لماذا هاجمت ماري لوبان الجزائر

حسابات تاريخية وأخرى انتخابية

بقلم: احسن خلاص

لم تستطع رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبان أن تكتم غيظها من بلوغ مساعي استرجاع جماجم المقاومين الجزائريين إلى أرض الوطن هدفها والدعوة الجديدة التي قدمها الرئيس الجزائري تبون للرئيس ماكرون بفتح مسار ترميم للتشققات المرتبطة بالماضي الاستعماري الأليم بين الشعبين. أنكرت على الجزائر دعوتها ووصفتها بأنها هروب إلى الأمام من المشكلات الداخلية التي تعيشها الجزائر نتيجة الاستقلال. ولا يمكن أن تجرؤ الجزائر على طلب اعتذار فرنسا منها بالنظر إلى قصور الجزائريين وفشلهم في تسيير شأنهم الداخلي بمجرد أن تخلت عنهم فرنسا وأن الصادقين من الجزائريين يعترفون بفضل فرنسا في نظرها بينما لا يزال الجاحدون يطمحون إلى  جر الجيل الجديد من القادة الفرنسيين لأن يفتكوا مكاسب جديدة منهم في ملف الذاكرة.

 

لم تنكر لوبان ذات الاثنين والخمسين عاما على الجزائريين حقهم في طلب الاعتراف والاعتذار عن جرائمها فحسب بل دعت قادة الجزائريين إلى الندم على حصول الجزائر على استقلالها، ندم يفضي بهم إلى الاعتراف بهذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبوه بانفصالهم عن فرنسا التي كانت لديها مهمة حضارية لم يمكن لها الاستقلال من بلوغ جميع أهدافها وها هي الجزائر اليوم تشهد تقهقرا في جميع المجالات وشبابها يعاني من كل أشكال التخلف ووضعها الاقتصادي مزري يريد حكامها التغطية على كل هذه النقائص بالخوض في موضوع الذاكرة.

 

وتعبر ماري لوبان في الحقيقة عن نظرة لا تزال قائمة عند غالبية الفرنسيين لاسيما الساسة منهم وهي أن سبب قيام حرب تحرير الجزائر إنما هو شعور الجزائريين بالفوارق في الحقوق الاجتماعية مع الأوروبيين وأن الثورة لم تقم إلا لافتكاك حقوقهم في العمل والسكن اللائق والاستفادة من التحديث على قدم المساواة مع المحتلين، فالثورة بالنسبة لهم هي ثورة جياع باحثين عن الخبز لذا اهتدى بعض المستعمرين من أمثال نابليون الثالث من قبل وروبير لاكوست من بعد إلى انتهاج سياسة استعمارية اجتماعية تجاه الجزائريين لكنها لم تفلح. وبالنسبة للوبان، لو صبر الجزائريون ولم يبحثوا عن الاستقلال لعاشوا اليوم عيشا رغيدا.

 

لكن المرأة أصابت عندما قالت إن من الجزائريين “الصادقين” من لا يزال وفيا للعهد مع بقاء فرنسا على هذه الأرض وهناك من عبر في اجتماع رسمي مع الاوروبيين عن ذلك، فقد تحسر وزير الخارجية الأسبق مراد مدلسي في اجتماع من المفوضية الأوروبية من أن التاريخ جرى مجرى آخر حرمنا من أن نظل أوروبيين بما يدره هذا النسب من مكاسب. ومن هم على شاكلته كثيرون في أوساط المثقفين بل السياسيين الذين يقودون أحزابا وطنية في الجزائر ويحرصون على أن تكون لهم حياة أخرى في باريس من إقامة إلى جنسية، وهناك، كما رأينا من فضل الاحتفاظ بالجنسية الفرنسية على حقيبة وزارية في الجزائر. ومع وجود هؤلاء المخلصين لفرنسا يوجد الآلاف من الجزائريين المولودين في فرنسا من الجيل الجديد من يرتبط ببلده ارتباطا شديدا ويشارك في أمجاده العلمية والرياضية والفنية في المحافل الدولية.

 

لم يكن الجزائريون يناصبون العداء لأحد ولم يكونوا يحملون حقدا تجاه الفرنسيين بالرغم مع أن آل لوبان يمثلون شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي الحامل للعنصرية ومعاداة الآخرين. لكنهم ينتظرون أن يتجاوز التاريخ أمثالهم وتتهيأ الأجواء لعلاقة صداقة بين الشعبين والدولتين على أساس الاحترام المتبادل البعيد عن مثل هذه الأحقاد التي توارثها آل لوبان أبا عن الجد جان الذي اختير من بين الضباط الفرنسيين الشغوفين للانتقام والإجرام بعد هزيمة نكراء منيو بها في الهند الصينية فجيئ بهم لمواجهة المجاهدين الجزائريين فقد كانت مشاركة لوبان في حرب الجزائر إجرامية بامتياز وهو الذي نكل بالجزائريين قتلا وتعذيبا وظل يعض على يديه بعدما لم ينل خيرا ولو قدر له أن يعود لارتكب أبشع مما ارتكب بالأمس.

 

وبغض النظر عما أثارته تغريدة لوبان من ردود أفعال جزائرية فإن هذه المرأة الحاقدة تبحث لنفسها عن مواقع استقطابية ضمن السباق الرئاسي الفرنسي القادم لذا من المرجح أن تكون قضية الذاكرة بين الجزائر وفرنسا في صلب الصراع السياسي داخل فرنسا بين أطراف سياسية ولدت بعد فترة الاستعمار لكنها لا تزال تحملها كعبئ تاريخي، بعضها يريد التخلص منها وبعضها الآخر لا يزال متشبثا بها ويدفع بها إلى مستنقع الجدل السياسي. فهل ستجرؤ فرنسا ماكرون على تحدي فرنسا التقليدية لاسيما اليمين المتطرف الذي يزداد امتدادا في فرنسا في السنوات الأخيرة فقد حقق نتائج انتخابية منذرة في الانتخابات الجهوية والبرلمانية وكان على خطوة من الفوز برئاسة فرنسا عام 2017.

 

لقد وضع موقف ماري لوبان تيار الجبهة الوطنية من جديد في واجهة المعادين للجزائر ليخفي وراءه تيارات أخرى قليلة الظهور تحت الأضواء وهي لا تزال تحمل حنينا جزائريا وتتخذ لنشاطها لوبيات تتسلل إلى الإعلام أحيانا وتتواطأ معها أطراف جزائرية تحمل الهدف ذاته وهو الإبقاء على الوصاية الفرنسية على الجزائر وليست هذه التغريدة إلا تحذيرا لماكرون من التنازل قيد أنملة عن هذه الوصاية.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك