كيف تتكيف صناعة الطيران مع أزمة “كورونا”؟

"السفر الآمن":

 

 إيمان فخري/مركز المستقبل  للدراسات والأبحاث المتقدمة

 

فرضت جائحة كورونا واقعًا جديدًا على حركة السفر والطيران في العالم، إذ تزايدت اتجاهات إغلاق الحدود، ووقف حركة النقل الجوي للحد من انتشار الفيروس. وفي مرحلة لاحقة بدأت الدول في صياغة تدابير جديدة لاستئناف السياحة والسفر عبر سياسات، مثل: فقاعات السفر (Travel Bubbles)، وجوازات السفر المناعية (Immunity Passports)، وميكنة السفر، وإعادة تصميم الطائرات والمطارات لتتكيف مع تغيرات ما بعد كورونا.

 

خسائر قطاع الطيران:

 

يُعد قطاع النقل الجوي أكثر القطاعات تضررًا من جائحة فيروس كورونا المستجد، فبمجرد انتشار أخبار الفيروس على نطاق واسع في أواخر يناير الماضي؛ انخفض الطلب على السفر إلى آسيا من بقية دول العالم، وبالتالي بدأت شركات الطيران في تقليل رحلاتها إلى الصين وعدة دول آسيوية أخرى بشكل كبير.

ومع انتشار الفيروس إلى أوروبا والأمريكتين وإفريقيا، انخفض الطلب على السفر باستخدام الطائرات في جميع أنحاء العالم، بل ووصل الأمر إلى قيام بعض المسافرين بتأجيل وإلغاء أسفارهم التي كانت مقررة في عام 2021، وذلك خوفًا من استمرار تفشّي الفيروس.

ورغم قيام الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بإقرار حزمة تمويلية تُقدر بـ58 مليار دولار لمحاولة إنقاذ شركات الطيران الأمريكية، على أن يكون 29 مليار دولار منها لمنح رواتب للعاملين في هذه الشركات، و29 مليار دولار أخرى كقروض لشركات الطيران للحيلولة دون انهيارها؛ إلا أن شركة دلتا للطيران التي تُعد من أكبر شركات النقل الجوي الأمريكية قد خسرت حوالي 534 مليون دولار في الربع الأول من العام الجاري، وهي أول خسارة لها خلال خمس سنوات. في حين كشفت شركة “يونايتد إيرلاينز” الأمريكية عن خسارتها ما يقدر بحوالي 2,1 مليار دولار . 

وفي السياق ذاته، أعلن عدد من شركات الطيران عن إفلاسها، ومن أهمها: شركة “فلاي بي” Flybe البريطانية. وشركتا “ترانس ستيتز الجوية” Trans States Airlines وميامي للطيران الأمريكيتان، وذلك في مارس 2020. وشركة Virgin Australia الأسترالية، وشركة طيران موريشيوس، اللتان أعلنتا إفلاسهما في أبريل 2020. وشركة Avianca الكولومبية، وشركة LATAM التي تُعد من أكبر شركات الطيران في أمريكا اللاتينية، واللتان أعلنتا إفلاسهما في مايو 2020. في حين أنّ شركة الطيران التايلندي كانت أول الشركات الآسيوية التي تُعلن إفلاسها بنهاية مايو الماضي. وتعاني شركة الطيران السنغافورية من ضغوط مالية كبيرة.

وطبقًا لبيانات اتحاد النقل الجوي الدولي (IATA)، فقد خسرت شركات الطيران على مستوى العالم خلال الفترة من يناير حتى مايو 2020 ما يقرب من 126 مليار دولار بسبب إلغاء الرحلات. ويوضح الشكل البياني التالي توزيع الشركات التي عانت من أكبر قدر من الخسائر خلال هذه الفترة موزعة وفقًا للموقع الجغرافي.

 

خسائر شركات الطيران حسب الموقع الجغرافي

 

 ويتضح أن أكثر الشركات تضررًا كانت الشركات الآسيوية، تليها الأوروبية ثم الأمريكية والكندية، ثم شركات الطيران في أمريكا اللاتينية، تليهم شركات طيران الشرق الأوسط، وفي ذيل قائمة شركات الطيران الخاسرة كانت شركات الطيران الإفريقية، وقد يُعزَى ذلك إلى عدم انتشار الفيروس في الدول الإفريقية بشكل كبير مثل باقي دول ومناطق العالم. 

وقد أصدر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) توقعاته المالية لصناعة النقل الجوي العالمية خلال عامي 2020 و2021، حيث أشار إلى أنّه من المتوقّع أن تخسر شركات الطيران 84.3 مليار دولار في عام 2020 بهامش صافي ربح -20,1٪، كما أنه من المنتظر أن تنخفض الإيرادات بنسبة 50٪ لتصل إلى 419 مليار دولار عام 2020 مقارنة بـ838 مليار دولار في 2019، وبذلك يصبح عام 2020 هو أشد الأعوام صعوبة على قطاع الطيران من حيث الخسائر المادية .

أما بالنسبة لعام 2021، ففي حال فتح الحدود بين البلدان وعدم وجود موجة ثانية من الفيروس، فقد يتم خفض خسائر قطاع الطيران إلى 15.8 مليار دولار مع ارتفاع الإيرادات إلى 598 مليار دولار، بهامش ربح صافٍ بنسبة -2.6٪، مما يعني أن قطاع شركات الطيران قد تبدأ في التعافي خلال العام المقبل .

 

بروتوكولات “السفر الآمن”:

 

في إطار السعي إلى عودة قطاع الطيران إلى طبيعته وتعويض الخسائر سالفة الذكر، مع تأمين المسافرين في الوقت نفسه، وعدم تحول المطارات والطائرات إلى بؤرة لفيروس كورونا؛ اتخذت شركات الطيران عدة إجراءات لتحقيق “السفر الآمن”، ولا يزال بعض هذه المقترحات قيد الدراسة، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي:

1- إجراءات التعقيم والوقاية: 

قررت العديد من شركات الطيران عدم إشغال كافة مقاعد الطائرة، وذلك لمراعاة قاعدة التباعد الاجتماعي، مع قياس درجة حرارة المسافرين قبل صعودهم للطائرة، فضلًا عن أن معدات الحماية الشخصية (مثل: أقنعة الوجه، ومطهرات الأيدي) أصبحت ملزمة في كافة المطارات ورحلات الطيران، وتطبق على كافة المسافرين.

وتقوم بعض المطارات بإجراءات مشددة بشكل أكبر من ذلك، حيث قام المسؤولون في مطار هونج كونج بوضع جهاز (يُسمى CleanTech)، لتطهير كامل جسم الركاب والموظفين في المطار، حيث يخضع الركاب وموظفو المطار لفحص درجة الحرارة قبل الدخول إلى قناة مغلقة في هذا الجهاز لإجراء تعقيم مدته 40 ثانية، باستخدام تقنيات “المحفز الضوئي” و”إبر النانو”.  

كما يقوم مسؤولو مطار هونج كونج أيضًا بوضع طلاء غير مرئي مضاد للميكروبات والجراثيم والبكتيريا والفيروسات على الأسطح التي تزداد إمكانية وجود الفيروس بها نتيجة وجود عدد من المسافرين حولها، مثل عربات حمل الحقائب وأكشاك تسجيل وقيد المسافرين، كما تم البدء في اختبار إمكانية استخدام الروبوتات المجهزة بمطهرات الأشعة فوق البنفسجية والتي ستجوب المطار لتطهره.

2- فقاعة السفر (Travel Bubble):

 يطلق عليها أيضًا جسور السفر (Travel Bridges) أو ممرات كورونا (Corona Corridors)، ويتمحور هذا المفهوم حول قيام مجموعة من الدول الآمنة من الفيروس بالاتفاق على فتح حدودها مع بعضها بعضًا، والسماح للمواطنين بالتنقل بين هذه الدول فقط، مع الإبقاء على غلق الحدود مع جميع البلدان الأخرى. ويوضح الباحث في مجال الحراك الاجتماعي والمنهاجية بجامعة أكسفورد “بير بلوك” أن الفكرة الرئيسية لفقاعة السفر هي خلق مساحات يمكن للناس التحرك بأمان داخلها ومن دون التسبب في انتشار للفيروس.

 

ويتطلّب تطبيق فقاعات السفر قدرًا معينًا من الثقة بين البلدان التي ستقوم بتطبيقها معًا، فضلًا عن تحديد وضع نشاط فيروس كورونا في هذه البلدان، بمعنى أن هذه الفقاعات أو المساحات الآمنة لا يمكن تكوينها إلا بين دول تسجل عدد إصابات منخفضة للغاية أو لم تسجل أية إصابات منذ فترة. 

وفي هذا السياق، قامت دول البلطيق (إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا) بفتح حدودها مع بعضها بعضًا في 15 مايو الماضي، والسماح لمواطني الدول الثلاث بالتنقل بشكل حر بين هذه الدول، في حين أنه يتعين على أي شخص يصل إلى أي من هذه الدول الثلاث خارج منطقة البلقان، أن يقوم بعزل نفسه لمدة 14 يومًا. وتجدر الإشارة إلى أنه حال استمرار انخفاض مستويات الإصابة بالفيروس في فنلندا وبولندا، فمن المتوقع أن ينضما إلى فقاعة السفر في بحر البلطيق.

وعلى الرغم من أن أستراليا ونيوزيلندا هما من أكثر الدول المرشحة في الوقت الحالي لتكوين فقاعة للسفر، فقد شرعتا -بالفعل- في التفاوض لتكوين هذه الفقاعة بينهما، والسماح لمواطنيهما بالتنقل الحر بين البلدين، خاصة مع ما يبدو من سيطرة البلدين بشكل كامل على انتشار الفيروس. إلا أن تصريحات وزير السياحة الأسترالي حول أنه من الممكن أن تظل حدود البلاد مغلقة حتى العام المقبل؛ تعني عدم إمكانية تكوين فقاعة السفر الآمنة بين أستراليا ونيوزيلندا خلال العام الجاري .

وتجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على هذه الآلية سيعمل على إنعاش اقتصادات الدول التي سيتم تكوين الفقاعة بينها، ولكنّ تطبيق هذه الآلية يتوقف على عدم وجود موجة ثانية من الفيروس، وكذلك على قدرة عدد من الدول على إبقاء عدد الإصابات ومعدلات الانتشار فيها منخفضة لتشجيع دول أخرى لتكوين فقاعة آمنة معها.

3- جوازات السفر المناعية (Immunity Passports): 

اقترحت بعض الدول حيازة الأشخاص جوازات السفر المناعية أو التي يطلق عليها البعض (risk-free certificate)، والتي تعني حيازة الأشخاص شهادة تُثبت أن لديهم أجسامًا مضادة لفيروس كورونا، مما يمكنهم من السفر والتنقل، حيث إنهم لن يقوموا بنقل عدوى أو يتسببوا في مزيد من الانتشار للفيروس؛ إلا أنّ منظمة الصحة العالمية حذرت -في 24 أبريل 2020- من إصدار جوازات حصانة لأنه لا يمكن ضمان دقتها، حيث لا يوجد حاليًّا دليل علمي على أن الأشخاص الذين تعافوا من فيروس كورونا محصنون من الإصابة بفيروس كورونا مرة أخرى. 

ويبرز تحدٍّ لوجيستي آخر في تطبيق هذه الوسيلة، يتمثل في الحاجة لإصدار هذه الشهادات أو جوازات السفر لملايين من المسافرين، وبالتالي إجراء التحليلات الطبية اللازمة لاستخراج هذه الشهادة، مما سيمثّل -بالتأكيد- ضغطًا إضافيًّا على الأنظمة الصحية، فضلًا عن أنه سيكون من الصعوبة منع الأشخاص الذين لم يصابوا بالفيروس وكونوا أجسامًا مضادة ضده من السفر إلى الأبد. ولكن الأخطر -في هذا الصدد- هو خلق مقياس اجتماعي جديد لتقسيم البشر “من يملك جواز سفر مناعيًّا أو شهادة طبية” ومن لا يملك، وهو ما سيحرم عددًا كبيرًا من البشر ليس من السفر فقط، بل إن مفهوم جواز السفر المناعي قد يمتد ليصبح وثيقة أساسية للسماح بدخول المطاعم والأماكن الترفيهية على سبيل المثال وليس للسفر فقط، مما يُهدد بحرمان عدد كبير من البشر من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

 

4- ميكنة السفر (Travel Automation): 

 

يضطر المسافر إلى التعامل مع العديد من الأشخاص منذ الوصول إلى المطار مما يزيد من احتمالية الإصابة بالفيروس. لذا، من المرجح أن يبدأ العمل على “ميكنة عملية السفر”، والتحول إلى ما يُمكن تسميته السفر دون التواصل مع الأشخاص (Touch less Travel)، بمعنى أن تكون كافة التعاملات التي يُجريها المسافرون منذ بداية حتى انتهاء رحلتهم هي معاملات إلكترونية لا تنطوي على تعاملات بشرية وجهًا لوجه. 

ويرى بعض الخبراء أن ذلك يمكن أن يتم من خلال استبدال نقاط التفتيش في المطارات بأجهزة مسح إلكترونية، وسيتعين الاعتماد على أجهزة تحديد الهوية التي تعتمد على بصمة العين، كما ستكون هناك أجهزة تحدد الهوية من دون لمس المسافرين لها بشكل مستمر (Touch less) لتقليل إمكانية انتقال الفيروس، ومن المرجّح أن يتم إنهاء الإجراءات الورقية للمسافرين داخل المطارات من خلال نظام الأوامر الصوتية بدون التعامل بين المسافرين وموظفي المطار.

 

5- إعادة تصميم الطائرات: 

من المرجّح أن شركات الطيران ستركز على استعادة ثقة الركاب من خلال استخدام الأسطح المضادة للميكروبات داخل الطائرات، والاعتماد على تكنولوجيا تتبع حركة العين بدلًا من اللمس فيما يتعلق بنظام وشاشات الترفيه على متن الطائرة. فضلًا عن إمكانية إحلال الروبوت محل مضيفات الطيران لتقديم الخدمات اللازمة للركاب.

ومن المحتمل أيضًا أن يتم إعادة تقسيم مقصورة الركاب لترك مسافات أكبر بين مقاعد الركاب لتقليل احتمالية انتقال العدوى. وفي هذا السياق، أصدرت شركة Avio Interiors الإيطالية تصميمين جديدين لمقاعد الطائرات؛ التصميم الأول أطلقت عليه اسم “Janus”، ويعتمد على عكس موقع المقعد الأوسط، فضلًا عن الفصل بين الركاب الثلاثة بدرع مصنوع من مادة شفافة تعزلهم عن بعضهم بعضًا، مما يخلق حاجزًا وقائيًا للجميع، فكأن كل مسافر له مكانه الخاص المعزول عن الآخرين، حتى من الأشخاص الذين يمرون عبر ممر الطائرة، كما هو موضح في الصورة أدناه.

 

تصميم Janus المقترح للطائرات 

 

في حين يقوم التصميم الثاني الذي أُطلق عليه اسم “Glassafe” بتثبيت درع واقٍ شفاف بين المقاعد الأمامية، ولكن هذا التصميم يترك ذراعي الراكب مكشوفة مما يجعلها عرضة للجراثيم من خلال الاتصال المباشر مع الجالس في المقعد الآخر، كما هو موضح في الصورة أدناه.

 

تحديات الانتقال الآمن:

 

يمكن القول إن هناك عدة تحديات ستواجه تطبيق هذه الآليات التي ستعمل على خلق بيئة أكثر أمنًا للسفر، وتتمثل أول هذه التحديات في ضعف البنية التحتية للتكنولوجيا في العديد من الدول النامية، فيما يتمثل التحدي الثاني في صعوبة تطوير سياسة متماسكة ونظام قانوني حول نشر التقنيات الرقمية التي توازن بين حماية الحريات المدنية والصحة العامة في المطارات. من ناحية أخرى، توجد صعوبة في إعادة تصميم كافة المطارات لاستيعاب تقنيات الفحص الصحي الجديدة وإجراءات التباعد الاجتماعي، والتي سيترتب عليها زيادة مساحات المطارات ، وهو بالتأكيد الأمر الذي سيمثل عبئًا ماليًّا إضافيًّا خاصة للدول النامية.

في حين أن التحدي الرابع يتعلق بمشكلة التهوية في الطائرات، حيث يتم تدوير الهواء القديم داخل الطائرات كل ست ثوانٍ مع استخدام 50٪ فقط من الهواء النقي، مما يعني أن نصف الهواء الذي يتنفسه الركاب على متن الطائرات هو هواء قديم، مما قد يعزز من احتمالية انتقال العدوى بين الركاب. 

 

ختامًا

 

هناك توجّه لإعادة تعريف السفر، وأن يُصبح وجه المسافر هو جواز سفره وليس جواز السفر الورقي الذي لطالما اعتمد عليه في التنقل. وعلى الرغم من أنه لا يوجد مفر من تغيير عملية وآليات السفر بشكل كامل في ظل وبَعد انتهاء جائحة كورونا؛ إلا أن هذا التحول ليس سهلًا، والسبيل الوحيد لتحقيقه هو التعاون الكامل بين كافة الدول والمنظمات الدولية، مثل: منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، واتحاد النقل الجوي الدولي (IATA)، وذلك لتعميم وتسريع استخدام التقنيات الرقمية في السفر.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك