعيان تجار المدينة يعتنون بالمسائل التي تعرض لهم في أمور التجارة. وهو من أعظم الأدلة على متانة الديانة والترقي من الشبهات. 

وكانت تبسة تضم خيرة العلماء والمتضلعين في الدين والآداب، وكانوا من خيار سكانها، وفي هذا الصدد يتحدث الرحالة أحمد حسين المهيري الذي زار مدينة تبسة في سنة 1922م، في شهادته عن علماء المدينة بقوله: ((هذا وقد اجتمعنا بثلة من علماء تبسة وأدبائها فألفيناهم من خيار القوم، ومن المتضلعين في الفنون والآداب، مع شدة التمسك بالدين الحنيف كثر الله من أمثالهم، وأعانهم على ما أنيط بعهدتهم. كما اجتمعنا بأعضاء الجمعية الخيرية ورئيسها فوجدناهم قائمين بأعمال البر والإحسان أتم قيام، الامر الذي يوجب لهم الشكر والثناء، واشتراك الجمعية فرنك واحد في الشهر، زيادة عما يتبرع به أرباب الثروة، والمشتركون لا يبخلون بإمدادها، فعندما يأتيهم الطالب يدفعون له المعلوم بدون مماطلة ولا تسويف. وقد اجتمعنا أيضا بمدينة تبسة بالسادة الآتية أسماؤهم: السيد صادق العقيد الصفاقسي، السيد الصادق بن عياد، والسيد الكاتب نابي عمر، والسيد علي بن عباس بن حمانة، والسيد عمر بن عبد السلام الوكيل، والسيد أحمد الجدري، وغادرنا مدينة تبسة حيث عرجنا على الشريعة، وكانت توجد بها كتاتيب لتعليم القرآن الكريم على النمط العتيق))

وبمدينة الشريعة أسس المسجد العتيق، وعين قابة محمد الباقر بن محمود إماما للمسجد للصلوات الخمس، وقد حاضر بهذا المسجد عدد من الشيوخ أمثال: الشيخ العربي التبسي، والشيخ البشير الابراهيمي، والشاذلي المكي، وبعض رجال العلم من تونس. أما الشيخ العربي التبسي فقد كلف الشيخ الحبيب فارس بالاستقرار بالمسجد العتيق ببئر العاتر، حيث كان يعمل به واعظا مرشدا ومعلما، وقد ظل يتنقل بين تبسة وبئر العاتر.

وبنقرين أسس مسجد العتيق لإقامة الصلوات، وكان الشيخ عيسى سلطاني يتنقل إليه مدينة تبسة لإلقاء الدروس به، وعين الشيخ أحمد بوية إماما للمسجد العتيق، وقد تكفل بمهمة توعية الناس وتعليمهم، وفي بدايات الخمسينات عين عبيد عبيدي معلما للقرآن بالمسجد، وكان الشيخ الطاهر ملاح يقيم صلاة الجمعة ويقوم بتحفيظ القرآن للأطفال بالمسجد العتيق بمدينة مرسط، وقد تولى الشيخ حمة طاجين مهمة تقديم الدروس والوعظ وإمامة الناس بالمسجد العتيق بمدينة الحمامات.

وبعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس أسندت مهمة تقديم دروس التفسير إلى الشيخ مبارك الميلي، الذي تحمل عبأها لمدة سنة واحدة 1940-1941م، حتى دأب إليه المرض العضال فقام الشيخ العربي التبسي بالمهمة بعده، وتحول الطلاب من مسجدي سيدي كموش وسيدي بومعزة والأخضر إلى مسجد المدرسة بتبسة سنة 1941م، لأسباب الحجز والإقامة الجبرية التي فرضت على الشيخ مدينة تبسة، وقد أصدرت جمعية التربية والتعليم بقسنطينة، إعلانا موجها إلى طلاب الجامع الأخضر ومسجدي سيدي بومعزة وسيدي كموش، تعلن فيه انتقال دروس التفسير من قسنطينة إلى تبسة. 

وفي يوم 17 أكتوبر 1943م، انعقد المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمكتب الرئاسة بقسنطينة، وتوصل إلى قرار يقتضي باستمرار التعليم المسجدي الديني لتلاميذ الجامع الأخضر بتبسة كالعادة الجارية، واسندت مهمة التعليم إلى الأستاذ الشيخ العربي التبسي الكاتب العام لجمعية العلماء. 

وقد تحدث مالك بن نبي في مذكراته العفن بقوله: بأن الشاذلي المكي ترجاه حتى يهتم بعض الشيء بالمدرسة، فالسكان لم يكونوا راضين عن النتائج التي تحصلوا عليها مع الشيخ العربي التبسي، واقتنعت بعد عدة أسباب بأني قد أكون مفيدا.

 

05-التنافس بين قسمة جمعية العلماء وقسمة حركة الانتصار بتبسة: 

 

ساهمت جمعية العلماء وحركة الانتصار بعد الحرب العالمية الثانية في تأسيس عدة مدارس للتعليم العربي الاسلامي وشهدت تنافس قوي بينهما حسبما تشير اليه التقارير الامنية الاستعمارية، فنجد أن جمعية العلماء تحالفت مع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري في احتواء قبيلة النمامشة وأولاد سيدي عبيد في توجيه ابنائها الي مدارس الجمعية في كل من تبسة (مدرسة تهذيب البنين والبنات) لكون الشيخ العربي التبسي منها ومدرسة الحياة بالشريعة ومدرسة بئر العاتر واصبحت بحلول سنة 1953 لجمعية العلماء 09 مدارس بمنطقة تبسة (ونزة والكويف والعوينات وأكس)، في حين أسست حركة الانتصار مدرسة الهداية  بمدينة تبسة سنة 1947 وكانت تنافس مدرسة التهذيب التابعة لجمعية العلماء.

وبمناسبة الذكرى السابعة لمجازر 08 ماي 1945م، وزعت قسمتا حركة الانتصار، والحزب الشيوعي الجزائري في عشية 08 ماي 1952م، مناشير على السكان، تدعو الجزائريين إلى شن اضراب عام. لكن الفرع المحلي لجمعية العلماء، وقسمة حزب الاتحاد الديمقراطي، رفضا تلبية دعوة الاضراب، وعندما حلت المناسبة، لم تغلق سوى المحلات المملوكة لأنصار ومناضلي الحزبين الأولين، كما رفض صراحة المشاركة في الاضراب، الذي دعا إليه فرع التيار الاستقلالي في 23 ماي 1952م، للتنديد بنفي مصالي الحاج، ومناهضة المناضلون الوطنيون.

حمّل مسؤولو التيار الاستقلالي، الشيخ العربي فشل الاضراب، وقّرروا مواجهته في المجال الثقافي العزيز على نفسه، وبالذات في ميدان التعليم، فقرروا تحويل جمعية الهداية الثقافية، التابعة لهم إلى مدرسة حرّة، لينافسوا بها مدرسة تهذيب البنين التي يشرف عليها الشيخ.

فقد أشار تقرير أمني، إلى حدوث منافسة شديدة في المجال التعليمي بتبسة، بين قيادة قسمة حزب حركة الانتصار وقيادة فرع جمعية العلماء. ((وأن الأولى صرحت علنا أنها ستحطم مدرسة تهذيب البنين العزيزة على الشيخ العربي)).

وقد تبنت جمعية العلماء المسلمين بتبسة برامج علمية وتربوية بينها الشيخ محمد الشبوكي بقوله: ولست في حاجة إلى القول بأن الاعتناء بالناحية المادية من برامج التعليم، وإهمال الناحية الروحية منها هما اللذان تشكو مدارسنا أثرهما السيء في نفوس التلاميذ، فنحن وإن كنا نحمد الله على أن لنا مدراس شيدناها بأنفسنا رغم الأهوال والأغوال، وضحينا في سبيلها بكل مرتخص وغال، إلا أن ذلك كله لا يمنعني من الهمس بحقيقة حلوة، ولا أقول مرة، في آذان إخواني المعلمين ملاحظا لهم بأننا أمناء هذه الأمة الجزائرية على أبنائها الذين هم مقعد آماله، ومكامن معنويتها، وجيل مستقبلها، ولا يمكن لنا أن نراعي هذه الأمانة بكل انصاف. 

وأورد تقرير قصة طريفة عن كيفية تصدي أعضاء فرع الجمعية لمنافسة قسمة الحزب لهم في مجال التعليم، حيث قال: ((وإذا لم يسجل أي رد فعل من حزب الاتحاد الديمقراطي، فإن الشيخ العربي لم يبق مكتوف الأيدي. حيث كان يرى في ذلك خطرا يجب إعاقته إذا ما لم يقدر على إزالته. 

وجدت الجمعية ضالتها في الكراء بالمزاد العلني لأراضي منطقة عين شبرو التابعة لبلدية تبسة كاملة الصلاحيات، والذي جرى في 21 أكتوبر. فهذه الأراضي كانت من قبل ولعدة سنوات مؤجرة من قبل عائلة خمام التي تعد ركيزة حزب الشعب. من هنا كان لابد من النيل من حزب الشعب عبر شخص ساكر خمام، وبالوقت نفسه النيل من مدرسة الهداية، التي يرأسها أخوه خمام العربي. فقررت الجمعية الدخول في المزاد)). 

وللحيلولة دون تسبب المزاد في وقوع صدامات بين الطرفين، جرت اتصالات حثيثة بين ممثلين عن الطرفين، أسفرت عن الاتفاق على لقاء وفدين يمثلان الخصمين، وفد بقيادة صهر الشيخ العربي، ووفد بقيادة العربي خمام. جرى اللقاء في يوم 27 أكتوبر 1952م بمقهى شعبي، اتفق الطرفان بعد المكاشفة والمصارحة على عدم دخول الطرف الأول المزاد، وتوقف الطرف الثاني عن الإساءة لشخص الشيخ العربي. 

وبعد استماع العربي خمام للنقاط التي أثارها لصهر الشيخ، واللوم الذي وجه لقبيلة أولاد دراج، أكد له أن كل ما ذكره ((هو نتيجة سوء فهم تسبب فيه بعض المشاغبين والمثيرين للقلاقل، الباحثين عن تحقيق فوائد من هذا الخلاف)). وفي الأخير أجمع الطرفان على أن كل من مدرسة تهذيب البنين، ومدرسة الهدايا، ليستا حكرا على فرقة ولا على قبيلة، وإنما هما مفتوحتان لكل طلاب العلم.

اضطرت القسمة كي توفر المال الكافي لتجسيد مشروعها وتشيد المدرسة، إلى أخذ العشر من قبيلتي أولاد دراج. حيث حصّلت في عام 1952م، على مبلغ 600 ألف فرنك، اشتروا به طاولات وكراسي وسبورات للأقسام، ومكاتب للمعلمين. وبذلك تحولت جمعية الهدايا الثقافية إلى مدرسة حرة، من دون أن تحصل على رخصة من الإدارة الاستعمارية، بدأت المدرسة بأربعة أقسام، زاول فيها الدراسة 120 تلميذا، ثلثيهم ذكور، والثلث الباقي إناث.

اهتمت تلك المدرسة إلى جانب العملية التعليمية، بتحفيظ تلامذتها الأناشيد الوطنية التي كان يتعلمها المناضلون الاستقلاليون، وكانت تستغل كمقر لاحتضان الاجتماعات السياسية للقسمة، وإيواء الوطنين الوافدين من خارج المدينة. اهتمت القسمة بفئة الشباب في المدينة، حيث جعلت للتلاميذ، الذين هم في سن أكبر من 15 سنة، حصّة تعليمية يومية من الساعة السادسة مساء إلى غاية الثامنة والنصف ليلا. 

كما طورت بموازاة ذلك، فرعها الكشفي، حيث بلغ عدد المنتسبين إليه في تلك الفترة، 80 كشافا من الذكور والإناث، وبهذه الأعداد، تعدّت قسمة حركة الانتصار فرع جمعية العلماء على الصعيد التعليمي، وقسمة الاتحاد الديمقراطي على مستوى النشاط الكشفي.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك