لبنان..ماذا بعد الانفجار؟

بعد تراكم الفساد والفتن

بقلم احسن خلاص

من عادة الحوادث، سواء كانت تلقائية أو مدبرة، أن تتخذ كصرخات ونداءات للتغيير بعد الوقوف على تشريح الوضع وتتبع للمسار الذي أنتج تلك الحوادث والسياق الذي وقعت فيه. تشير التعليقات المختلفة التي أعقبت الانفجار الرهيب الذي تعرض له مرفأ ببيروت إلى أن الحادث كان صرخة في وجه الطبقة السياسية اللبنانية وقوى المال الفاسد كما كان بمثابة نداء للعالم الالتفات إلى هذا البلد الذي ظل ولا يزال يحمل التنوعات كما يحمل التناقضات في مساره منذ استقلاله الملغم.

من عادة الحوادث مثل التي شهدها لبنان أن تخرج النقاش حول الاختلالات الوظيفية وعمليات التدمير التي يتعرض لها المجتمع والدولة من حديث الصالونات إلى الساحة العامة وينطلق الجميع في تساؤلات جديدة لم يتح لها من قبل البروز إلى السطح. فقد غيرت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 مجرى الأحداث ومهدت لنظرة جديدة للنظام العالمي وحددت موقفا جديدا أكثر حزما من الجماعات الإرهابية وسرعت عملية إنهاء نظام الحكم في العراق وإقامة دولة قائمة على المحاصصة الطائفية لا يزال يعاني منها العراق إلى اليوم. كما قد تفضي الحوادث أحيانا إلى إتاحة المجال لانطلاقة جديدة تتجاوز الوضع القائم إلى ما هو أفضل.

قد لا تبدو هذه اللحظة مناسبة لفتح النقاشات حول الوضع السياسي والاقتصادي والأزمات الأخلاقية التي يمر بها لبنان إذ لا يزال الجرح لم يندمل ولا يزال يحصي ضحايا الانفجار من قتلى وجرحى وهم بالآلاف، غير أن من حق الشعب اللبناني أن يبحث عما يحول دون تكرار مثل هذه المآسي مستقبلا وهو الذي عانى لعقود من الصراعات المذهبية والطائفية ومن غزو أجنبي وعدوان صهيوني وتبعات لجوء الفلسطينيين والسوريين إلى أرضه ومن وضع اقتصادي مزري فتح المجال لتنامي الفقر وانتشاره إلى حد التهديد بالعودة إلى الحرب الأهلية مجددا يكون وقودها الفقراء.

قد لا يحتاج لبنان في هذه اللحظة المأساوية وما يعقبها من انعكاسات وتداعيات إلى دعوات الداعين إلى التضامن الإنساني تجاه بلد قوي بضعفه بقدر ما يحتاج إلى من يأخذ بيده نحو آفاق أخرى يتخلص فيها من وضع مأساوي أشد وهو نظام الحكامة الجاثم عليه لعقود وإلى التخلص من العائلات السياسية التي حفل تاريخها بإنتاج الفشل في التسيير وإقحام لبنان الجميل في حرب طائفية مرتبطة بصراعات إقليمية لا علاقة لها بهذا البلد إلا من باب الويلات التي كانت ومازالت تجرها عليه لتلحق الضرر بنسيجه الاجتماعي وقدراته الاقتصادية وتماسكه السياسي الوطني. ولعل أهم خطوة تساعد لبنان على ذلك هو مساعدته على تجاوز نظام المحاصصة السياسية التي تحولت مع مرور الزمن إلى محاصصة من نوع آخر، محاصصة تتم على طاولة مفاوضات حول صفقات النهب والفساد الذي تفشى في السنوات الأخيرة وزاد إلى المحنة الطائفية محنا أخرى تتعلق بإنهاك القدرات والاقتصادية وقتل المبادرة والقضاء على الحيوية التي تميز الفرد اللبناني التي قاوم بها الحرب الأهلية وما تبعها.

لقد أظهر تسيير نفايات بيروت التي بلغ طولها 20 كلم على سبيل المثال ما يمكن أن يصل إليه المسؤولون اللبنانيون من فساد بالنظر إلى الرهانات المالية التي ترتبط بها إذ تبلغ قيمتها ما يقرب من مليار دولار وصارت صفقات عمليات التدوير محل تجاذبات على حساب البيئة وصحة السكان وهو ما جعل منظمات حقوق الإنسان تتدخل للضغط على الحكومة اللبنانية للخروج من الأزمة، وليست النفايات إلا مجالا من المجالات التي تفشى فيها الفساد الذي يضاف إلى الركود السياسي الذي جعل لبنان يعيش اضطرابات سياسية غير مسبوقة في التاريخ مثل لجوء رئيس الوزراء إلى السعودية التي أعلن منها عن استقالته خوفا على حياته وقبلها بقاء لبنان دون حكومة لمدة عامين والصعوبات المتتالية للوصول إلى اختيار مجلس النواب اللبناني رئيسا للجمهورية. هذا المجلس الذي لم يجد أحدا غير نبيه بري ليكون على رأسه من عقود من الزمن ولم يجد إلا الانقلابي العجوز ميشال عون رئيسا للجمهورية.

لم يقم انفجار بيروت إلا بالتذكير بأن هناك لبنانا غارقا في الأوحال المتراكمة لعقود وعجزه أمام ثقل الضغط المحلي والخارجي عن تجاوز هذا الوضع المزمن بتنوعه وتناقضاته والفتن المتعاقبة التي لم يستطع التعافي منها ووقوع الشعب في نظام مسرف في الحريات شحيح في الممارسة الديمقراطية القائمة على المؤسسات وعلى تمييز ديني وطبقي رهيب لم ييسر انتقال لبنان إلى عقد سياسي وطني جديد يشكل القطيعة مع النظام السياسي التقليدي بالرغم من درجة الوعي السياسي للبنانيين وارتفاع درجات التعليم والثقافة لدى المجتمع الذي يجعله مؤهلا لأن يقدم نموذجا أكثر رقيا مما يقدمه ساسته اليوم إذا ما تركته القوى الإقليمية لشأنه.

كان يمكن أن يتحرر لبنان ولو مؤقتا من ربقة الصراعات الإقليمية مع اشتداد الفتن التي أعقبت الثورات العربية بعد توجه الأنظار إلى سوريا وليبيا واليمن غير أن سنوات الهدنة لم تمكن له من أن يخطو خطوات أخرى نحو الاستقرار بل تحولت إلى فرصة لظهور خارطة مبنية على التنافس على الفساد والإهمال الذي كان من بين تداعياته المأساوية انفجار بيروت الرهيب.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك