لماذا يريد تبون البدء بتعديل الدستور؟

بين حيوية المجتمع والكساد المؤسساتي

لم ينتظر الرئيس الجزائري الجديد، عبد المجيد تبون، طويلا ليباشر عملية ستمتد على ما يقرب من 6 أشهر تتضمن تعديلا عميقا للقانون الأساسي للبلاد، يريده بداية انطلاقة كبرى وقوية لولاية رئاسية لا تزال محل جدل كبير يتعلق بشرعيتها وانسجامها مع الحركية السياسية التي أفرزها الحراك الشعبي.

 

وتأتي الأهمية القصوى التي أعطاها الرئيس تبون لتعديل الدستور انطلاقا من الوضع المتوتر والمتذبذب الذي تعيشه مؤسسات الدولة والفراغات التي يرعاها الدستور الحالي، ناهيك عن افتقار الانتخاب الرئاسي الماضي لما يلزمه من شرعية توافقية ضرورية لانطلاقة جديدة واعدة على أسس سياسية متينة. وهو ما جعل تبون أشد حرصا على الخروج من هذه الوضعية التي تجعله رهينة مفارقة عجيبة، فقد ورث من جهة سلطات واسعة جدا ومطلقة يمنحها الدستور الحالي لرئيس الجمهورية، لكنه لا يمتلك في النهاية الأدوات السياسية والمؤسساتية الضرورية لتنفيذ سياسة وطنية في مستوى تلك السلطات، أمام الضعف والوهن الذي توجد عليه المؤسسات الدستورية والسياسية الأخرى.

 

أدرك الرئيس تبون منذ البداية، إذن، أن قوته وقدرته على تجسيد أفكاره وبرامجه لا تكمن في تلك السلطات “الإلهية التي منحها إياه الدستور” بل في قدرته على تجسيد توازن حيوي في مؤسسات الدولة وتوضيح حدود السلطات المختلفة وإرساء قواعد جديدة وواضحة جدا لتحمل المسؤوليات في الدولة، سواء كانت بالانتخاب أو التعيين. كما أدرك أيضا، وهو الذي عاش لعقود في دواليب الدولة، أنه لا معنى أن يكون رئيسا على الورق بينما لا يتعدى ثلاثة أرباع رئيس في الواقع، حسب تعبير الرئيس السابق، حيث يقع فريسة دوائر تأثير ونفوذ وعصب تعمل في الظل وتمارس ضغطها عليه انطلاقا من كونه محور السلطة والرجل الأول والأخير في الدولة.

 

وتنطلق المحاور التي عددها الرئيس تبون في رسالته إلى السيد احمد لعرابة رئيس لجنة الخبراء المكلفة بصياغة مقترحات لمراجعة الدستور، من فلسفة واضحة مبنية على أنه لا يوجد رئيس قوي إلا بدولة قوية ولا توجد دولة قوية إلا بمؤسسات قوية بتعددها والتوازنات التي تقع بينها، وبتعبير أوضح يمكن القول إنه لا معنى لسلطة رئيس الدولة، حتى وإن نال الأغلبية الساحقة من أصوات الناخبين وبوئ مكانة زعيم الأمة، دون حكومة قوية منبثقة عن برلمان شرعي ومجالس محلية متينة تعبر عن طموحات المواطنين ودون قضاء مستقل وقوي يحمي الحريات الفردية والجماعية ولا يقمعها ويمتن حقوق الإنسان ويحرص على أداء الواجبات ويحارب الفساد ودون مؤسسات رقابة شديدة لحماية الصالح العام ودون دوائر استشارية وتنفيذية واعية بالرهانات وملتصقة بالطموحات.

 

ومن هناك تحدثت الرسالة، قبل أن تستعرض 7 محاور مطروحة للتعديل، عن تجديد أساليب الحكامة على جميع مستويات المسؤولية لاسيما على مستوى المؤسسات العليا للجمهورية قبل أن تحدد الدوافع الأساسية من إطلاق هذه الورشة، وهي تحصين البلد من أي شكل من أشكال الحكم الفردي وضمان الفصل والتوازن بين السلطات وتعزيز أخلقة الحياة العامة وحماية الحقوق والحريات.

 

قد نعود إلى تحليل هذه المحاور بالتفصيل في مقالات مقبلة، لذا سنكتفي في هذا المقام بمحاولة فهم ما إذا كان السياق السياسي الحالي سيوفر لتبون هامشا معتبرا للذهاب بعيدا في تجسيد مشروعه ولو أنه وعد بأن يمرره على تزكية الشعب، وهو ما اعتبره معارضوه محاولة منه لتجاوز الشوائب السياسية التي لازمت الانتخابات الرئاسية الماضية غير أن الدستور الحالي لا يتيح إجراء تعديلات عميقة دون المرور على الاستفتاء الشعبي.

 

هذا السياق السياسي مليئ بالتناقضات والمفارقات، يجمع بين مجتمع حي متكون من شباب في أغلبه مليئ بالطموح، مهتم إلى أقصى الدرجات بالشأن السياسي وبالتغيير الجذري للأوضاع وبين مؤسسات قائمة وجاثمة بعد أن تجاوزها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب، ستسعى للحفاظ على استمرارها ولا تريد تضييع المناصب والمكاسب التي يوفرها لها النظام الحالي.

 

ومن هنا ينبثق تساؤل مشروع: هل يمكن أن نتصور دستورا يعزز الديمقراطية ودولة القانون يولد بآلية غير ديمقراطية؟ وبتعبير  أوضح: كيف نجسد دستورا بمستوى الطموحات التي عبرت عنها رسالة الرئيس تبون إلى لجنة الخبراء عن طريق برلمان مطعون في شرعيته وزكى كل التعديلات الدستورية التي عززت الحكم الفردي ومركزية القرار فضلا عن أنه برلمان التصقت به أدران المال الوسخ؟

 

وثمة انشغالات طرحها بعض النقاد والمتابعين للشأن السياسي، فالحديث عن جمهورية جديدة يقتضي فتح النقاش السياسي على أوسع نطاق حول النظام المؤسساتي الذي ينسجم مع المجتمع بدل تحديد معالم التعديلات للجنة خبراء ضمن استمرارية النظام الرئاسي القائم، ولو بصلاحيات أقل لرئيس الجمهورية، وهو ما اعتبره هؤلاء دستورا لا يختلف عن الدساتير السابقة في كونه دستور الغرف المغلقة، فهل فضل الرئيس منهجية طرح مسودة مشروع القانون للنقاش العام بدل فتح النقاش العام والاستماع إلى جميع الأطياف قبل الإقبال على الصياغة النهائية للمشروع؟

 

ومهما كانت المنهجية والنوايا القائمة وراءها فإنه لا يمكن بأي حال تمرير الدستور الجديد بالطرق البيروقراطية بدل فتح باب الحوار ليكون بديلا عن فكرة “المسار التأسيسي” الذي يطالب به “التيار الديمقراطي”.

 

احسن خلاص

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك