لماذا يفر تبون من الأحزاب؟

أكد براءته من أي انتساب سياسي

بقلم: أحسن خلاص

لم يترك الرئيس تبون أي مجال للشك في نأيه بنفسه عن أي انتماء حزبي لتبون الرئيس وهو الذي، بالرغم من عضويته باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في طبعة مؤتمر 2015، حرص على غيابه عن موعد الانتخابات التشريعية لعام 2017 التي ترشح لها جميع وزراء الأفلان إلا وزير السكن آنذاك عبد المجيد تبون. وفي إحدى تدخلاته التفلزيونية مع الصحافة ذكر بشيء من الفخر أنه لا فضل لأي حزب بما فيه الحزب الذي ينتمي إليه في وصوله إلى سدة الرئاسة الجزائرية وهو الذي ظل يؤكد منذ حملته الانتخابية أنه مرشح المجتمع المدني وهي الجهة التي يصعب تحديد هويتها في الميدان.

وها هو الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية محندوسعيد بلعيد يؤكد مرة أخرى نفور الرئيس تبون من “تهمة” الانتماء الحزبي مستنكرا محاولات جهات لم يذكرها إنشاء أحزاب ممتطية برنامج رئيس الجمهورية عملا بسنة دأبت عليها الموالاة منذ مدة طويلة. وكان قبل أيام فقط قد نفى باسم الرئيس انتماء هذا الأخير إلى حزب جبهة التحرير الوطني مؤكدا أنه جمد عضويته فيه في رد عن تصريحات لقيادات جبهوية تعد من قبل عرض الخدمات بمناسبة انعقاد دورة اللجنة المركزية وعن تلميحات للقيادة الجديدة للأرندي بالرغبة في تشكيل جبهة وطنية حول رئيس الجمهورية لمواجهة المخاطر التي تتهدد البلد، يضاف إليها العشرات من الأحزاب التي تميل في كل مرة لأن تستظل بظل أقوياء اللحظة للظفر بما لا تستطيع حيازته من الميدان.

وإن كان من الطبيعي أن يتشكل تكتل سياسي ينبثق مما يسميه تبون المجتمع المدني الذي سانده في الانتخابات لتثمين نتائج الانتخابات الرئاسية ودعمها بنتائج في الانتخابات البرلمانية القادمة بغرض تشكيل أغلبية تكون سندا له لتنفيذ برنامجه الانتخابي وسد الطريق أمام تشكيل أغلبية متكونة من أحزاب أخرى. غير أن الرئيس تبون الذي نشأ وترعرع في دواليب النظام وتدرج في سلالم السلطة يدرك تماما أن تجسيد السياسات وإنجاح البرامج لم يمر يوما عن طريق الأحزاب السياسية لاسيما وأن الأحزاب التي طالما اعتمد عليها الرئيس بوتفليقة لم يعد لهما التأثير ذاته ولا تلك القدرة على تعبئة المجتمع باسم رئيس الجمهورية بعد أن هزمه الحراك واضطره للانصراف. وحتى قبل اندلاع الحراك تدحرج اهتمام بوتفليقة بالأحزاب الموالية له إلى الدرجات الثانوية إذ لم يعد يشركها في التشكيلات الحكومية إلا عرَضا بعد عام 2012 بالرغم من حصول الأفلان على أغلبية قياسية في البرلمان، وإن كان يختار وزراء من الأحزاب إلا أن ذلك كان لتمثيل أنفسهم دون أحزابهم، حتى أنه بعد انسحاب حمس من التحالف الرئاسي عام 2012 أبقى بوتفليقة على وزراء حمس في الحكومة متجاوزا بذلك وثيقة التحالف الرئاسي ذاتها. فعل بوتفليقة هذا وهو يدرك أن الأحزاب السياسية الموالية له لم تكن تملك الامتداد الاجتماعي والشعبي الحقيقي الذي يؤهلها لأن تكون عنصرا فاعلا في المعادلة السياسية فقد شابت وجودها في المجالس المنتخبة الوطنية والمحلية شبهة التزوير وشراء الذمم كما أنها لم تعد قوى اقتراح بعد أن تخلت عن برامجها وتبنت ما تسميه برنامج رئيس الجمهورية.

وباعتماده سياسة اتصالية جديدة وتعيينه ناطقا باسم الرئاسة وتدخلاته المباشرة أراد تبون الاستفادة من فشل تجربة الاعتماد على تمرير الرسائل السياسية عن طريق الأحزاب وهي المهمة التي برع فيها حزب جبهة التحرير الوطني عن طريق الأمناء العامين عبد العزيز بلخادم وعمار سعداني وجمال ولد عباس، لكن مناوراتهم الخطابية زادت في تمييع خطاب السلطة وإخراجه عن القضايا الوطنية حيث حصره في المبالغة في التزلف ومهاجمة خصوم الرئيس من داخل النظام وخارجه. أما الرئيس تبون فلم يكن بحاجة إلى خطباء من الأحزاب وإلى خدماتها بعدما ارتأى أنه لا توجد أحسن وسيلة للدفاع عن خياراته السياسية وبرنامجه الانتخابي الذي يتضمن 54 نقطة إلا صعوده بنفسه على المنبر كما أنه ليس بحاجة إلى تكتل سياسي قد يكون عاملا لتكبيله أكثر من أن يكون عامل دفع لتحقيق برنامجه أو الدفاع عنه أمام الهزات السياسية التي يمكن أن يتعرض لها في الطريق وهو الذي يعلم أن حزب الأغلبية عام 1998، وهو التجمع الوطني الديمقراطي، لم يستطع صد الهجمات التي تعرض لها الرئيس زروال ومستشاره محمد بتشين من داخل النظام ولم يمنعه من رمي المنشفة كما لم يحل حزب جبهة التحرير الوطني دون سقوط الرئيس بوتفليقة بعد الحراك الشعبي التاريخي بل وضع الحزب نفسه في عين الإعصار ولا يزال إلى اليوم يحاول النهوض بصعوبة، إذ يعد أكبر المتضررين من أزمة النظام التي نجمت عن الحراك.

يحدث هذا في الوقت الذي أصبحت فيه التجارب الديمقراطية في العالم تكتسب توجهات جديدة نحو التخلي عن الآلية الحزبية وإن بقيت الديمقراطيات البرلمانية أو شبه الرئاسية محافظة على النمط التقليدي الحزبي مثل ألمانيا وإيطاليا ودول غرب أوروبا بدرجة أقل. وقد شكل فوز الرئيس الفرنسي ماكرون متجاوزا النمطية الحزبية التقليدية منعرجا هاما في تاريخ فرنسا السياسي المتميز بعراقة الظاهرة الحزبية التي أنتجت منظرين من أمثال موريس دوفيرجي. وفي الجزائر فقد شكل الحراك الشعبي، بعد فترة طويلة من العزوف السياسي والانتخابي، حركية سياسية جديدة وأنماطا أخرى من النشاط السياسي فقد استعيض عن المناضل الحزبي بالناشط السياسي والجمعوي وظهرت خلايا للنشاط ليست بحاجة للمرور عبر القنوات الإدارية لمزاولة نشاطها إذ تعد مواقع التواصل الاجتماعي الفضاء المميز لها.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك