لبنان بين الجوع والتمزق والعدوان

القهر

بقلم: صالح عوض

“سويسرا العرب” هكذا أطلقوا عليه في منطقة تغلي بالبراكين محاولين عزله عن امتداداته الجغرافية والحضارية.. لبنان: أكبر الصحف والمطابع ودور النشر، وأكثر الأماكن سياحة، وأغلى العقارات في العالم.. وأغنيات فيروز في الصباح والمساء توحي لك بسلام وهدوء نادرين لم يعرفهما تاريخ بلد شوهت روحه الصراعات الطائفية، والتدخلات الخارجية، فلعله البلد العربي الأكثر تسجيلا لعدد المجازر والاغتيالات من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا وجسر الباشا وتصفية الكتاب والسياسيين من سليم اللوزي إلى رشيد كرامي وكمال جنبلاط ورفيق الحريري.. قاوم العدوان الصهيوني كما لم يقاومه بلد عربي، وتعرض الفلسطينيون فيه إلى أبشع أنواع الظلم.. من أبنائه من ذهب للتحالف مع العدو الصهيوني أشواطا بعيدة ومنهم من تمترس في خندق فلسطين كما لو كان من أهلها الأصليين.. من أبنائه من يجرّه إلى باريس ومنهم من يجرّه إلى طهران..  داخله يتبعثر وحدوده تشتعل، يعصره الجوع ويقصفه الموت.. فهل يتوحد الكيان والاتجاه؟!!

الدولة اللبنانية:

مع الحرب العالميّة الأولى بدأ تقسيم الوطن العربيّ، وكان 16مايو عام 1916، هو تاريخ التصديق على اتفاقية سايكس-بيكو بعد مفاوضات سرية، من نوفمبر 1915 إلى مايو 1916 بين الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس وبمشاركة روسية، وتم الاتفاق على اقتسام منطقة الهلال الخصيب (حوض نهرى دجلة والفرات، والجزء الساحلي من بلاد الشام) بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ فى غرب آسيا بعد تهاوى الدولة العثمانية.

قسمت اتفاقية سايكس بيكو سوريا الكبرى إلى دول وكيانات سياسية كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها: “العراق – سوريا – لبنان – الأردن – فلسطين”.. ودلالات التقسيم واضحة تماما حيث تم التعامل مع كل جزء بكيفية خاصة وفي هذا التقسيم كان واضحا عزل العراق عن فلسطين بإقامة دولة فاصلة بينهما –الأردن- وكان لبنان كما فلسطين الضحية المباشرة ففي فلسطين أسست الاتفاقية لوعد بلفور بقيام كيان صهيوني على أرض فلسطين، وفي لبنان بقيام كيان طائفي سيضطر دوما أن يكون تابعا ومضطربا.. أي أن يتم إخراج فلسطين ولبنان من الكيان العربي بهمومه و اتجاهه.. وعليهما يتم بنيان قاعدة التخريب في الوطن العربي بالتغريب الماثل في كتلة بشرية –الصهاينة-، أو بالتغريب بالثقافة والعلمنة في لبنان.

في مطلع الثلاثينات، اشترطت فرنسا أن تسلم الحركة الوطنية السورية بالكيان اللبناني لقاء توقيع معاهدة تعترف فيها فرنسا باستقلال سوريا ولبنان، ولقد قبل ممثلو الحركة الوطنية هذا الشرط.. ومن عام 1930 إلى عام 1943 راحت “صيغة” رياض الصلح/بشارة الخوري وغيرهم من طلاب الاستقلال ـ تتبلور، إلى ان تحولت إلى ما سمي بالميثاق الوطني اللبناني، وهو يقوم على: تنازل القادة المسيحيين عن مطلب الحماية الفرنسية، وتنازل قادة المسلمين عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري ـ العربي.. هكذا انطلق الكيان اللبناني بعد الانسحاب الفرنسي في 31 ديسمبر 1946 بمحاصصة طائفية تطورت مع الزمن لتصبح الطائفة هي الوطن، ولكل طائفة امتدادات خارجية الأمر الذي جعل التوازن الهش سمة بارزة في التركيب السياسي اللبناني ويوفر دوما فرصة الاختراق الإقليمي والدولي في الجسم العربي.

لبنان وفلسطين:

العلاقة بين فلسطين ولبنان متداخلة -حال بلاد الشام- أكثر من أي وضع بين إقليمين عربيين فلقد كانت فلسطين التاريخية تمتد إلى تخوم بيروت و جمعت المصاهرة والمصالح المتعددة بينهما في وحدة بلاد الشام.. وكانت فلسطين واحة اقتصادية ثقافية في المنطقة لاسيما اللبنانيين الذين انتقلوا إليها بتجارتهم وأنشطتهم المختلفة..

حصلت نكبة فلسطين سنة 1948 بعد أن تم اقتطاع لبنان من بلاد الشام لتكوين دولة بمواصفات خاصة طابعها الأساسي المحاصصة الطائفية.. قامت العصابات الصهيونية بتهجير الفلسطينيين تحت قصف المدافع والتفجيرات والمجازر  فتوجه فلسطينيون من شمال فلسطين الساحلي الى جنوب لبنان وبيروت وشمال لبنان.. و يتميز سكان شمال فلسطين بانتشار التعليم والوفر المالي لذا كان لرحيلهم إلى لبنان إضافة مهمة على أكثر من صعيد وهنا بدأت المشكلة المعقدة.. حيث تم النظر إليهم على أنهم عامل خلل ديمغرافي طائفي في البلد فهم كتلة حيوية سنية ولذا تحفزت كل الطوائف ماعدا السنة والدروز من الوجود الفلسطيني، وسيظل هذا البعد يقف خلف كل مأساة للفلسطينيين في لبنان عبر كل المجازر التي ارتكبتها القوى الطائفية المسيحية الانعزالية وحركة أمل الشيعية في حين ظل سنة لبنان والدروز حليفين أمينين للفلسطينيين.. كما أنه هو السبب في قسوة الدولة اللبنانية على المخيمات الفلسطينية التي تعاني ميزا عنصريا بحرمان سكانها من العمل وكل حقوقهم الآدمية الأخرى.

لبنان والتدخل السوري:

لم تحتمل القوى السورية المتحكمة بمقاليد الأمور في دمشق أن يكون لبنان منفصلا عن سورية رغم التعهدات التي أعطيت لفرنسا ورغم أن اللبنانيين شيئا فشيئا تلبننوا وأصبح الإحساس بالاستقلال كاسحا في تنظيماتهم بشتى طوائفهم لاسيما السنية والمسيحية، إلا أن النفوذ السوري ظل قائما يتدخل بقبضة من حديد في تشكيل السياسة الخارجية للبلد وفي ترتيبات مواقع القوى داخل الكيان اللبناني فأصبح لبنان في كثير من الفترات ملحقا سياسيا لسورية الأمر الذي عرّض المخالفين من الساسة والكتاب والأدباء والإعلاميين اللبنانيين إلى تصفيات كما حصل مع الكاتب الصحفي سليم اللوزي ورؤساء حكومات مثل رشيد كرامي ورفيق الحريري وشخصيات وطنية وازنة ككمال جنبلاط وسواهم كثير.. وكان هامش التحرك اللبناني الرسمي محدودا جدا.

و لم تقر الدولة السورية بلبنان كدولة لذا لم تعين فيها سفيرا ولم تقبل سفيرا من لبنان.. ووجدت سورية الفرصة عندما استدعيت الدول العربية لفض الاشتباك الحاصل بين الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من جهة والقوى الانعزالية اللبنانية من جهة أخرى فألقت سورية بكل ثقلها في المشهد اللبناني وأصبح الجيش السوري وجهاز المخابرات السوري مرجعية القرار الأمني في لبنان.

  دفعت العقيدة السياسية السورية بالجيش السوري في أكثر من مرة للتدخل بعنف لتحجيم تمدد نفوذ المقاومة الفلسطينية في لبنان واعتبرت ان الفلسطينيين يلعبون في مربع نفوذها.. وتحرك الفلسطينيون في المشهد اللبناني لتثويره في صالح موقفهم واستطاعوا أن يدعموا وجود حركات وطنية لبنانية وفتحوا معسكراتهم لمقاتلين من كل الطوائف لاسيما الشيعية الأمر الذي سيدفع فيما بعد بتشكيل حركة “أمل”.. 

جاء التدخل السوري الأول في حرب السنتين 1975-1976 حيث اشتركت القوات السورية مع القوى الانعزالية بتوجيه ضربات عنيفة لمواقع المقاومة الفلسطينية وارتكبت مجزرة مخيم تل الزعتر.. وفيما بعد تواصل الموقف السوري في ملاحقة الوجود الفلسطيني المسلح حتى تم إخراج المقاومة الفلسطينية بالحرب من آخر موقع لها في لبنان”طرابلس” سنة 1983.. وعندما حاول الفلسطينيون استعادة مواقع لهم في المخيمات شن النظام السوري عليهم حربا وحاصرهم في مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة.

إلا أن مقتل رفيق الحريري في فبراير 2005 وتسليط التهم على جهاز المخابرات السوري عجل بخروج الجيش السوري من لبنان وتم تبادل السفراء.. وبهذا فقدت سورية الوجود المادي شيئا فشيئا لاسيما بعد تفاقم الأوضاع في سورية.

المقاومة اللبنانية:

لقد تولدت المقاومة اللبنانية الإسلامية “حزب الله” بعد الاجتياح الصهيوني للبنان و بدأت بمجموعات من مقاتلين لبنانيين تدربوا في الفصائل الفلسطينية و أحدثوا تواصلا مع إيران لينشأ فيما بعد فصيل مسلح بخط سياسي يتوافق كثيرا مع خط الدولة الإيرانية.. وأبدت المقاومة الإسلامية حيوية فاعلة نشطة في الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان وقدمت شهداء كبارا مثل الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي أمين عام الحزب وقيادات عديدة مرورا بقائدها العسكري عماد مغنية.. وتحقق لها انتصار كبير في الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان وانهيار جيش أنطوان لحد في جنوب لبنان.. وحققت المقاومة حضورها القوي في المشهد السياسي بأدائها المميز في مواجهة العدوان الصهيوني على لبنان في 2006. 

ولكن المقاومة ارتبكت في مواجهة الشأن اللبناني الداخلي وأصابها الارتجال في معالجات إقليمية مما أحدث تراكما ثقيلا على حيويتها في الآونة الأخيرة وغير من اتجاه نشاطها على الأقل سياسيا وميدانيا.. 

فعلى الصعيد الداخلي بدأت في ترجمة صمودها الأسطوري في 2006 إلى حالة فرض إرادتها على تركيب الدولة فيما يخص أجهزتها الأمنية، وتنمرت على بيروت السنيّة وقامت بدفع مليشياتها مع مليشيات حركة أمل الشيعية لاحتلال المدينة في فبراير 2008 في عملية استعراض عضلات غير مقبولة في ظل الحسابات الطائفية المهيمنة في البلد.. هذا فيما لازالت التهمة تلاحق الحزب في اغتيال رفيق الحريري.

كانت هذه أول أسباب القطيعة بين حزب الله والشارع السني اللبناني.. لم تكن طبيعة الحزب الطائفية محل نقاش لدى الشارع اللبناني سابقا ولكن اصطفافات الحزب الميدانية نأت به شيئا فشيئا عن كونه حزبا لكل اللبنانيين إلى أن يصبح فئويا لطائفة معينة يتحالف مع قوى مشبوهة مثل ميشيل عون المتهم بمجزرة تل الزعتر أو مع حركة أمل الطائفية التي حاصرت مخيمات الفلسطينيين عامي 1985-1987 ..

وكان لتدخل الحزب وعلنا في الشأن السوري مبكرا بالاصطفاف مع النظام السوري في الحرب الدائرة أثر بالغ على ازدياد الاحتقان في الشارع اللبناني وكذا في الشارع السوري.. فلقد حمل هذا التدخل العسكري المباشر على محمل التفسير الطائفي لاسيما وانه تساوق مع موقف ايراني داعم للنظام السوري ومع وجود مليشيات شيعية من العراق وأفغانستان.. ولعل وجود هذه المليشيات الطائفية أجج الصراع المحتدم في سورية بين الدولة السورية والمجموعات المسلحة وأعطاها مبررات للدعاية الطائفية.

وتحول إعلام الحزب إلى منصة إعلامية لكل القوى الشيعية في المنطقة من الحوثيين الى الحشد الشيعي بالعراق والمعارضة الشيعية بالبحرين والسعودية وأصبح الحزب متخندقا في ما يسميه محور المقاومة الذي تتزعمه إيران.

جاء الحراك الواسع في شمال لبنان وبيروت ومدينة صيدا وحتى البقاع تنديدا بالنظام السياسي ومطالبة بإلغاء الطائفية السياسية ومحاربة الفساد والفاسدين الذين يجدون حمايتهم من نبيه بري وقيادات في حزب الله، وتجاوز التركيبة السياسية القائمة وخرجت غالبية كبيرة من عدة طوائف في البلد إلا أن حزب الله وحركة أمل مجددا عملتا على إفشال الحراك بشتى السبل بما فيها العنفية الأمر الذي عمق الاحتقان بالشارع اللبناني.

يتعرض لبنان الآن لحالة من الخنق الاقتصادي بعد تهريب أمواله الى خارج البلد وسقوط مدو لليرة اللبنانية نتيجة التدهور الكبير في الليرة السورية فيما يتهم البعض بالسيطرة على المعابر للتموّل منها.. ويشتد الخناق الأمريكي والسعودي على لبنان ويتم التوجه المركز للمطالبة   بنزع سلاح حزب الله.

فوضى الاتجاهات:

لعله البلد الأكثر في العالم الذي يحتوي على لاعبين متناقضين مما يجعله ساحة صراع بين الأجهزة الأمنية وأصحاب الأجندات ففي لبنان تتمتع سفارة أمريكا وفرنسا وإيران والسعودية والإمارات والدول الأوربية بحظوة بالغة ولكل منها أتباعه من الأحزاب والفاعلين في المشهد اللبناني.. وهذا ما يعقد المشهد ولا يسمح له بالانفراج إلا نحو مزيد من التعقيد.

وفي غياب حالة عربية قادرة سيظل لبنان مشدودا للأبعاد العديدة الأوربية والإيرانية والسعودية والسورية تمزقه وتلقي بأسوأ الظلال على الشارع الذي يخرج يوميا معبرا عن خيبة أمله في الجميع وقد لوى الجوع أحشاءه وهو يرى انهيار البلد اقتصاديا.

تبدو الدولة اللبنانية بلا صبغة وطنية بعد أن فقدت القدرة على إقناع التركيب الطائفي بأنها تمثل الجميع وتأخذ بعين الاعتبار مخاوفهم وحساسياتهم حيث يتهمونها بأنها مختطفة.. وهي تعاني في هذه المرحلة الاستثنائية من أوضاع متراكمة مع تضخم الديون تقترب من شروط الحرب الأهلية السابقة ورغم أن حزب الله يتفوق عسكريا إلا انه سيجد نفسه في خارج خريطة المقاومة وغارقا في مستنقع يجيد آخرون صب الزيت على ناره. 

فهل يقلب الحزب الطاولة على الجميع ويدخل حربا مع العدو الصهيوني لاسيما وهو يكرر أنّه على أتم الجهوزية، وأن الكيان الصهيوني بيت عنكبوت، ويؤكد انه سيحرر الجليل؟؟ أم أنه لا يستطيعها في ظل حالة إعياء حليفه السوري، وعدم استعداده لحرب، وانشغال حليفه الإيراني بتبعات الحصار الرهيب، وما يعانيه من أزمة كورونا؟ وهل تقبل القوى اللبنانية العديدة له أن يدخل حربا في ظل أوضاع بلد ينهار جوعا وفقرا؟!!

الخلاصة:

أولا: لبنان جزء مقتطع بمواصفات طائفية من إقليم الشام المتجانس لذا لن يكون مستقرا في يوم من الأيام إلا بعودته في إطار بلاد الشام فتذوب حدوده الطائفية، ثانيا: ان الانفراد بلبنان لكي يتم تحميله المشاريع الكبيرة يقصم ظهره ويحوّله إلى فوضى وعبث، فليترك  لبنان يأخذ وضعه الطبيعي حسب قدرته بلا تزيد، و ليقدم ما يمكنه في سياق كفاح الأمة ونهضتها ف”لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” وبالإدراك لا يكلّف الله بلدا إلا وسعها.. والله غالب على أمره. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك