كورونا ينفذ اتفاق باريس حول المناخ

في اليوم العالمي للبيئة

بقلم: احسن خلاص 

يتجه العالم عموما نحو إنهاء الهدنة مع البيئة التي فرضها انتشار فيروس كورونا والعودة إلى النشاط المعتاد للبشرية في ظل سباق محموم نحو الإقلاع من جديدة بالماكنة الصناعية لاسيما لدى الصين التي تعافت من فيروسها منذ مارس الماضي. وشاءت الأقدار أن تنطلق تلك الهدنة المفروضة في الموعد المحدد في ندوة باريس حول المناخ المنعقدة عام 2015  وهو عام 2020 للانطلاق في تجسيد “اتفاق باريس” حول التدابير الضرورية لتنفيذ الاتفاق الإطار للأمم المتحدة لدعم التصدي العالمي لتهديدات التغير المناخي والحد من آثاره السلبية والتكيف معها والوصول بدرجة حرارة الكوكب إلى مستوى لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية بالمقارنة مع المستوى الذي كانت عليه قبل ظهور الصناعة بعدما بلغت في الوقت الحالي 2 درجة مئوية مما يهدد سلامته وسلامة ساكنته بفعل كثافة انبعاث الغازات الدفيئة وهو ما يتطلب تعبئة الأرصدة المالية الضرورية وإتاحة إمكانية تحويل التكنولوجيات البديلة الصديقة للبيئة والمعرفة من أجل بلوغ هذه الأهداف. وهو الاتفاق الذي يمتد إلى غاية عام 2100.

وينتظر أن تعود الدول الكبرى بشيء من الشراسة إلى النشاط الصناعي دون أن تأبه للالتزامات التي قطعتها الدول الكبرى على نفسها بالعمل على حماية كوكب الأرض من غزو التلوث الصناعي الذي تعتبر الصين والولايات المتحدة الأمريكية رائدتين في بعث الغازات الدفيئة المسؤولة عن الاختلال في النظام البيئي العالمي وظواهر التصحر والجفاف والفيضانات والأوبئة التي تصاحبه. ولم ينتظر ترامب تداعيات أزمة كورونا على اقتصاديات العالم ليعلن انسحابه من اتفاق باريس قبل الشروع في وضعه حيز التنفيذ.

يحيي العالم في الخامس جوان من كل سنة اليوم العالمي للبيئة ويقف في كل مرة على حجم المأساة والمخاطر التي تتهدد الكوكب دون أن يصل إلى بلورة قرارات جماعية شجاعة تحد من السباق المحموم في وقت صار العامل الاقتصادي وتطوير الصناعات المتقدمة في تلويث البيئة المؤهل الأول لأخذ ريادة العالم. وها هو فيروس كورونا بما فرضه من حجر وحد من التنقل البري والجوي والنشاط الاقتصادي قد قدم درسا للبشرية بأن الهدنة مع الكوكب الأرضي ممكنة عندما تفرض من قبل عامل طبيعي خارج عن إرادة البشر. كما نبه البشرية وبالأخص في الدول الأقل نمو إلى ضرورة جعل الحفاظ على بيئة نظيفة مسؤولية المجتمع قبل أن تكون مسؤولية الدولة.

ويتزامن إحياء اليوم العالمي للبيئة مع إصدار السلطة في الجزائر حزمة من التدابير الوقائية من فيروس كورونا تفرض على المتاجر ومحلات مختلف المهن التي تقرر فتحها بداية من 7 جوان الجاري وإن كانت هذه التدابير تحمل معها صفة الإلزام وما يترتب عن مخالفتها من عقوبات إلا أنها تكتسي طابعا بيداغوجيا ودرسا صعب الاستيعاب والتطبيق في الأيام الأولى غير أنها ستندرج ضمن التقاليد الحميدة التي سيتركها كورونا عند ذهابه وقد يصبح من الضروري أن يتبع المواطنون سنة الالتزام بقواعد الحياة الجديدة وتعميمها وتوسيعها إلى جوانب أخرى لاسيما المتعلقة بالنفايات المنزلية بالنسبة للعائلات والنفايات الصناعية بالنسبة للمؤسسات.

وتظهر الجزائر حرصا شديدا على الامتثال لمخرجات مختلف اللقاءات الدولية من اتفاق 1992 إلى نتائج اتفاق كيوتو لعام 1997 وانتهاء باتفاق باريس قبل أقل من 5 سنوات. وينطلق اهتمامها بالبيئة من منطلق تاريخي بالنظر إلى المآسي التي عرفتها خلال حرب التحرير من إزالة جزء كبير من غطائها الغابي بفعل قنابل النابالم وتعرضها للتجارب النووية في الصحراء الجزائرية والتي لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم. غير أن ما فعلته السياسات غير المسؤولة لجزائر الاستقلال لا تقل أهمية عن ما فعله الاستعمار لاسيما مع غزو الاسمنت لأجود الأراضي الفلاحية إذ بالرغم من الجهود المبذولة أعوام السبعين من القرن الماضي للتشجير ومحاربة التصحر مما أعاد جزئيا الاعتبار للثروة الغابية، إلا أنه ما انفكت النيران تلتهم منها جزأ معتبرا كل صيف.

وفي ظل التزاماتها الدولية واهتمامها بالبيئة أنشأت الدولة هيئات لتجسيد سياسة محكمة تجاه البيئة مثل الوكالة الوطنية للنفايات إلى جانب تشجيع صناعة الاسترجاع والتدوير والعمل على تقليص مجال استعمال البلاستيك غير أن الخطر على البيئة يمكن أن يأتي من قدم النسيج الصناعي الجزائري وابتعاده عن المعايير الدولية لمراعاة سلامة البيئة عند تشكيله في السبعينيات فضلا عن اعتماده شبه الكلي على الطاقات التقليدية وصعوبة الوصول إلى إرساء الطاقات المتجددة والبديلة أو النظيفة كما يقال، فقد صار مصدرا للخطر في المستقبل القريب بالنظر لما ينتجه من مياه ملوثة وغازات ونفايات خطيرة إذ يتجاوز حجم النفايات الصناعية الصلبة في الجزائر عتبة المليون طن في السنة وأكثر من 40 بالمائة منها نفايات سامة وخطيرة تجد مكانها في النهاية عند الأودية وفي البحر الذي صار بعيدا عن شروط الاستجمام والصيد البحري المعتادة.

ويذهب الاهتمام بالبيئة جزائريا إلى حد حرص المؤسس الدستوري على إعطائها مكانة في التعديلات الدستورية لعام 2016 والتي عززها في تعديلات 2020 التي تضمنت فقرة جديدة في ديباجته جاء فيها أن الشعب “يظل منشغلا بتدهور البيئة والنتائج السلبية للتغير المناخي وحريصا على ضمان حماية الوسط الطبيعي والاستعمال العقلاني للموارد الطبيعية وكذا المحافظة عليها لصالح الأجيال القادمة” كما عززت المادة 120 من مقترح التعديلات الدستورية مكانة البيئة وألحت على الحفاظ عليها من خلال سهر الدولة على ضمان سلامتها والتوعية المتواصلة بالمخاطر المحدقة بها والاستعمال العقلاني للمياه والطاقات الأحفورية ومختلف الموارد الطبيعية وواجب قمع الملوثين من أجل حماية البيئة بأبعادها البرية والجوية والبحرية.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك