لا تكن لينا فتعصر و لا قاسيا فتكسر

المواطن الجزائري و الهشاشة النفسية

بقلم: هابط ملعيد

لماذا صرنا أضعف و أكثر عرضة للكسر لماذا أصبحت الدموع لا تفارق جفوننا لماذا لم نعد نتحمل بعضنا البعض لكل واحد منا ما يكفيه من الآلام و الهموم ما يرافقه ل 20 سنة إلى الأمام لماذا أصبحنا لا نطاق ما الذي جعل  فينا هذا الحساسية المفرطة اتجاه كل شيء.

اصبحنا نتعلق بأي شيء يصادفنا و نظن اننا لا نستطيع العيش بدونه و كأننا نتناول مخدرات الشغف بالناس أصبحنا نتمنى الموت كل لحظة و لأي سبب ربطنا حياتنا بأشخاص و أشياء تافهة كلمة بسيطة ربما غير مقصودة كفيلة بإنهاء علاقة سنين و عشرة عمر تناقضات كثيرة بين الفراغ العاطفي و النفور الوجداني , في ثورة العلاقات كل شيء فان و حبي لك متعلق بمزاجي , علاقتي بك مرهونة بمدى تعكر يومي لا تستغرب هذا كله من الواقع المعيش .

انتحار اكتئاب اجرام الموت البطيء المخدرات كلها تحصيل حاصل لقاعدة هشة يقف عليها المواطن الجزائري اليوم و كأن التقدم العلمي والسوشيال ميديا في علاقة عكسية مع الصلابة النفسية كلما تقبل الومهن و تطور و أصبح العالم قرية صغيرة كلما تناثر كيان الإنسان و أصبح أكثر هشاشة.

فراغ عاطفي، شعور بالخواء تعظيم للمشاعر و حساسية زائدة و مفرطة  فقدان القدرة على التحمل و الشكوى المستمرة , تبرير كل الأفعال بالحالة النفسية و كأنه رفع عنه القلم في كل مرة يتحجج { أنا لست في مزاج يسمح لي ……}.

هكذا هي بعض السمات التي اشتهر بها التحليل الأكاديمي  للشباب والفتيات الذين ترعرعوا في بيئة  مأزومة مسدودة الآفاق  تعاني الأمرين على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي عدم الاستقلال المالي و لا الاجتماعي و لا حتى الروحي , شباب يعيش التبعية حتى النخاع  فنشأ هذا الجيل في وسط يغيب عنه الأحلام الكبرى والمشاريع  الهادفة والسرديات و التخيلات الايجابية واقع يسوده الجفاء و التقليد و كأننا في عصر الانحطاط  ، فلم يعرف من أين يستقي صلابته النفسية و من أين يجلب وميض نور ليعيش على أمل

لو تحدثنا عن الجيل الحالي جيل الأيفون و génération dz سنجد أنهم  تربوا على مبادئ  التربية الإيجابية بمفهومها أي الإفراط في الدلال ، فهذا النمط من التربية يميل إلى الإسراف في حماية الأطفال والإفراط في الحذر والخوف على الأجيال الناشئة ما يخلق فيهم قلة الثقة بالنفس و شخصية ضعيفة بعيدة كل البعد عن الاستقلالية 

وكنتيجة طبيعية لهذه التربية المدللة و الخاطئة  في اللحظة التي يدخل فيها هذا الجيل فصول المدارس الابتدائية ؛ أين صارت المدارس محضناً للدلال وليست بيئات للتربية و التعليم الكل يملك نفسا عزيزة لا يهون عليها التعب و الجهد الذهني حتى . و الكل لديه محامي دفاع  و هي الأسرة تتدخل في أدق تفاصيله حتى مع من يجلس و ترتيب الطاولة و يمنع الغضب عليهم و الصراخ و حتى الاساليب التربوية الحديثة في العقاب و المحفزة مرفوضة من قبلهم بحجة أن حالتهم النفسية لا تتحمل  و يجبرون الاساتذة على مدحهم و تصنيفهم ضمن المتفوقين حتى لم يكن ذلك عن جدارة و استحقاق 

هذا ما يشجع على تكوين جيل { بوسو لا تمسو } هش بكل المقاييس يمكن وصفه على أنه جيل من ورق 

فكيف يمكن من فرد نشأ على التبعية الأسرية و الاتكال أن يعرف يوما ما مفهوم الاستقلالية و الاعتماد على النفس في مواجهة صراع الحياة أين البقاء فيها يكون فقط للأقوى 

 

هذا من جهة من جهة أخرى نوعية البيئة التي نعيشها و التي  تتسم بغياب القدوة, فتجد الجيل الحال يعالج كل مشاكله بعبارة { أنسى الهم ينساك }  بمعني تجاهل المشكلة دون حلها, وبسبب سياسة التخويف التي يلجأ اليها بعض الأمهات لتجهل طفلها يتوقف عن البكاء عند عدم انصياعه للنوم من خلال سياسة الرعب والتخويف إذ تقوم بتقليد أصوات مخيفة أو ايهامه بالأساطير المرعبة  { العجوز الذي يسرق الأطفال , الغول و بورورو …….} اعتقادا منها أن تلك التصرفات ستجعله هادئا مطمئنا , بل على العكس تلك التصرفات المرعبة تجعله ينام مضطربا إذ يرى الاحلام المزعجة فيصاحبه الخوف والقلق ويزاد الخوف يوما بعد يوم إلى أن يتحول الي صعوبة توافق وتكيف مع البيئة المحيطة به , فضلا عن الخلافات الأسرية والحرب النفسية بين الوالدين من صراخ وشتم وضرب كل هذه الاسباب تجعله طفلا خائفا مهزوزا قليل الثقة بالنفس ذو تفكير سلبي مرتبك عاطفيا يميل الي العدوان والعنف وقد يلجأ الى الانتحار بسبب تعرضه لضغوطات نفسية واجتماعية تجعله يفقد الأمل بالمستقبل ويستسلم للواقع المرير الفاشل منذ البداية. 

اليوم نحن في مواجهة مع أكبر مشكل نفسي يدمر حاضر الإنسان و مستقبله و من أخطر ما يفسد سعادته و يجعله ضعيفا لينا لا حول له ،و لا قوة نحن نتحدث عن الهشاشة النفسية التي تعتبر من المصطلحات الحديثة في علم النفس و تعرف بأنها شكل من أشكال الاضطراب النفسي وهي حالة من الرقة المبالغ فيها و سرعة الانكسار في مواجهة التحديات المختلفة فالشخص الذي يعاني من الاضطرابات النفسية يرى معظم التحديات تهديدا و ليست جزءا من حياته و يعتبرها استثناءات تحتاج لإجراء الاستفتاءات و تنتهي بالقلق و التوتر و هذا النوع بالذات ليسوا على وعي بأن الحياة مجرد اختبار لا سعادة كاملة فيها و لا راحة و بالتالي فإن حالته الشعورية تجعله يؤمن بأن مشاكله أكبر من قدرته على التحمل و بالتالي يشعر بالانهيار و يصبح حبيس الافكار السلبية التي يعطيها أكبر من حجمها الحقيقي مما يزيد من الانهاك و الضغط النفسي عليه و احيانا الافكار الانتحارية 

وتتمثل أعراض الهشاشة النفسية بفقدان الهوية في أي عمل يقوم به فتجده بلا هدف, هائم وضائع يعجب بأي شخص يقابله أو يتحدث معه فتجده يقلد هذا وذاك حتى يصل به الحال أن لا يجد ملامح شخصيته الحقيقية نقول بالغة العامية { عشاق ملال } و ما أكثرهم

  ولا يعرف من هو وماذا يريد وما هدفه و أفضل مثال يمكن تقديمه هو حال شبابنا اليوم مع علاقاته الغرامية التي لا تنتهي يحبهن جميعا { و مايرساش على بر } في كل مرة يتخلى عنهن بسبب أخريات  ويكون شديد التأثر بالأحداث البسيطة المحيطة به وتجده كثير الشكوى من أتفه الامور من المناخ مثلا من الدولة من الشعب من العمل فحسب رأيه كل شيء ليس على ما يرام   ينهار من أبسط الاحداث ويعلق اخفاقاته على الأشخاص والدنيا من حوله بلا سبب فإذا فشل في مسابقة ما يقوم بسبب توزيع المناصب { بالمعريفة البيصطو }  و التزوير سيد الموقف 

هذا لعجزه عن النهوض بقوه مره أخرى وبسبب ضعف شخصيته وقله مهاراته وكثره قلقه وتفكيره في دائرة مغلقه و حلقة فارغة لا تثمر وهو كثير العناد والانقياد.

ببساطة هو فيروس سريع الانتشار والعدوى  ينتقل كما ينتقل الغباء تماما لذلك ارتبطت دائما الدراسات الحديثة عن السعادة بمجالسة الأشخاص الإيجابيين لأن الهشاشة النفسية تجعل من الفرد هشا قابلا للكسر عند أول سقوط 

 الكل مجروح الكل يعاني في مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت عيادات نفسية و الكل يتألم في الواقع  إن تحدثت عن الحب و الخداع ستجب الكل تعرض للخيانة سبحان الله إن تحدثت عن فقدان الأحبة و الفراق و البعد ,الكل يعيش نفس الظروف لكن في الحقيقة الكثير منهم يعيشون في العالمي الافتراضي و الهستيري يتصنعون الهشاشة العاطفية  التي صنعتها وغرستها الافلام والمسلسلات الغرامية و أغاني الحب و الهيام التي جعلت الكل حساس و هش و احيت فيهم الجانب النفسي المرضي ترافقه الهشاشة ,أو ما يسمى بالجفاف العاطفي. من أخطر ما يفسد سعادة الإنسان في الحياة هو أن يكون ضعيفاً من الداخل يحزن بشكل سريع وتتغير نفسيته من أي كلمه يسمعها ويتعلق بأي إنسان ويهيم به ويبالغ في رده فعله بالمواقف التي يخوضها, فيرخي أذنه لمن هب ودب ويقتنع بأي فكره مهما كانت بدون التفكير بها وتحليلها تحليلا منطقيا عاقلا وهو لا يعلم بأنه هو المسؤول عنها وليس من أدخلها وزرعها في عقله هنا يسمى بالأبله بلغتنا العامية و محل سخرية الجميع و أيضا فريسة سهلة في كل شيء و القانون لا يحمي المغفلين 

و أيضا , كثير الشكوى والضجر والملل والقلق والتوتر هذه كلها صفات الانسان الهش من الداخل المهزوم نفسيا الذي استسلم و لا يمك هدفا يعيش من أجله , وأكبر دليل على ذلك تمزق الروابط الأسرية والاجتماعية والعلاقات التي تترابط وتتكون وتتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي كيف تبدأ  بطلب صداقة ثم ولف و صور و مكالمات فيدو و حب وولع وكيف في لحظة بكبسة زرBloque  تنهيها بشكل كلي فهي تبقي بدائرة العلاقات الافتراضية وهذا ما زاد من هشاشة الروابط الانسانية والاجتماعية و بالتالي الهشاشة الفردية  لأن صحة الانسان اليوم أصبحت مرهونة بمدى صحته الفايسبوكية و مدى قوة ثورته العلائقية  , لذا إياك و مصاحبة المحبطين الذين ينظرون للحياة من منظار التشاؤم فيحولونها الى لوحة ليس فيها إلا السواد, و حاذر ان يتسلل الفراغ إلى وقتك  ؛ فيصبح عقلك تربة خصبة للهواجس و الافكار السلبية التي ستجرك في النهاية الى حلقة مفرغة مبنية على علم النفس المرضي , لا بأس من الحزن والبكاء والوجع قليلا ولا من تذكر أوجاعنا و خيباتنا أحيانا أخرى  لكن حتما الحياة تستمر و لم تتوقف الحياة يوما عند أحد أو عند مشكلة ما و لم يكن يوما الموت أو الانتحار أو التهرب حل بالعكس الحلول تأتي بالمواجهة كن قويا لا تسأل نفسك ابدا ماذا يحتاج العالم و لا تضيع وقت في البحث عن الأسباب الكامنة وراء تغير فلان عليك أو غضب فلان منك أو إرضائهم فليشرب الجميع من ماء البحر أنت أولى و في قوانين الانانية يقال :  أنا ثم أنا ثم أنا و الباقي تعوضه الأيام.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك