لماذا تصاعدت الاحتجاجات العنيفة في الولايات المتحدة الأمريكية؟

"عنصرية ممهنجة":

 حسام إبراهيم/مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة

 

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، على مدى الأيام الأخيرة، منذ يوم الاثنين 25 مايو حتى الآن؛ تظاهرات في العديد من المدن الأمريكية، احتجاجًا على مقتل أحد المواطنين الأمريكيين من أصل إفريقي. وقد أدى تسارع الأحداث إلى تحول بعضها إلى أعمال عنف وتدمير؛ الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات أبرزها: مَن هؤلاء المحتجون؟ وما مطالبهم؟ وما الأسباب الرئيسية للاحتجاجات؟ وما إمكانية تحقيق هذه المطالب؟ وهل ستؤدي تلك الاحتجاجات إلى تغيير في بنية النظام الذي انتشرت في ظله العنصرية الممنهجة في الداخل الأمريكي؟

 

خريطة الاحتجاجات:

 

تعكس المؤشرات الخاصة بالاحتجاجات في المدن الأمريكية عددًا من الدلالات المهمة لمعرفة السياق العام للأحداث؛ وذلك على النحو التالي: 

1- اتساع نطاق التظاهرات:

 لم تقتصر تظاهرات الاحتجاج في الولايات المتحدة الأمريكية على مدينة مينيابوليس التي شهدت حادث مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد الذي فجَّر الأحداث، أو على ولاية مينيسوتا (الولاية الأم لهذه المدينة)؛ بل انتشرت في العديد من المدن الرئيسية بالولايات الأمريكية الكبرى. ووفقًا لبعض التقديرات خرجت تلك التظاهرات في أكثر من 150 مدينة أمريكية، بينها مدن رئيسية مثل نيويورك، وشيكاغو، وأتلانتا، ولوس أنجلوس، وميامي، وسان فرانسيسكو، والعاصمة واشنطن.

2- مدى سلمية الاحتجاجات: 

تباين مستوى السلمية في التظاهرات الأمريكية من مدينة إلى أخرى، ومن تظاهرة إلى أخرى، وبحسب تطور الأحداث واستمرارية التظاهرات؛ ففي البداية غلب على التظاهرات استخدام العنف، وأعمال التخريب والسلب والنهب، خاصةً في بداية الأحداث بمدينة مينيابوليس، وفي عدد من المدن الأخرى، خاصةً نيويورك. وبوجه عام فإن تحول التظاهرات من السلمية إلى العنف توقف، إلى حد كبير، على تعامل الشرطة وطريقة ردها. ولا يمكن التعميم على كافة تظاهرات الاحتجاج بأنها عنيفة، لكن تفاوتت بين السلمية والعنف بحسب تطور الأحداث. 

3- تركيبة المتظاهرين في الاحتجاجات: 

تُعَد تركيبة المتظاهرين من أهم الجوانب الإشكالية في الاحتجاجات التي اندلعت في المدن الأمريكية؛ فتلك التركيبة هي التي حكمت، إلى حد ما، رد الفعل الرسمي لإدارة الرئيس ترامب، وردود الفعل من الرموز والشخصيات الرئيسية في المجتمع الأمريكي، حتى طريقة تغطية وسائل الإعلام. وهناك ثلاث رؤى حول طبيعة المشاركين في أحداث التظاهرات ومحركيها:

أ- الفوضويون واليسار الراديكالي: 

وجهة النظر الرسمية التي عبَّر عنها الرئيس ترامب وبيان وزارة العدل الأمريكية في توصيف المتظاهرين؛ أنهم من الأناركيين “دعاة الفوضى”، وجماعات اليسار الراديكالي، وأبرزها حركة “أنتيفا Antifa”، وهي حركة مناهضة للفاشية ذات ميول يسارية، تعمل على مناهضة اليمين الأبيض، وتتبنى العنف في مواجهة الوضع القائم، ونشطت على الساحة الأمريكية خلال السنوات الثلاثة منذ وصول الرئيس ترامب للسلطة وصعود قوى “اليمين الأبيض” في الداخل الأمريكي، وليس لها هيكل موحد أو قيادة وطنية، لكنها ظهرت في شكل هيئات محلية في العديد من المدن الأمريكية، ولا سيما مدن الساحل الغربي. وفي سياق محاولة تأكيد أن الاحتجاجات مُنظَّمة وتُحرِّكها قوى معينة، أكد حاكم ولاية مينيسوتا أن أكثر من 90% ممن يتظاهرون في الولاية أتوا من خارجها.

ومن الجدير بالذكر أن البعض يضع حركة “حياة السود مهمة Black Lives Matter” ضمن فئات اليسار التي شاركت في الاحتجاجات، لكن لم يتم اتهامها بالعنف أو تصعيد الأحداث. وهذه الحركة تأسست في عام 2013 ردًّا على ممارسات الشرطة العنيفة ضد السود، وتقوم أفكارها على القضاء على سيادة البيض، والعمل على تقوية المجتمعات المحلية للتدخل ضد العنف الذي تمارسه الدولة ضد المجتمعات السوداء. وتقليديًّا، لا تدعو الحركة إلى العنف، لكن بعض الذين يرفعون شعار الحركة يمارسون العنف في بعض الأحيان. وبوجه عام فإن شعارات الحركة ومطالبها كانت جزءًا من الشعارات التي رفعها الكثير من المتظاهرين، وقد نشرت الحركة على موقعها الرسمي بيانًا صحفيًّا نعت فيه جورج فلويد، ووضعت عريضة تدعو إلى وقف تمويل الشرطة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.

 

ب- جماعات اليمين الأبيض المتطرف: 

تربط بعض التفسيرات بين اليمين الأبيض المتطرف وأحداث العنف في التظاهرات؛ حيث ترى بعض التقديرات أن جماعات من اليمين الأبيض تعمَّدت استغلال الأحداث لزيادة التوتر في المجتمعات الأمريكية الداخلية. ولكن من الجدير بالذكر، أن الرواية المتعلقة باستغلال اليمين الأبيض للأحداث، منتشرة على نطاق ضيق، بعكس رواية تورط اليسار الراديكالي والفوضويين. ورغم ذلك فعمليًّا، ألقت سلطات المكتب الفيدرالي الأمريكي FBI في مدينة لوس أنجلوس بولاية نيفادا الأمريكية، يوم 30 مايو –أي بعد اندلاع الاحتجاجات بخمسة أيام– القبض على ثلاثة أشخاص من جماعة “بوجالوو boogaloo”، الذين كانوا يصنعون “عبوات المولوتوف” لاستخدامها في التظاهرات، وهي من جماعات اليمين المتطرف وتدعو صراحةً إلى إسقاط الحكومة الأمريكية بالقوة.

 

ج- متظاهرون يعكسون تركيبة المجتمع الأمريكي: 

الرؤية الثالثة عن المشاركين في تظاهرات الاحتجاجات –التي يتبناها الإعلام الليبرالي والعديد من رموز وقادة المجتمع الأمريكي– تتحدث عن أنهم مواطنون أمريكيون عاديون من جميع الأعمار، خاصةً الشباب، ومن مختلف الأعراق التي تشكل المجتمع الأمريكي، وأن هؤلاء هم الفئة الغالبة على المتظاهرين، وهم ضد أعمال العنف والتخريب.

بوجه عام، يمكن القول إن التفسيرات الثلاثة لطبيعة المشاركين في الاحتجاجات يمكن قبولها، ويتوقف تبني أحدها على الانتماء السياسي أو التوجه الفكري، ليبراليًّا كان أو يساريًّا. ومنطقيًّا فإن الفئات الثلاثة (الفوضويين واليسار الراديكالي، واليمين الأبيض المتطرف، والغالبية العادية من الأمريكيين) شاركت بشكل أو بآخر في التظاهرات، لكن المؤكد لدى معظم مراقبي الشأن الأمريكي أن غالبية المتظاهرين السلميين الذين يبحثون عن التغيير هم الأمريكيون العاديون من فئات الشباب وغيرهم.

 

ثلاثة مطالب:

 

تتركز قائمة المطالب التي يرفعها المتظاهرون في الاحتجاجات بالولايات المتحدة الأمريكية حول ثلاثة مطالب أساسية، تتضمن: 

 

1- العدالة لجورج فلويد:

 ثمة علاقة بين تصاعد الاحتجاجات وتعامل سلطات ولاية مينيسوتا مع قضية جورج فلويد؛ فمطالب المتظاهرين تتركز على ضرورة تقديم أفراد الشرطة الأربعة المتورطين في حادث مقتل جورج فلويد إلى العدالة، الذين شاركوا في عملية القبض التي أودت بحياته، بعدما وضع شرطي ركبته فوق رقبته لمدة تجاوزت ثماني دقائق؛ ما أدى إلى وفاته. وقد أثبت تقرير التشريح الطبي، أنه توفي نتيجة الاختناق. ففي البداية، ورغم قيام السلطات بإنهاء عمل الأفراد الأربعة، لم يتم تقديمهم للعدالة مباشرةً، بل بعد اندلاع الاحتجاجات وأعمال التخريب في المدينة، وتم تقديم الشرطي الرئيسي المسؤول عن مقتل فلويد، ولم يُقدَّم الثلاثة الآخرون للعدالة، وتم توجيه تهمة القتل من الدرجة الثالثة إلى هذا الشرطي، ولاحقًا مع تطور الأحداث وضغط المتظاهرين والتحقيقات التي أجرتها السلطات، تم تغيير الاتهام إلى تهمة القتل من الدرجة الثانية، مع تقديم الثلاثة الآخرين للمحاكمة، واتهامهم بالتعاون في واقعة مقتل فلويد.

 

2- تغيير ممارسات الشرطة: 

 

توسُّع نطاق الاحتجاجات واتساعُها في الولايات المتحدة الأمريكية من مستوى محلي في ولاية مينيسوتا إلى العديد من الولايات الأمريكية الكبرى؛ يتعلق بالاحتجاج ضد ممارسات وعنف أفراد الشرطة الأمريكيين، خاصةً في تعاملهم مع الأفراد من العرقيات غير البيضاء.. هذه الممارسات التي تتنوَّع بين استخدام العنف ضد الأشخاص من غير البيض، وخاصةً السود، وبين نمط تسجيل معدلات الجرائم في الولايات المتحدة الذي يرتفع بين السود بسبب نمط الملاحقات الذي تقوم به الشرطة ويستهدف هذه الفئة، وصولاً إلى عدم المساواة والعنصرية الممنهجة Systemic Racism  في التعامل مع السود عامةً.

 

3- تحقيق المساواة والعدالة: 

المطلب الثالث للمشاركين في الاحتجاجات الأمريكية يتعلق بتحقيق تغيير في بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي داخل الولايات المتحدة الأمريكية.. هذا النظام الذي يقوم –وفقًا للبعض– على عدم المساواة وعدم وجود عدالة كافية بين فئات المجتمع الأمريكي الذي يعاني فيه الأفراد من أصحاب البشرة الملونة (السود من أصول إفريقية، والإسبان، وغيرهم) من تمييز وعدم عدالة، لصالح الأمريكيين البيض. وهذا المطلب الذي يقترب من المثالية، يفسر اتساع نطاق الاحتجاجات في العديد من الولايات الأمريكية، واستمرارها لمدة ثمانية أيام، وتوقع استمرارها أيضًا لفترة؛ فهذه الاحتجاجات تتعلق في نطاقها الأوسع بفكرة التغيير داخل المجتمع الأمريكي.

 

دوافع الاحتجاجات:

 

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه ارتباطًا بالاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية، يدور حول الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات. وهذه الأسباب يمكن إيجازها في محورين رئيسيين على النحو التالي:

 

1- الأسباب التي برزت في شعارات المتظاهرين: 

المطالب الثلاثة للمتظاهرين المتعلقة بتحقيق العدالة لجورج فلويد، وتغيير ممارسات الشرطة، وتحقيق العدالة والمساواة؛ يرتبط بعضها ببعض؛ فحادث مقتل جورج فلويد، يوم الاثنين 25 مايو، هو الذي حرَّك الأحداث، ومقتل مواطن بهذه الطريقة، وتصوير الحادث وتداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، عبَّر عن مستوى من مستويات العنف الذي تمارسه الشرطة الأمريكية. ويضاف إلى ذلك حوادث قتل أمريكيين من أصحاب البشرة السوداء، التي تكررت مؤخرًا، وأصبحت قضية رأي عام داخل الولايات المتحدة تتعلق بالمساواة والعدالة وعدم العنصرية.

 

2- السياق العام في الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب: 

بوجه عام، فإن تظاهرات الاحتجاج في الولايات المتحدة الأمريكية يمكن تفسيرها في سياق الوضع العام، الذي أوصل فئات من المجتمع الأمريكي، خاصةً الشباب، إلى حالة من الإحباط، سواء نتيجة تداعيات أزمة كورونا التي خلَّفت أكثر من 40 مليون عاطل عن العمل في الولايات المتحدة الأمريكية في أزمة اقتصادية حادة، أو حالة الاستقطاب الحاد في المجتمع نتيجة خطاب الكراهية والعنصرية الذي يتبناه ترامب، والذي أدى –في أحد جوانبه– إلى صعود اليمين المتطرف، واليسار الراديكالي أيضًا في السنوات الأخيرة، ناهيك عن أزمة الحزبَيْن الرئيسيَّيْن في الولايات المتحدة: الديمقراطي والجمهوري، اللذين تراجعا وضعفا بدرجة بارزة في السنوات الأخيرة، سواء بفعل عوامل داخلية أو بفعل تأثيرات ظاهرة ترامب في المجتمع الأمريكي. ويضاف إلى ذلك التوقيت؛ فتداعيات أزمة كورونا، وحادث جورج فلويد جاءا في عام الانتخابات الرئاسية لعام 2020، التي يفصلنا عنها نحو خمسة أشهر، والتي ستكون مثار تفاعلات كثيرة داخل المجتمع الأمريكي، وستحدد هوية أمريكا في السنوات القادمة؛ إما أمريكا ترامب مرة أخرى، أو أمريكا جديدة تبدأ في مسار مختلف عن سنوات ترامب.

 

الخلاصة:

 تصاعُد تظاهرات الاحتجاج في الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن يتعلق بحادث مقتل جورج فلويد بدرجة رئيسية؛ فالحادثة كان مُحرِّك الأحداث ودافعها، لكن الاحتجاجات ترتبط بأوضاع هيكلية مختلة في بنية النظام والمجتمع الأمريكي، تتعلق بعنف الشرطة، والتمييز وعدم المساواة، والمناخ السياسي العام الذي ترتب على حكم الرئيس ترامب. وهذه الاحتجاجات، التي تعبر –في الأساس– عن رغبة في التغيير، خاصةً ما يتعلق بضرورة تحقيق المساواة والعدالة في المجتمع؛ لن تحقق أهدافها بين يوم وليلة، لكنها جزء من حركة تغيير بدأت شرارتها، وسوف تستمر لسنوات.. هذا التغيير يتعلق ببنية المجتمع والسياسة الأمريكية أكثر من تعلُّقه باستمرار ترامب على رأس السلطة. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك