لماذا ترفض حمس دستور تبون؟

رغم انخراطها بقوة في مسعى التعديلات

بقلم احسن خلاص

لم يمر موقف حركة مجتمع السلم من الطبعة الجديدة من الدستور دون أن يثير علامات استفهام، ليس من حيث طبيعة الموقف ذاته المنادي بالتصويت لصالح خيار رفضها، فمن الطبيعي أن تعبر الفعاليات السياسية عن مواقفها المتعددة ويحتدم النقاش حولها وتضرب الحجة بالحجة، بل أن ما أثار الغرابة هو دعوة حمس إلى دورة طارئة عاجلة لمجلسها الشوري لمناقشة الموقف وإصدار القرار في ظرف وجيز وتبليغه ببيان مقتضب وقعه رئيس المجلس الشوري عبد القادر سماري، وهي التي عودت الرأي العام على إن تتيح لنفسها ما يكفي من الوقت لانضاج مواقفها واستجماع أقصى حد من المعطيات. فليس هناك نظريا ما يدعو إلى استعجال الموقف لاسيما وأن ما يفصلنا عن موعد الاستفتاء أكثر من شهر.

ولعل رئيسها عبد الرزاق مقري سيخرج إلى الرأي العام قريبا ليشبع الفضول بمداخلاته التفصيلية الطويلة وقبل ذلك نحاول أن نستحضر تقاطعات ومؤشرات لعلها تقرب موقف حركة الشيخ نحناح من السياق ونحاول مقارنة موقفها الأخير بمواقف سابقة لفهم خلفية القرار وتأثيراته القريبة على السلطة وعلى الحركة ذاتها التي لا تخطو خطوة إلا بعد أن تحسب عواقبها القريبة والبعيدة وحتى وإن ظهر قرار رفض تزكية الدستور مع الاحتفاظ بالمشاركة في الاستفتاء عاجلا فإنه دون شك خلاصة استشارة داخلية واسعة لم تنته فقط عند أعضاء مجلس الشورى بل امتدت إلى المكاتب الولائية ومختلف هيئات الحركة.

خلافا للكثير من الأحزاب لاسيما جبهة العدالة والتنمية وأحزاب القطب الديمقراطي انخرطت حركة مجتمع السلم في مسعى التعديل الدستوري بقوة واستنفرت قواها المركزية والمحلية في عملية نقاش طويلة لجميع بنود المسودة التي عرضتها السلطة في مايو الماضي وقد انتهت ورشاتها إلى بلورة نسخة كاملة ومتكاملة من الدستور كما تراه الحركة وقد جددت فيها مواقفها السابقة من طبيعة النظام الذي تطمح إليه وطرحت مقترحات جديدة محينة وفق المعطيات التي وفرها الحراك الشعبي. ولم تتحفظ الحركة كثيرا من الأسلوب الذي اعتمدته السلطة في مناقشة مسودة الدستور وقد أتيح لها المجال واسعا لتبدي رأيها سرا وعلانية من خلال مشاركة مكثفة لرئيسها عبد الرزاق مقري في بلاطوهات التلفزيونات العامة والخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبالرغم من اختلافها مع التوجه العام للسلطة لاسيما في خيار النظام البرلماني الذي ظلت تدافع عنه الحركة باستماتة وإصرار إلا أن الحركة سايرت خيار النظام شبه الرئاسي المطروح في التعديلات بل وقدمت ضمن مسودة الرئاسة اقتراحات جديدة منها منع استعمال اللغة الفرنسية في الوثائق الرسمية للدولة. وحتى المادة الرابعة التي أثارت الجدل واتخذت مطية لرفض المقترحات الدستورية لم تظهر الحركة بشأنها موقفا معارضا إذ عكس ما كان منتظرا منها عند مناهضي إدراج الأمازيغية فقد كان موقف الحركة راضيا على وجود المكون الأمازيغي في الدستور بل رأت ذلك ضروريا على خلاف حركة البناء الوطني وجبهة العدالة والتنمية.

لا يبدو موقف حركة مجتمع السلم إذن مرتبطا بطبيعة التعديلات الدستورية ولا بأسلوب عرضها بقدر ما ينبغي البحث عن عوامل أخرى سياسية تقف وراء هذا الرفض السريع بالنسبة لبعض المراقبين والمتسرع بالنسبة لآخرين. وفي الواقع صارت حركة مجتمع السلم تعيش منذ 2012 مرحلة جديدة بعد خروجها من التحالف حول برنامج الرئيس بوتفليقة حيث تراوحت مواقفها من المواعيد والاستحقاقات السياسية بين مقاطعة انتخابات الرئاسة لعام 2014 بسبب ترشح بوتفليقة للعهدة الرابعة التي اقترحت تمديدها بعام مع اقتراب نهايتها والمشاركة في انتخابات الرئاسة لعام 2019 بالرغم من ترشح بوتفليقة نفسه لعهدة خامسة وبينهما رفضت حمس عرضا للمشاركة في الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2917 التي شاركت فيها بقرار أحادي مثلها مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بعيدا عن هيئة المتابعة والتشاور التي أنشأتها مبادرة مازفران لتوحيد مواقف المعارضة. غير أنها فضلت مقاطعة انتخابات الرئاسة في ديسمبر الماضي من منطلق أنها كانت انتخابات مغلقة في نظرها مما أتاح المجال لغريمها حركة البناء الوطني الذي رشح رئيسه عبد القادر بن قرينة واحتل المرتبة الثانية بعد تصريحات لقيادة حمس أعطت أنصار الحركة حرية الاختيار بين المقاطعة والتصويت.

لقد كان رئيسها عبد الرزاق مقري ولا يزال حريصا على إبعاد مواقف الحركة ما أمكن عن التأثيرات الخارجية سواء تلك التي تأتي من السلطة أو من الطبقة السياسية أو التي تأتي من دوائر خارجية يشتغل في أطرها رئيس الحركة وأعضاء قياديون آخرون. كما كان حريصا دائما على تجنب سياسة الكرسي الشاغر إذ لم تكن مقاطعة انتخابات 2014 إلا استثناء أكد القاعدة، غير أنه صار يتجنب الدخول في أي تكتل سياسي جديد خاصة بعد الفشل المتكرر للمبادرات السابقة وآخرها مبادرة منتدى عين بنيان.

ها هي حمس تختار خوض تجربة مختلفة عن تجاربها السابقة وهي دعوة أنصارها إلى التصويت بلا على مشروع التعديلات الدستورية الجديدة ولم تبين حمس إن كانت ستقوم بحملة لحشد أكبر عدد من المؤيدين لرفض التعديلات أم أنها ستدخل البيت وتنتظر إعلان النتائج وهي تعلم أن هم السلطة الرئيسي هو ضمان مشاركة أكبر في الاستفتاء وأن تعطي لنتائجه طابعا ديمقراطيا يبعده عن نسب التزكية الخيالية لعهد الأحادية. ونطمح حمس من الفوائد التي تجنيها السلطة من موقفها أن تحجز لها مكانا مرموقا خلال الانتخابات البرلمانية التي ينتظر أن تقام قريبا لاسيما إذا ارتفع منسوب رفض التعديلات الذي ستستوعبه الحركة من منطلق أنها الحزب الأول المبادر برفض التصويت بقبول الدستور.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك