كيف ولماذا انتهى بوتفليقة

مسار مليئ بالعبر والدروس

بقلم: احسن خلاص     

الجزء الأخير

لا يمكن إحصاء ما يمكن أن يقف عليه المرء من دروس وعبر وهو يستحضر اللحظات الأخيرة لحكم بوتفليقة الذي أتى إلى الجزائريين من زمن العصب والانقلابات والدسائس والمؤامرات فاستقبلوه معززا مكرما في زمنهم ورضوا أن يؤجلوا، من أجل أن يسود عليهم، طموحاتهم في دولة حديثة ديمقراطية يبنون مؤسساتها بكفاءاتهم ويضعون لها دستورا يتلاءم مع نضجهم وطموحات الجيل الجديد الذي لم يعش صراعات وانقلابات ما قبل الاستقلال وما بعده.  

 

 

لقد كان بوتفليقة، قبل أن تخونه متاعب الجسد والعقل، خطيبا مفوها وقادرا على توظيف كل المفاهيم والتصورات بما فيها الأكثر حداثة غير أنه لم يكن يؤمن بها يوما ولم يجسدها إلا بما يفي بالغرض ويبرر الوسيلة. لم يخف يوما أنه لا يحب الدستور ولا يعير للمؤسسات الدستورية أدنى اهتمام، وإن اضطر أحيانا لأن يمتثل شكليا لبعض مقتضياتها، فقد استدعى البرلمان الذي لم ينزل إليه يوما للاجتماع بغرفتيه ثلاث مرات أولها في 2002 وثانيها وثالثها في 2008 و2016 لإقرار تعديلات على دستور لم يكن يحبه لأنه كان يعيق طموحه في الحكم مدى الحياة فأزال تماما ما كان يبدو فيه أنه يحترم استقلال الهيئات والمؤسسات وتوازنها وركز جميع السلطات في يده بما فيها سلطة تطبيق المادة 102 منه التي تحدد آليات تنحيه من السلطة فلم يطبقها إلا تحت ضغط رهيب.

أتاحت التعديلات المثيرة للجدل التي أدخلها بوتفليقة على الدستور الغطاء الدستوري لتكريس انفراده التام بالسلطة الذي كان واقعا سياسيا لسنوات من قبل فصارت الطريق بذلك ممهدة لتوليه ولاية ثالثة بتأييد علني، ليس لحزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي فحسب بل لأحزاب مثل حركة مجتمع السلم التي رأى رئيسها أبو جرة سلطاني آنذاك أن بوتفليقة مقبل بهذا على عهدة أولى ضمن دستور جديد وحزب العمال الذي كانت أمينته العامة الويزة حنون ترى أنه ليس من العدل والديمقراطية تحديد الولايات الرئاسية وحركة إصلاح جاب الله أيضا سارت على الدرب ذاته وأحزاب أخرى يمكن أن نستثني منها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية اللذين أعلنا على الملأ رفضهما ما اعتبراه اعتداء على الدستور. ويروي لنا الأستاذ فضيل بومالة الذي كان باشر آنذاك حملة جمع توقيعات الرافضين لذلك المسعى، خيبة أمله وهو يرى رجالا مثل حمروش وبن فليس وآخرين ما عدا احمد بن بيتور، يفضلون الصمت والوقوف متفرجين على اغتصاب النص الأساسي للدولة بطريقة أقر جميع المختصين أنها لم تكن دستورية كون التعديلات المدرجة كانت تمس بتوازن السلطات فضلا عن أنها تفتح الباب للحكم الفردي مدى الحياة لرجل لم يكن يرى نفسه داخل الإطار المؤسساتي القائم بل كان يدير البلاد في أحسن الأحوال بدستور عام 1976 الذي كان ينظر إلى السلطات الأخرى بأنها مجرد وظائف يمكن لرئيس الدولة أن يتلاعب بها كما يشاء.

توقفنا عند تلك اللحظة من مسار بوتفليقة الرئاسي لأهميتها القصوى فقد بينت إلى أي مدى تدجنت الطبقة السياسية وأظهرت قصورا سياسيا ومؤسساتيا رهيبا وكيف خضعت الأصوات لإرادة فرد واحد إذ لم نكن نسمع إلا همسا هنا أوهناك تعبيرا عن امتعاض واستنكار دون أن يترجم إلى حركة رفض منظمة وفعالة. لقد كان فتح الولايات الرئاسية ضربة قاضية للمسار الديمقراطي الذي بني بشق الأنفس، بل طعنا شارك فيه كل من التزم الصمت أو دعمه خوفا أو طمعا وظلت تبعاته تلازم البلد، حيث مكن بوتفليقة من ولاية رابعة في أفريل من عام 2014 على الرغم من وضعه الصحي الذي لم يكن يؤهله إلا للبقاء في بيته ومتابعة علاجه في راحة تامة وهو الذي كان قد عاد إلى فال دوغراس ثانية وقضى فيه 80 يوما إثر الجلطة الدماغية التي تعرض لها عاما قبل ذلك، شلت ما بقي من مؤسسات الدولة.

لقد بدا النظام الذي بناه بوتفليقة قدرا محتوما على جميع من حوله حيث لم يبق  أمامهم إلا السير في مضماره والهروب طوعا أو كرها إلى الأمام وكأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، غير أنهم كانوا بالمقابل ينتظرون قدرا آخر من السماء ويفكرون في ما بعد وفاة الذي كان يجمعهم حول مائدة نظامه. غير أن القدر أراد غير ذلك. لقد احتدم الصراع على خلافة بوتفليقة منذ 2017 ولم يكن مسلسل الصيف الذي كان أبطاله الوزير الأول تبون ورجل الأعمال علي حداد وأمين عام النقابة سيدي سعيد ومدير الديوان احمد أويحيى إلا إحدى مؤشرات ذلك الصراع الذي انتهى بتفوق ما بات يعرف منذ ذلك الوقت بالقوى غير الدستورية.

لقد أسرع الحراك الشعبي السلمي بعجلة التاريخ وأنهى وضعا كان ينذر بالانفجار ووضع حدا لمناورات كانت تهدف للاستمرار على الخط ذاته، فلم تعد يجدي مع السيل الشعبي العرم لا مقترحات ندوة وطنية ولا تمديد الفترة الرئاسية الرابعة “للقيام بإصلاحات عميقة من أجل تغيير جذري للنظام”. ولم يبق أمام قيادة الجيش إلا تذكير بوتفليقة بما قاله عام 1999، فدعته للذهاب إلى بيته مادام للكعبة رب يحميها.

انتهى بوتفليقة الرئيس ولا يزال بوتفليقة الفرد على قيد الحياة، ويبقى التساؤل مطروحا: هل زال نظام بوتفليقة من أروقة الدولة؟ وهل زالت البوتفليقية فكرا وسلوكا؟ المؤكد أن نضالات الشعب مستمرة ولن تتوقف من أجل إزالة ركام ما خلفته عقود من الاستبداد والفساد وبناء دولة مؤسسات قوامها القانون وأساسها الحريات وهو أكثر وعيا منذ أن استيقظ في فبراير من العام الماضي.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك