لبنان بين الجزرة والعصا

بعد زيارة ماكرون إلى بيروت

بقلم احسن خلاص

أعادت انفجارات ميناء بيروت الأنظار الدولية إلى لبنان بعدما كاد ينسى في غمرة انشغال القوى الكبرى والأجندات الإقليمية بمستنقع “الربيع العربي” وانصرافهم عن الشأن اللبناني ولو جزئيا، وقد كان ما يقرب عشر سنوات من الهدنة فرصة من ذهب أمام اللبنانيين لبناء لبنان جديد بتحفيز تغييرات سياسية واقتصادية عميقة تمكن لبنان من الخروج نهائيا من عنق الزجاجة لكن ذلك لم يحدث، إذ بدل توظيف الذكاء اللبناني لتحقيق وثبة ذاتية منقذة غرق لبنان في مستنقعات جديدة عنوانها التسيب والإهمال وسوء التسيير والفساد لتنتفي بذلك التهمة التي ما فتئت توجه إلى القوى الإقليمية بالوقوف عائقا أمام خروج لبنان من الأزمات.

عاد العالم إلى لبنان بعد غياب طويل برسائل التضامن والتعزية على المصاب الجلل الذي حل ببلد على حافة الإفلاس السياسي والاقتصادي بالرغم مما يمتلكه الشعب من تطلعات حداثية نابعة من إرث ثقافي متنوع تشكل على مدى قرون من الزمن. جاء الناس من كل حدب وصوب محملين بالإمدادات لإنقاذ الجرحى وأغاثة العائلات المتضررة التي قدر عددها ب300 ألف عائلة محتاجة للعناية الصحية والنفسية وإلى ترميم بيوتها المتصدعة أو المنهارة.

غير أن أهم ما يلاحظ في هذه العودة الزيارة الملفتة للأنظار التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت، زيارة ببرنامج مكثف وكأنه تم التحضير لها منذ مدة طويلة، ويظهر الزيارة وكأنها خصت إحدى المقاطعات الفرنسية، إذ شملت تفقدا ميدانيا لمكان الحادث واطلاعا على تقدم عمليات الإغاثة ولقاءات مع السكان والمسؤولين الرسميين والسياسيين ضمن برنامج وكأنه كان على طاولة الرئيس منذ مدة طويلة ولم يكن ينتظر إلا هذا الانفجار كجرس يأذن له بالاقلاع من باريس إلى بيروت لإعطاء إشارة انطلاق تنفيذه. ويكون انفجار بيروت قد عجل وأعطى هذه الفرصة لماكرون الذي كان ينوي زيارة لبنان في الفاتح من سبتمبر ليشهد مع اللبنانيين احتفالاتهم بالذكرى المائة لنشأة لبنان الكبير ويغتنم الفرصة ليملي على اللبنانيين حكومة وشعبا برنامج إصلاح شامل كان قد حثهم على تنفيذه منذ أكثر من عامين دون أن تجد نداءاته آذانا صاغية.

لقد بين ماكرون من خلال الخطاب الذي أظهره في ندوته الصحافية التي ختم بها زيارته إلى بيروت أنه فضل اعتماد سياسة العصا والجزرة تجاه اللبنانيين، فبمقابل جهود الإغاثة المكثفة التي من بها عليهم وسعيه لحشد تعاون دولي أوروبي وأمريكية وشرق اوسطي للتضامن مع المتضررين وتوفير الغذاء والملبس لهم، أكد أن لبنان ما بعد 4 اوت لن يكون لبنان ما قبله ففرنسا عازمة على إمساك ثور الإصلاحات الشاملة من قرنيه وقد أعطى المسؤولين السامين في لبنان من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء حسن دياب ورئيس مجلس النواب نبيه بري مهلة أيام قليلة للبرهنة عن نيتهم في إطلاق عملية بهدف الوصول إلى نظام سياسي جديد والتكفل العاجل بالإصلاح المالي والطاقوي والجمركي وإجراء فحص شامل على التسيير الحكومي والاقتصادي لتبين مواقع الفساد مقابل سعي حثيث من فرنسا تجاه المؤسسات المالية الدولية لمساعدة لبنان في سبيل إقلاع اقتصادي جديد مشروط بدعم برنامج تصحيح هيكلي للاقتصاد يشمل جميع المجالات ويتصدى للفساد المعمم الذي عشش في السنوات الأخيرة وقبل هذا وعد اللبنانيين ببذل جهود أكبر لدعم النظام التربوي والجامعي لمساعدة اللبنانيين على حب حرية الفكر والمعتقد والإبداع والإنتاج الثقافي الذي عرف به لبنان وتمكين الشباب اللبناني من المعرفة.

ينطلق ماكرون من رصيد الصداقة والمحبة التي يكنها للشعب اللبناني وقد عبر عنها باللهجة اللبنانية بقوله “بحبك يا لبنان” متعهدا أن فرنسا لن تتركه أبدا، كيف لا ومصير البلدين مربوط في نظره بالزمن والروح والثقافة والأحلام وببيروت التي قتلت ألف مرة وأعيد احياؤها ألف مرة وتستحق منه هذا الوقوف الدائم حسب تعبيره مؤكدا أن انفجار 4 اوت يحمل تعبيرا مجازيا عما هو عليه الوضع العام في لبنان والذي لمسه في الغضب الذي أبداه السكان وهو ما يعطي الأمل في التغيير حسب تعبيره قبل أن يحمل مسؤولية إعادة الثقة والأمل في الدولة للطبقة السياسية الحاكمة وشركائها السياسيين وهي الثقة التي تبنى ولا تأتي بمرسوم بل بالقدرة على بناء نظام سياسي جديد يتجاوز الانقسامات المذهبية والطائفية والنظام الاقتصادي الذي نخره فساد منظم وذلك ببناء وحدة وطنية قادرة على القيام بهذه الإصلاحات بمرافقة صندوق النقد الدولي في شقها المالي وهي الخطوات التي تتطلب بلورة ما أسماه ماكرون عقدا جديدا مع الشعب اللبناني لم يشأ أن يفصح عما إذا كان الأمر متعلقا بكتابة دستور جديد ينهي عهد المحاصصة السياسية الطائفية التي تركتها فرنسا الاستعمارية عند مغادرتها البلد عام 1946 أم بتغييرات في مكونات الخارطة السياسية القائمة مكتفيا بالقول إن المسؤولين السياسيين في لبنان على علم بما يجب فعله ولا يحق للرئيس الفرنسي التدخل في الشأن الداخلي للبنان مع أنه بإمكانه مساعدة الشعب اللبناني لتحقيق هذه الإصلاحات التي من شأنها أن تخرجه من الحلقة المفرغة التي يدور فيها منذ سنين طوال.

ومع ميله إلى تأكيد احترام السيادة اللبنانية إلا أن مسعى ماكرون لا يخلو من نزعة وصائية مزجت بين الوعد والوعيد وحملت الجزرة بيد والعصا باليد الأخرى فقد ذهب إلى حد افتراض عقوبات قد تترتب عن التقاعس في تنفيذ خارطة الطريق الفرنسية التي أسرعت لاحتلال الموقع قبل تدخل القوى الإقليمية التي اعتادت أن تحشر أنفها في المطبخ اللبناني. وهي رسالة لهذه القوى أن لبنان هو في النهاية محمية فرنسية لا تزال تحكمها طبقة سياسية عمرت في المؤسسات السياسية والعسكرية اللبنانية لما يقرب من أربعين عاما مثل ما هو حال نبيه بري وميشال عون ولم يكن لذلك أن يتحقق لولا الولاء التام لفرنسا الاستعمارية واستعداد اللبنانيين بجل أطيافهم للبقاء تحت المظلة الفرنسية وقد استطاع ماكرون أن يجتمع بهم جميعا ويملي عليهم نهجه بما فيهم حزب الله.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك