لحظات تاريخية ومؤثرة في ولادة “فريق الشعب”

99 سنة تمر على تأسيس مولودية الجزائر

ها هو السابع من أوت يعود إلينا ليأخذنا في رحلة عبر الزمن تعيدنا هذه المرة تسعة وتسعين سنة إلى الوراء، تذكرنا بلحظات تاريخية، مؤثرة، سعيدة تبقى راسخة في ذاكرة الجزائر والجزائريين، كيف لا اليوم المشهود دوّن بأحرف من ذهب ميلاد عميد الأندية الجزائرية وسلطانها المولودية الشعبية. الكيان الذي حمل ألوانه ودافع عن شعاره أبطالا ثوريين أولمبيين صنعوا مجد الجزائر وناديها العتيد. 

يعد فريق مولودية الجزائر، من أعرق النوادي الجزائرية وأحد أبرز المتراهنين التقليديين على لقب البطولة إلى جانب منافسيه وفاق سطيف، وشبيبة القبائل واتحاد الجزائر، ويملك الفريق أكبر عدد من الكؤوس المرفوعة رفقة وفاق سطيف، اتحاد الجزائر وشباب بلوزداد، ورابع أكبر عدد من البطولات بعد شبيبة القبائل، وفاق سطيف واتحاد الجزائر، كذلك، ويضم عدة اختصاصات أخرى غيرة كرة القدم أهمها: كرة اليد، كرة السلة، الكرة الطائرة. 

مولودية الجزائر..فريق الشعب 

ككل أيام شهر رمضان المعظم، في ميدان الحصان (ساحة الشهداء حاليا) في قلب العاصمة الجزائرية، كانت الجموع غفيرة والأكشاك تعرض كل أنواع المأكولات والحلويات وكان الشاب عبد الرحمن عوف جالسا بالساحة يتأمل في جمال البحر، وعلى بعد أمتار منه كان هناك بعض الأطفال يلعبون بكرة مصنوعة من الورق ويتنافسون عليها وعلامات السرور والبراءة بادية على وجوههم، فلفت هذا المشهد انتباه عبد الرحمن وأخذ يتابعهم باهتمام وبينما هم يلعبون مرت بجانبهم مجموعة من العساكر الفرنسيين المحتل، فنظر الرقيب للأطفال باستعلاء وقال لهم باحتقار: هذه هي حديقة أمراء العربنسبة لملعب حديقة الأمراء بباريس، فبقي عبد الرحمن مذهولا من هذه الجملة، التي أثرت فيه كثيرا وأشعرته بالإهانة وجعلته لا ينام الليل ومنذ هذه اللحظة وفكرة تأسيس ناد لكرة القدم تراوده أكثر من أي وقت مضى حيث أصبحت قضية مبدأ بالنسبة له، وفي اليوم الموالي وعند لقائه بأصدقائه طرح عليهم فكرته المتمثلة في تأسيس أول ناد جزائري مسلم ينافس الأندية الفرنسية، فلقي مقترحه ترحابا واسعا من طرفهم. 

المولودية والمولد النبوي الشريف 

في يوم 7 أوت 1921، اجتمع عبد الرحمن عوف رفقة أصدقائه من حي القصبة العتيق و باب الوادي (حي شعبي بالعاصمة الجزائر)  من أجل تأسيس أوّل ناد جزائري ، وقاموا باقتراح العديد من الاسماء على غرار البرق الرياضي الجزائري، الهلال الجزائري، النجم الرياضي، الشبيبة الرياضية، وقد وجدوا صعوبة في اختيار الاسم المناسب و في لحظة لم يتوقعها أحد صعد صوت من داخل المقهى من شخص مجهول مناديا: “مولودية” نسبة للمولد النبوي الشريف الموافق لذلك اليوم، وهي التسمية التي لاقت تجاوب هؤلاء الشبان ليتم الاتفاق على تسمية الفريق “المولودية الشعبية الجزائرية”، و اختيار ألوان العلم الوطني كألوان رسمية للفريق و هي الأخضر و الذي يرمز للأمل، إضافة لكونه اللون الرمزي للإسلام، أما اللون الأحمر فهو يمثل حب الوطن والتضحية. 

عبد الرحمن عوف ينجح في تأسيس المولودية رغم أنف الاستعمار 

قضى عبد الرحمن عوف الليلة لجمع الوثائق اللازمة لتأسيس النادي رسميا: تأسيس الجمعية الرياضية، تحضير الإمكانيات اللازمة (المادية والمالية)، اختيار ملعب للفريق ومقره الخاص، وقد لقي كل المساندة والتشجيع من طرف أصدقائه لتحقيق حلمه، فانتقل لمقر الولاية لدفع الملف والحصول على الموافقة الرسمية لتأسيس النادي، فتم رفض طلبه جملة وتفصيلا، وقد كانت حجة الإدارة أنه لا يمكنه تأسيس جمعية لأنه لم يبلغ سن الراشد بعد كونه كان يبلغ من العمر 19 سنة، ورغم هذا الرفض إلا أنه لم يفقد الأمل فقام بتزوير الوثائق وانتحل هوية زوج عمته “عبد المالك، وقد تم استدعاؤه مرتين من طرف الولاية، بهدف الغاء ملفه المتمثل في تأسيس ناد رياضي مسلم إلا أنه تمكن من تجاوز كل أسئلتهم المخادعة، ففي الاستدعاء الأول قاموا بسؤاله عن هدف إنشاء هذا الفريق ؟ فأجاب أنه يهدف لتدريب وتحضير الشبان للخدمة العسكرية، وفي الاستدعاء الثاني سألوه عن سبب اختياره اللونين الأخضر والأحمر وإلى ما ترمز؟ فأجاب مباشرة: الأخضر يرمز للجنة والأحمر للنار، أما الأسئلة الأخرى فكانت شكلية وتمكن من تجاوزها كلية لتتم المصادقة رسميا على تأسيس فريق مولودية الجزائر الذي اتخذ كشعار له النجمة والهلال. 

البداية الكروية 

دخلت المولودية المنافسة موسم 1921/1922 بتشكيلة مكونة من شبان لم يسبق لها لعب كرة القدم ولا تمتلك أي خبرة مقارنة بفرق أخرى تأسست قبلها بسنين ورغم هذا إلا أن العميد تمكن من احتلال مرتبة مشرفة نهاية الموسم في البطولة، وفي الموسم الموالي انضم النادي رسميا للرابطة الفرنسية (الجزائر كانت تحت الاستعمار) في درجتها الخامسة، ورغم النقص الفادح للإمكانيات فالفريق كان يوفر الملابس للاعبيه بصعوبة بالغة إلا أنه وفي نهاية موسم 1922/1923 تمكن من تحقيق الصعود للدرجة الرابعة، ورغم أدائه ونتائجه الرائعة والكرة الجميلة التي كان يقدمها إلا أن العميد كان يعاني من تعتيم إعلامي كبير من قبل الصحافة الفرنسية لدرجة أنها لم تكن تذكر حتى نتائجه ! وهذا خشية نمو شعبية النادي التي كانت في تصاعد رهيب، لتخرج اتحادية المستعمر بقانون BORDE الذي يلزم على الأندية المسلمة على إشراك لاعبين 2 أوربيين في التشكيلة الأساسية وهذا بهدف الإنقاص من شعبيتهم التي أصبحت تقلق السلطات الفرنسية. 

تعليق المنافسة والعودة بطموحات كبيرة 

بعد الصعود إلى القسم الرابع حقق النادي نتائج متوسطة في أول موسمين، ومع دخول سنة 1925 تلقى العديد من لاعبي العميد دعوة لقضاء الخدمة العسكرية “إجباريا”، ليجد الفريق نفسه منقوصا من أفضل لاعبيه وهو ما دفع المسيرين لقرار تعليق المنافسة لمدة موسمين، ليعود الفريق للمنافسة موسم 1927/1928 بطموحات كبيرة ويتوج في نهاية المطاف ببطولة القسم الرابع، ويحقق الصعود بجدارة واستحقاق لقسم الدرجة الثالثة أين قضى ثلاث مواسم إلى غاية سنة 1931 وبعد موسم شاق تمكن العميد من احتلال المرتبة الأولى ليلعب مباراة فاصلة لتحديد الفريق الصاعد وهذا ضد نادي زرالدة وفاز عليه، ليحقق صعودا جديدا هذه المرة للقسم الثاني. 

المولودية أول فريق مسلم يلعب في القسم الأول 

بعد تحقيق الصعود للقسم الثاني سنة 1931 ولمدة 5 سنوات متتالية ضيع العميد الصعود بقليل، رغم أنه في بعض المواسم كان المرشح الأول للفوز باللقب، وهذا إلى غاية موسم 1935/1936 وبصعوبة بالغة تمكن الفريق من تحقيق المركز الأول نهاية الموسم ليتأهل إلى المباراة الفاصلة التي جرت بالحراش (حي شعبي بالجزائر العاصمة) ضد الفريق القوي أولمبيك مارينغو، وانتهى اللقاء بنتيجة التعادل 1-1 وهو ما دفع بالاتحاد إلى إعادة اللقاء في نفس الملعب لينتهي اللقاء مجددا بنفس النتيجة 1-1، ويعاد للمرة الثالثة ولكن هذه المرة بملعب العفرون (مدينة تقع في ولاية البليدة غرب الجزائر) وأمام جمهور غفير جدا وجو مشحون، ورغم الانحياز الفادح للحكم لجهة فريق المستعمر إلا أن المولودية تمكنت من الفوز عليه بنتيجة 2-1 من توقيع شلبابي وعابد، لتحقق صعودا تاريخيا لقسم النخبة كأول فريق مسلم يلعب في القسم الأول، هذا الفوز لم يتحمله أنصار المستعمر وحتى السلطات والذين اجتاحوا أرضية الميدان وقاموا بالاعتداء على لاعبي ومسيري الفريق. 

آخر لقاء للعميد في الفترة الاستعمارية يوم 11 مارس 1956 

مجازر 8 مايو 1945 دفعت باللاعبين الجزائريين الذين كانوا يلعبون للأندية الفرنسية للانضمام للفرق المسلمة، ومنه فقد انتقل للعميد اللاعبان السابقان لجمعية سانت أوجان، يتعلق الأمر بـ إبرير ومعوش، ثم اتفقت الفرق فيما بينها لإلغاء قانون التواجد الإجباري للاعبين أوربيين في الأندية المسلمة لأنهم لم يكونوا يفيدون الفريق في شيء بل كانوا براقبون تحركات المسيرين والرياضيين خاصة وأن أغلبهم كانوا أعضاء في جبهة التحرير، وبعد كفاح شديد تمكن مسيروا الأندية المسلمة من الوصول لمبتغاهم، وبعد هذا أصبحت جميع الفرق المسلمة مشكلة من لاعبين مسلمين فقط. 

في يوم 11 مارس 1956 كانت هناك مباراة مهمة للعميد في ملعب سانت أوجان (بولوغين حاليا) ضد الجار الغريم جمعية سانت أوجان (فريق فرنسي)، وقد كان الملعب مكتظا عن آخره وكل المؤشرات كانت توحي بعدم مرور اللقاء على خير فمن جهة كان جمهور المولودية غفيرا ومن الجهة الأخرى جماهير الفريق الخصم رفقة قوات الـCRS  وقد وجد الأنصار الجزائريون صعوبات بالغة، إهانات تفتيش صارم ومهين، اعتداءات من الشرطة لأدنى الأسباب، إلا أن هذا لم ينقص من إرادة هؤلاء الشبان لأنهم كانوا محفزين لرفع الألوان الوطنية عاليا. 

الاستعمار الفرنسي ينتقم من انتصار المولودية وفرحة الشعب الجزائري 

انطلق اللقاء في أجواء مشحونة وتمكن الفريق المضيف AS St Eugène من افتتاح باب التسجيل قبل أن يتمكن العميد من التعديل في آخر لحظات اللقاء وهو ما فجر الفرحة عند أنصار المولودية وهو ما لم يتحمله الفرنسيون فبدوا يعتدون على كل من وجدوه أمامهم ليختلط الحابل بالنابل وتنشب معركة بين الجماهير ودخول لأرضية الميدان تدخل الشرطة زاد الأمر تعقيدا خاصة وأن الذنب الوحيد للجزائريين هو فرحتهم بهدف التعادل لتستم المعركة إلى خارج الملعب حيث تم تسجيل الكثير من الإصابات وتحطيم أكثر من 20 سيارة، وتم إلقاء القبض على الكثير من أنصار المولودية والزج بهم في السجن أين لقى العديد منهم حتفه بسبب التعذيب. 

بعد هذه الأحداث بيومين أي في 13 مارس 1956 قرر مسيرو المولودية الانسحاب من المنافسة رغم النداءات المتواصلة للتعقل وعدم التسرع إلا أن القرار لا رجعة عنه، وهو ما جعل باقي الأندية المسلمة تتعاطف مع العميد وفي مقدمتهم نادي اتحاد البليدة الذي انسحب من المنافسة مباشرة (كان ينشط مع العميد في القسم الأول)، ثم التحق بهما باقي الفرق المسلمة على غرار: اتحاد الجزائر، نصر حسين داي، رائد القبة، اتحاد الحراش، أولمبيك سانت أوجان، وداد بلكور. 

العميد قدم 78 شهيدا بين لاعبين ومسيري  

بعد أكثر من 7 سنوات من الحرب، تحصلت الجزائر على استقلالها في ذات الخامس من جويلية 1962، فقد العميد العديد من اللاعبين في ميدان التحرير أثناء الثورة على غرار بوكرية، فرحاني، باسطة، إذ أن العميد قدم 78 شهيدا بين لاعبين ومسيري. 

المولودية وسنوات التألق بعد استقلال الجزائر 

استأنف نشاط الفريق مع انشاء أول بطولة وطنية لكرة القدم في ظل الجزائر المستقلة، لم تستطع الفوز بأي لقب رغم أنها كانت دائما من بين المرشحين الأوائل تاركة المبادرة لكل من وفاق سطيف وشباب بلوزداد وغيرها من الأندية التي سيطرت على منافستي الكأس والبطولة. 

وانتظرت المولودية حتى سنة 1975 لتعرف طعم التتويج وأي تتويج، اللقب والكأس معا وقليلة هي الفرق التي تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز الرائع الذي فسح المجال للعميد للمشاركة في كأس افريقيا للأندية البطلة. وكان لزملاء بتروني ما أرادو إذ بعد اقصائهم لكل من “نادي الأهلي (مصر) و”نادي الأهلي البنغازي” (ليبيا) و”رانجررس” (نيجيريا) و “ليون ايفيون” (كينيا) تقابلت المولودية مع أقوى الأندية الافريقية في تلك الحقبة من الزمن “حافيا كوناكري”. 

وانتهت مباراة الذهاب بهزيمة المولودية بنتيجة ثقيلة (0\3) وجاءت مقابلة الإياب يوم 18 ديسمبر 1976 بالجزائر العاصمة في ملعب 5 يوليو الضبط حيث حضر المقابلة جمهور غفير قدر بأكثر من 80 ألف متفرج، لتظهر فيها عناصر المولودية قوتها واستماتتها الكبيرتين في الدفاع عن الألوان الوطنية، بفضل باشي، بن شيخ، دراوي، بوسري، بتروني، والذين مثلوا أنذاك الجيل الذهبي للمولودية، وبفضل هذه الفرديات الرائعة تم تسجيل ثلاثة أهداف كاملة في مرمى الخصم وأجريت بعد ذلك الضربات الترجيحية التي حسمت الموقف لصالح المولودية وبالتالي التتويج بأول كأس قارية في تاريخ الكرة الجزائرية. 

هذه النتائج الجيدة التي حققها فريق مولودية الجزائر كانت ثمرة جهد جماعي انطلاقا من الطاقم الفني والجمهور وصولا الى اللاعبين الذين سجلوا اسم الفريق من الطاقم الفني والجمهور وصولا الى اللاعبين الذين سجلوا اسم الفريق بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم الجزائرية. 

البطاقة الفنية للفريق: 

– التسمية: مولودية الشعبية الجزائرية 1921-1977، مولودية نفط الجزائر 1977-1987، مولودية الجزائر منذ 1987 

 – الألوان: الأحمر والأخضر 

–  تاريخ التأسيس:7 أوت1921 

 – السجل: بطل الجزائر7 مرات، سنوات 1972، 1975، 1976، 1978، 1979، 1999، 2010. 

كأس الجزائر 8 مرات، سنوات 1971، 1973، 1976، 1983، 2006، 2007، 2004، 2016. 

الكأس الممتازة 2 مرتين، سنوات 2006، 2007 

كأس الرابطة: مرة واحدة، سنة 1998 

كأس إفريقيا للأندية البطلة: مرة واحدة سنة 1976 

كأس المغرب العربي للأندية الحائزة على الكأس: مرتين سنتي 1971، 1974 

أرقام وإحصائيات عن مولودية الجزائر 

 – دخل فريق مولودية الجزائر سنة 1976 التاريخ عندما جمع ذلك العام ثلاثية البطولة والكأس وكأس إفريقيا للأندية البطلة. 

–  مولودية الجزائر هو أول فريق حقق لقب إفريقيا في الجزائر بتتويجه بكأس إفريقيا للأندية البطلة سنة 1976 في النهائي على حساب حافيا كوناكري. 

 – أكبر فوز في تاريخ المولودية تحقق أمام فريق يسر سنة 1962 بنتيجة 10- 1 

 – أثقل هزيمة تعرضت لها المولودية كانت أمام وداد تلمسان سنة 2005 بنتيجة 1-8 

–  يبقى عبد السلام بوسري أفضل هداف في تاريخ مولودية الجزائر بأكثر من 160 هدف وقّعها خلال الفترة التي حمل فيها ألوان المولودية ما بين 1971 و1987 تخلله موسم 1984-1985 قضاه مع فريق شباب برج منايل. 

 – أول من درب مولودية الجزائر كان الراحل سعيد حداد في حين أن المدرب الذي عمّر لأطول فترة كان حميد زوبا الذي أشرف على العميد خلال ثلاث مواسم متتالية ما بين 1974 و1977. 

 – سقط فريق مولودية الجزائر لبطولة القسم الثاني في ثلاث مناسبات الأولى سنة 1965 الثانية سنة 1985 وأخيرا سنة 2002. 

– 4 لاعبين حققوا لقب هداف البطولة بألوان مولودية الجزائر وهم حسان طاهير، عبد السلام بوسري، الحاج بوقاش وأخير مصطفى جاليت. 

ج.ن

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك