كيف سنقضي العيد مع الكوفيد؟

من الوقاية الأمنية إلى التعايش الوقائي

بقلم احسن خلاص

في الوقت الذي انتظر فيه المواطنون تشديدا في تنفيذ تدابير الوقاية وتوسيعا للحجر المنزلي قبيل أيام العيد ارتأت الحكومة الاكتفاء بالإبقاء على التدابير التي اتخذت منذ أسابيع قليلة لمنع تنقل المركبات من وإلى الولايات الـ29 المعنية بالحجر الجزئي وما بينها. وهو قرار أثار الدهشة عند المتابعين بالنظر إلى التدابير المتشددة التي عرفها عيد الفطر بالرغم من أنه لم يكن يحمل المخاطر التي يحملها الاحتفال بعيد الأضحى الذي تتضاعف فيه الحاجة إلى التجمعات والاحتكاك والزيارات والاجتماع حول أضحية العيد.

لقد قررت الحكومة أن تبقي الأزمة الصحية ضمن اهتماماتها الأساسية دون أن تحتل الدور الأساسي والحصري والمحوري في سلم الاهتمامات حيث بدأت تتجه نحو مقاربة التعايش الوقائي مع وباء الكوفيد وتخلت عن الزعم أنها قادرة على القضاء عليه أو السيطرة على الوضع تماما بعدما تبين أن عدد البلدان التي تمكنت من ذلك قليلة جدا وأن أكبر البلدان تقدما وأكثرها غنى لا تزال تتخبط في مستنقعه الذي يبدو أن التخلص منه ليس غدا.
لقد تخلت الحكومة أيضا عن اعتبار الأزمة الصحية مسألة أمن قومي يتجند لها المجلس الأعلى للأمن ويجتمع بشأنها رئيس الدولة بكبار المسؤولين لاتخاذ القرارات الكبرى بعدما تقلصت إلى مجرد مسألة أمن صحي واجتماعي تقع المسؤولية بشأنه على وعي المواطن وحرصه على التقيد بتدابير الوقاية التي أصبح يعرفها الجميع.

لقد دفعت الحكومة إلى تخفيض درجة التأهب الوطني ضد الوباء دفعا من قبل التجار وأصحاب المهن والحرفيين الذين تضرروا بالدرجة الأولى من استمرار التشدد في التدابير لاسيما غلق المحلات ومنع خدمات النقل الجماعي وغيرها. ويدخل التعامل المرن الذي تبديه إزاء الحياة الاجتماعية خلال عيد الأضحى ضمن المنطق ذاته القائم على عدم اعتبار الوقاية من الكوفيد مسألة أمن وطني يستدعي تعبئة جميع المؤسسات الأمنية والصحية والحركة الجمعوية. وليس أدل على ذلك من انتشار الطوابير المزدحمة أمام مكاتب البريد لاقتناء ما يواجه به المواطنون حاجيات العيد بسبب ندرة السيولة النقدية لدى بريد الجزائر دون أن يستدعي ذلك القيام بإجراءات أمنية عاجلة لضمان التباعد الاجتماعي المطلوب.

في آخر لقاء له مع الصحافة رد الرئيس تبون عن سؤال حول قراره السماح باقتناء الأضحية وذبحها بأنه لم يمنع ذلك ولم يسمح به بل ترك الأمر لأهله وهم لجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية التي أفتت هذه المرة بعدم تعليق السنة الإبراهيمية شريطة أن تتم عملية الذبح باحترام الشروط الصحية الصارمة. وبهذا تكون وزارة الشؤون الدينية قد انسجمت مع المنطق العام الذي صارت تسير عليه الحكومة في مواجهة الكوفيد والذي ينبني، كما أشرنا، على التعايش الوقائي بدل الوقاية الأمنية المعمول بها إلى غاية بداية شهر جوان الفارط.

ولا شيء في الأفق يدل على أن الحكومة ستعود إلى حزمة التدابير الصارمة التي أقرتها إلى غاية بداية جوان، فما عدا قرارات منع التنقل بين الولايات الذي لا تبدي مصالح أمن الطرقات تشديدا بشأنه في كثير من الأحيان فإن العودة إلى تمديد ساعات الحجر مستبعد في الوقت الذي ولت الحكومة وجهها شطر إعداد خطط للإنعاش الاقتصادي وتحريك العجلة التنموية الذي تدل عليه المواعيد المرتقبة منتصف الشهر القادم. وبهذا تركت قضية الوقاية من انتشار الكوفيد بيد العائلات والتجار وبعض المصالح الإدارية والصحية ضمن ما سمته الحكومة الخروج المرن من الحجر الذي أدى إلى الأعداد المتزايدة في حالات الإصابة والوفيات.

وأمام هذا الوضع الجديد الذي لم تجعل الدولة فيه يدها مغلولة إلى عنقها ولم تبسطها كل البسط لكي لا تلام بسبب تفاقم الوباء وفضلت أن ترمي بجزء من المسؤولية في مرمى المواطن بدأ التعايش الوقائي يأخذ طابعا اجتماعيا وأدى إلى تزايد الالتزام بوضع الكمامات والتباعد والحرص على التعقيم والتطهير لدى فئات واسعة لاسيما وأن تزايد حالات الإصابة دحض ما ينتشر من أقاويل مشككة في وجود الفيروس ذاته وأخرى تتهم الدولة بالتهويل للحيلولة دون مواصلة مسيرات الحراك. ولكي لا نفرط كثيرا في التفاؤل بانتشار الوعي الاجتماعي فإن مناسبة العيد هذه المرة ستكون مؤشرا هاما لقياس مدى قدرة المواطنين على أخذ مسألة الوقاية الاجتماعية من الكوفيد مأخذ الجد بعيدا عن ثقل وصاية الدولة والحرج الذي ينجر على تشديد إجراءات الوقاية الأمنية وإذا نجح المواطنون في تخطي هذا الامتحان تكون الجزائر قد خطت خطوة جبارة في عملية التعايش الوقائي مع الفيروس.

غير أن المتابعين الأكثر تفاؤلا يتوقعون أن تكون مناسبة العيد لحظة يتضاعف فيها عدد الإصابات لتبلغ أرقاما غير مسبوقة قد تحول العيد من مناسبة للفرح والتزاور إلى مناسبة لزيارة المرضى في المستشفيات أو ربما لزيادة رهيبة في عدد الوفيات. وحينئذ قد تضطر الحكومة إلى اتخاذ تدابير جديدة أكثر صرامة ومن موقع قوة الحجة هذه المرة، لكن الوباء يكون قد استفحل واستشرى وغزا المستشفيات والعائلات وإلى غاية وصول اللقاحات الخاصة به يكون قد ذهب بعيدا في الانتشار.

لقد اضطر الكوفيد العديد من المجتمعات إلى التخلي عن أقدس مقدساتها وأكثر عاداتها وأعرافها عراقة حفاظا على صحتها وقد حرم الجزائريون كباقي الشعوب من دور العبادة والمنتزهات والملاعب وممارسة حقوق كانت من البديهيات اليومية في زمن غير هذا الزمن. ويمكن أن نجزم أنه لو أعيد فتحها أمام الجزائريين لارتادوها أفواجا غير آبهين بالعواقب الوخيمة على صحتهم وحياتهم وهاهم اليوم يقبلون إلى الاحتفال بعيد الأضحى والتضحية بالرغم من التحذيرات المتواصلة للأطباء من مخاطر بيع الأضاحي وذبحها على صحتهم. فكيف سيقضي الجزائريون العيد مع الكوفيد؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك