لحماية الأوطان ونهضتها ضد التجزئة والعزلة

تلقائيا

بقلم: صالح عوض

ماذا يحصل في العالم؟ ما هو مكاننا في نتائج ما يدور من صراعات كبرى؟ ما هي حصوننا التي تحمي وجودنا، وتزودنا بدور حضاري؟ هل لازال هناك متسع للحديث عن وحدة أمتنا؟.. لقد بلغت مشاريع التمزيق ذروتها مدعومة بقرار دولي لإشغالنا بصراعات بشتى العناوين لإخراجنا من حيز النهضة .. لنسأل: ماذا تبقى من أمتنا؟ وهل بإمكاننا حماية الأوطان الخاصة وبناء النهضة الحقيقية في عالم يتصارع فيه العظام دون وحدة أمتنا؟! 

ولعل التاريخ يجيب: ما وصلت أمة إلى مجدها إلا كانت الوحدة سبيلها، وما انهزمت إمبراطورية وتلاشت إلا بفعل التمزق والتنافر.. ولعل كثيرا منها دفع ثمن الوحدة من الدماء أكثر مما دفع في معاركه الخارجية، فالوحدة مقدمة عن سواها من المعاني والقيم.. 

سقوط الإمبراطوريات:

من المهم النظر إلى التاريخ البشري والذي تحكمه القوانين نفسها في التطور والانهيار، لمعرفة  المرحلة الكونية القادمة، وما خطوتنا الضرورية؟ وما هو حجم المتاح لنا ضمن شروط موازين القوى؟ كيف نخترق الحصار والعزلة؟ إننا بقراءتنا لحركة التاريخ نمتلئ يقينا بحقائق سيرت الإمبراطوريات والدول التي تشكلت عبر المسيرة البشرية، والتي من أهم نواميسها الفاعلة: التلازم بين القوة والوحدة كما هو التلازم بين التفرق والضعف.. 

هذا ما نراه في الإمبراطورية الرومانية التي توصف في الفكر التاريخي الغربي بالأهم من حيث انتشارها وتمدد عمرها، وتعتبر مرجعية لكثير من الإمبراطوريات اللاحقة في الغرب.. في هذه الإمبراطورية التي توسعت عبر أوربا وإفريقيا و مشرق العرب كانت الوحدة سلاحها الأقوى في حين لم تحظ بدين جامع سوى عقائد تعدد الآلهة وبعد ثلاثة قرون من الميلاد دخلت المسيحية إلى معقل الإمبراطورية لتمنحها وجهة جديدة.. 

واجهت الإمبراطورية تحديات خارجية خطيرة، لعل أهمها المواجهة مع العرب قبل الإسلام في قرطاج وتدمر، فكانت معارك استنزاف كبيرة عبر عقود من الزمن، ولم تنهزم هذه الإمبراطورية حتى دب النزاع بين قادتها، و تشتتت وانهارت في سنة 480 بعد الميلاد.. وفي الإمبراطورية الرومانية تمثلت الوحدة بسن القانون والالتزام به، وصناعة القوة بشتى أشكالها، وحشد طاقات الجميع في ظل الإمبراطورية، لحماية حدودها و التحرك لغزو مناطق جديدة، فكانت الوحدة في ذلك كله الممر نحو تمديد عمر الإمبراطورية، واتساع رقعتها.

هذا النموذج الغربي المرجعي –الإمبراطورية الرومانية- ظل هو الحاضر في ذهن النخبة السياسية والقيادية في المجتمعات الغربية التي حاولت تكرار التجربة الرومانية فكانت الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية حيث توحيد اللغة وفرض القانون وتجميع الطاقات والانطلاق بها في الحملات المتنوعة ونظرا لخلل منهجي اتبعته الإمبراطوريات الأوربية الحديثة حصل السقوط المدوي.. حاولت الإمبراطوريات الغربية الحديثة إحداث التغيير في المجتمعات الجديدة التي تمددت فيها -الجزائر مثالا- على صعيد اللغة والقيم وأحيانا الثقافة الخاصة لكي تصبح هذه البلاد والمجتمعات جزءا من دولاب الإمبراطورية وفرضت ذلك بالقوة والقهر لسلب الشعوب خصوصياتها ورغم أن هذه الإمبراطوريات خرجت لتوها من العصبيات الدينية بتكسيرها لسلطة الكنيسة، إلا أنها ظلت صليبية تجاه الشعوب الأخرى، وبفقدانها عاملا إنسانيا مشتركا زرعت بذور التفرقة العنصرية مع شعوب الإمبراطورية.. فعجزت عملية الانصهار عن تشكيل شخصية واحدة  وظل التنافر فيروسا كامنا في كيان الإمبراطورية يتمدد في انتظار اللحظة صفر ليمزق الكيان القائم مما تسبب في تهديم الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية مع الحرب العالمية الثانية.. وظلت مخلفات الاستعمار في عين الريبة مع دخول الشعوب في عملية جادة للانعتاق من الروابط مع الإمبراطوريات السابقة.. وهكذا انتهت الإمبراطوريات الغربية إلى دول تئن تحت ضغوطات اقتصاد متراجع وسطوة كورونا عليه وتحديات كونية جديدة بعد انتهاء الحرب الباردة.. ولم تعد قادرة على استئناف مشاريعها الإمبراطورية.

النموذج الأمريكي:

من المهم تدبر المثال الأمريكي على اعتبار انه الأكثر حضورا وتأثيرا على رسم الخرائط السياسية والاقتصادية في العالم على الأقل في بلداننا.. ولعل الإمبراطورية الأمريكية أكثر الإمبراطوريات الغربية تمثلا للإمبراطورية الرومانية حيث واتتها الفرص مجتمعة أن تكون بلا منافس في السيطرة وطول العمر والانتشار في مواقع الفعل العالمي لاسيما بعد آن تمكنت من تدمير الكتلة الاشتراكية..

بعد أن تم القضاء على الهنود الحمر كقوة سياسية اجتماعية، ذهبت أمريكا الجديدة إلى الحروب الداخلية لفرض الوحدة فكانت الحروب الداخلية الدامية في الفترة من عام 1861 إلى 1865. واجه فيها الاتحاد (الولايات المتحدة) الانفصاليين في إحدى عشر ولاية جنوبية مجتمعة.. وقد فاز الاتحاد في هذه الحرب في ربيع 1865 وكانت هي الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة وانتهت باستسلام جيوش الكونفدرالية وحل حكومتها هذا وقد خلفت الحرب العنيفة ما بين 620,000 إلى 750,000 قتيل من الجنود، وهو رقم  أعلى من عدد قتلى الجيش الأمريكي خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.. لقد انهارت الكونفدرالية وتحرر 4 ملايين من العبيد (إعلان لينكولن لتحرير العبيد).. وانطلق عصر إعادة الإعمار (1863-1877)، مع استعادة الوحدة الوطنية، وتعزيز الحكومة الوطنية، وبعدها تمكنت الإدارة الأمريكية من فرض صيغة لتوحيد أمريكا في دولة تتمتع بقوانين وإدارة تجتهد بدأب لتوحيد تعريفات أساسية كالمواطنة وانهمكت في صياغة هوية خاصة وشخصية محددة المعالم بغض النظر عن الدين والعرق والطبقة.

إلا أن الإمبراطورية الأمريكية التي أسست وحدتها بالقهر وحاولت صياغة شخصية جامعة تعيش اليوم في لحظة إنهاكها الاقتصادي وحروبها الخارجية الفاشلة حالة ضعف ويبدو أن جهاز المناعة الذاتية أصابه هزال فبدأت النعرات الانفصالية مدفوعة من سلوك عنصري وتفلت إجرامي في المجتمع تظهر ملامحه في الاشتباكات العنيفة في شوارع المدن الأمريكية على أسس عرقية الأمر الذي يهدد وحدة المجتمع.

ان ما نلاحظه من تقدم قوى دولية منافسة صاعدة -الصين مثالا- يشكل ضغطا نفسيا قويا على الإمبراطورية الأمريكية التي توهمت لفترة ما أنها وصلت إلى نهاية الصراع الحضاري الكوني وذهب بعض فلاسفة الحضارة الغربية كالمفكر الرأسمالي الأمريكي “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، ولتفسير رؤيته أكد أن المرحلة التاريخية تشهد تشكّل مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية.. نظر المفكر الأمريكي إلى تطور عالمي تلقائي نحو الليبرالية الأمريكية وقد أصابه الاعتقاد ان التغييرات الملائمة حصلت بالمجتمع البشري، لتصبح البشرية رعية للإمبراطورية الأمريكية وذلك قبل أن ينطلق آخرون يرون أن هناك أخطارا مضادة لازالت تتحرك فاتجهوا يرسمون خططا إستراتيجية على أرضية معطيات برؤية صراعية لإدامة عمر الإمبراطورية منبهين للمخاطر المستقبلة، وكان صموئيل هنتجتون أبرز من تصدى للمهمة راسما المراحل لحركة الإمبراطورية الأمريكية ليصبح في عرفها “نبيها الجديد” لكتابه الصادر في 1993 “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”

وبدل أن تتجه الإدارات الأمريكية إلى تعزيز روح السلام الداخلي وتعزيز الوحدة الوطنية وتجنب الحروب الخارجية مفتوحة الجبهات اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تبني رؤية غاية في التعقيد فحسب هنتجتون: “صحيح إن جوانب من الحضارة الغربية وجدت طريقها في حضارات أخرى ولكن قيم الديمقراطية وسيادة القانون والسوق الحر قد لا تبدو منطقية في عقلية المسلمين” ولهذا طرح تصوره لمستقبل الصراع مع المسلمين فيقول: “الصراع القادم سيكون بين “الغرب والآخرين” والمستقبل القريب يشير إلى صراع بين الغرب والدول ذات الأغلبية المسلمة، وعلى الغرب أن يقوي جبهته الداخلية بزيادة التحالف والتعاون بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ومحاولة ضم أميركا اللاتينية القريبة جدا من الغرب، وكذلك اليابان” ويقدم عدة سيناريوهات لعل أبرزها: “السيناريو الثالث هو أن تتحالف تلك الدول أو الحضارات مع حضارات غير غربية أخرى وتسعى لتشكيل قوة اقتصادية أو عسكرية معها بغرض تحقيق التوازن أمام الدول الغربية”.. وهنا تبدو الإشارة واضحة للصين.

تقف الإمبراطورية الأمريكية الآن أمام أسئلة وجودية حادة وعلى بدايات الانحدار التاريخي متمثلا بزيادة الإنفاق أكثر من الدخل في ظل عبثية الحكومات المتلاحقة لاسيما العهدة الأخيرة التي تلعب بها قوى المال المركزة في فئة قليلة من مالكي الشركات العملاقة في “المجمع العسكري وشركات النفط والبنوك والخدمات التكنولوجية” وقد أصبحت وصفة الصراع تعميقا لأمراضها المستفحلة.. فيما تواجه التحديات الداخلية والخارجية بالمديونية المرتفعة 20 تريليون دولار وآثار الحروب النفسية والتصدع الاجتماعي الأمر الذي سيكون له الأثر البالغ في مواجهات من نوع آخر مع تكتلات تولد اليوم لعل أخطرها طريق الحرير.

نحن والتجزئة والعزلة:

من الواضح أننا نمتلك معطيات جعلت هنتجتون يعتبر أننا طرف الصراع الكوني القادم، لذلك أطلق تحذيراته وحرض علينا العالم كله.. وهنا لابد من النظر إلى كل المشاريع التي نفذتها الإدارات الأمريكية من بوش الأب حتى الآن على اعتبار أنها حلقات متواصلة في تلك الحرب المفروضة بمبررات كاذبة.. فلم يكتفوا بفرض التجزئة علينا وتحويط دولنا الوطنية بحدود وأعلام ونشيد وطني خاص لكل شعب وفرض صيغ علاقات للأنظمة بجهات غربية متنافسة فساروا إلى مرحلة جديدة حيث إنهم رأوا في الدولة الوطنية المصنعة على أعينهم وبدعمهم خطرا محتملا مع ازدياد أعداد السكان و توفر الثروات وانتشار التعليم ومحو الأمية فتوجهوا لإسقاطها وبعثرة مكوناتها على إثنيات عرقية أو مذهبية، يتم تحت غبارها تسلل فريق من السياسيين والإداريين المصنّعين حيث زرع الاستشراق السياسي والأمني جيوشا من المثقفين والسياسيين في مفاصل الحياة في الدولة العربية، وتمت برمجتهم لمهمات إستراتيجية في مراحل مواتية.. وتماما كما الجسم البشري، الذي يحوي العديد من الجراثيم والفيروسات النائمة لا يظهر فعلها ودورها إلا عندما يصيبه الوهن وتقل مناعته..

وفي العشرية الأخيرة انتفضت كل الأدوات تباعا، لإثارة المكونات وإشغالها بأنفسها، إنفاذا لمشروع الفوضى الخلاقة، تمهيدا لصفقة القرن، ليتم عزل العرب عن مسارات الحياة والتي تتعدى الموضوع الفلسطيني، فلقد أظهرت رأسها بالاتفاق الاستراتيجي الإماراتي الصهيوني، والذي سيسهم بقوة في عزل مصر، بعد أن تفجرت بلدان العرب في أتون الصراع الداخلي الدامي، وأصبحت ساحاتهم سوقا للمنتجات الأجنبية، وثرواتهم مهددة ومعطلة عن القيام بمهمة التطوير…

في هذه الأثناء ينطلق مشروع طريق الحرير الصيني بمقدراته العملاقة وكان من المفترض أن يكون الوطن العربي هو الحلقة المركزية فيه، إلا أن العواصم العربية المركزية في المشرق: القاهرة وبغداد ودمشق تبدو خارج المسرح.. فلقد انصرفت مصر عن طريق الحرير تجنبا لغضب أمريكا، إلا أن هذا لم يجنبها مؤامرة خطيرة من عدة جهات: سد النهضة الذي يهددها بالعطش او الغرق، وغربها بالحدود الليبية، وشمالها بتحييد قناة السويس، بعد أن استدرجوها لبيع جزيرتي “صنافير وتيران” اللتين أصبحتا ممرا لأنبوب النفط الإماراتي نحو إيلات وعسقلان وبذلك الاستغناء عن ممر قناة السويس.

الأمر بشكل أو آخر حصل للعراق بعد أن كان من الواضح أن العراق أهم ممر لطريق الحرير وان هذا الممر سيدخل العراق في عجلة التنمية الاقتصادية العملاقة مما سيسهم في السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي وإذا بالطريق يبتعد بعيدا عن بغداد والفاو حيث ستصبح العراق مكبا للمواد الاستهلاكية القادمة من محور آخر من “جبل علي” لإبقاء العراق في ملهاة دامية بين صراعات هامشية تترك المجال متاحا لمزيد من عزلة العراق وانغلاقه على نفسه يتطاحن بقضايا لا قيمة لها في بعث النهضة.. في حين تجني دول مجاورة فوائد جمة.

سورية ودمشق وموانئها مشلولة أيضا بفعل التواجد الروسي الذي يبحث عن صيغ جديدة لاستثمار المكان وتعاني سورية من واقع العزلة بعد أن انسحبت الصين عمليا عن بناء مشاريع عملاقة وعن الإسهام في إعادة الإعمار.

في المغرب العربي يحاولون إما تفجير البلد من الداخل كما فعلوا بليبيا أو كما يفعلون الآن في تونس وهكذا يعزلون البلدين عن أي استثمار عالمي وتنمية نهضوية أو بمحاولة توتير حدود دول المغرب العربي من خلال قوى عسكرية أمريكية وفرنسية تقوم بتفجير التناقضات في الساحل بحثا عن ظروف مواتية لإرسال موجات من الإرهاب المنظم ضد الدول الأمر الذي يدفعها إلى الابتعاد عن التفكير بحلول إستراتيجية ويفقدها دورها الإقليمي..التجزئة، وتفجير بلداننا من الداخل، وعزلنا عن مسار الحياة هي برامج الاستعماريين نحونا.

ماذا ينقصنا؟:

ينبغي أن ندرك أن الإمبراطوريات لا تراعي مشاعر الضعاف، والملحقين بها.. فلئن كان نجم الإمبراطورية الأمريكية إلى أفول فهذا لا يعني أننا تحررنا وتقدمنا تلقائيا.. فقد نواجه تحديات أكثر خطورة إن لم نخرج من دوامة الواقع الذي صنعته سياسات مخربة على مدار عقود من الزمن.

ينقصنا وعي بالمرحلة، وإجابات علمية على ثلاثة محاور: من نحن؟ وما هو سبيل الوحدة؟ وما هي طريقة الانخراط في حركة العالم؟.. ولنعلم أن انخراطنا في حركة العالم دون تحديد هويتنا ودون وحدة أوطاننا يعني أننا سلمنا رقابنا للآخرين في نمطية جديدة من التبعية والانهيار. والوحدة ليست شعارا بل برامج عمل وتكريس واقع ضامن لها.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك