كورونا ينذر بنهاية العالم

بعودة الانتقائيات الوطنية

بقلم: احسن خلاص

ذكرنا في مقال سابق كيف تأسف عالم الاجتماع الفرنسي إيدغار موران من جعل كورونا الحكومات والأمم والجماعات البشرية تنغلق على نفسها بحجة ضرورة غلق الحدود للحد من حركة المسافرين تفاديا لنشر فيروس كورونا بينما كان عليها أن تجد منافذ للتضامن الدولي. وفي ظل الحرب النفسية والكلامية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات لاذعة وشديدة اللهجة للحكومة الصينية متهما إياها بأنها تسترت على الفيروس بعدما ظنت أنها قادرة على احتوائه وحدها وتركته ينفذ من حدودها ليعم العالم أجمع فلو استنجدت الصين بالعالم في الوقت المناسب لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

 

لقد ظهر سلوك الكثير من الدول غريبا هذه المرة أمام انتشار الفيروس ومخالفا لما تعودنا إليه عندما يتعلق بمحاربة الإرهاب والاتجار بالمخدرات والهجرة السرية وحتى بحماية البيئة فقد انكفأت كل دولة على نفسها ولزمت حدودها وظلت تنتظر قدوم الفيروس بل صارت كل واحدة منها تتهم الأخرى، إذ أنه إذا ما استثنيا المساعدات المعزولة التي تأتي من هذا البلد إلى ذاك لم يظهر العالم مؤشرات الذهاب نحو حملة تضامن دولية جادة ترعاها الأمم المتحدة أو التنظيمات الإقليمية أو مجموعة السبعة أو العشرين وغيرها.

ويحق لنا اليوم أن نتساءل عن ما بقي للاتحاد الأوروبي من جدوى وإيطاليا أحد أعضائه لم يبق له إلا الصراخ والنحيب دون أن يجد له مجيبا ومنقذا من أعضاء الاتحاد بل صارت تأتيه المساعدات من روسيا والصين. لقد ظهر أن التنظيمات الدولية والإقليمية التي تأسست في القرن الماضي لإحلال الأمن والسلام ومحاربة الفقر والجهل والأمراض في العالم تائهة أمام هذا الوباء المستجد. وحتى المنظمة العالمية للصحة لم يتعد دورها إسداء النصائح للوقاية وتزويد العالم بإحصائيات يومية عن تطور انتشار هذا الغازي العنيد، حتى أن هذه النصائح صارت تتكرر على كل لسان من الأطباء إلى رؤساء الدول والحكومات دون أن يمتلك العالم نموذجا موحدا للوقاية من الفيروس.

كل الدول أدركت أن لا طاقة لها بكورونا وجنوده من بني البشر، وتترقب مراحل انتشار الفيروس وتعد العدة مسبقا وهي تعلم أنه سيصل إلى ذروته لا محالة وسيحصد أرواحا تتمنى فقط أن الأقل ما أمكن.

نسمع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تخاطب شعبها بأسلوب تربوي مهذب لكنه صارم في الوقت ذاته وتطلب من شعبها الامتثال لتدابير الوقاية المعروفة ليس بغرض التصدي للوباء والقضاء عليه نهائيا، وهذا ما يبدو مستبعدا في نظر ميركل، بل لتأخير عواقبه الوخيمة ما أمكن وإتاحة الوقت للعلماء لعلهم يجدون له لقاحا أو دواء. وقبل ميركل كنا قد استمعنا لماكرون يتحدث عن حرب دون أن يحدد طبيعتها ومداها لكنها في نظر ماكرون حرب ضد فرنسا وبعبارة أوضح، هي قضية وطنية.

لا أحد من الأمم يهتم بالآخر ولا أحد يمكنه مساعدة غيره إلا في النادر فقد انكفأ الجميع على نفسه واستعان بقدراته الاقتصادية وبرصيده الاجتماعي والثقافي وبقوة منظومته الصحة والتربوية وجدارة نظامه السياسي. وكأننا بالأمم تنادي بشعار التطورية الحديثة القائم على بقاء الأصلح.

لقد توقفت العمليات الإرهابية وتوقف تدخل الدول في شؤون دول أخرى وهدأت إلى حين النزاعات الداخلية والإقليمية والدولية وأخذ الوسطاء الدوليون عطلة إلى حين وأغلقت الأمم المتحدة أبوابها بعد خطاب أول وأخير للأمين العام أونطونيو غوتيرس ينذر فيه بكارثة عظمى.

لقد فرض الغازي اللعين كورونا منطقه على الجميع وأخلط الأوراق الدولية تماما وكما قال وزير الخارجية الفرنسي، فإن عالم ما بعد كورونا لن يكون ذاته عالم ما قبل كورونا. ويتوقع العارفون أن يعاد النظر في أنماط الحكم والتسيير بما في ذلك نموذج الدولة الديمقراطية الحديثة كما سيراجع مفهوم السلم والأمن الدوليين مع تغير خارطة العلاقات الدولية وتغيير النظرة إلى الحرب والتسلح ونزع السلاح ويتوقع كذلك أن تعود للبيئة والمناخ مكانتهما فالحرب القائمة ليست حربا بين البشر بل هي حرب على البشر بتواطؤ إرادي أو غير إرادي من البشر نفسه، ولعل من أشكال التواطؤ انكفاء الدول الوطنية على نفسها والقطيعة مع المفاهيم السائدة للأمن القومي والسلم العالمي لدى الدول الكبرى. لا أحد يسمع اليوم عن المساعدات الفرنسية لمالي أو المساعدات التركية لحكومة السراج أو مساعدات مصر والإمارات والسعودية لحفتر ولا لمساعدات إيران لحزب الله وهلم جرا، لا أحد يتدخل الآن في شؤون الغير ولا أحد يتهم الآخر بالجوسسة وتمويل جماعات معارضة، بل لا أحد يقصف بلدا بذريعة مكافحة الإرهاب.

لقد أظهر كورونا الفتاك أن الحديث عن العولمة بهتان عظيم إذ لم يجد البشر لها فائدة ولا سندا على الأرض بل بقيت حبيسة الشبكة العنكبوتية الافتراضية التي وفرت القليل من المعلومة والكثير من الدعاية والدروشة وأظهرت الكثير من الجدل وغفلت عن الكثير من البشر الذين يعملون في صمت ويبذلون الجهود على جبهات مكافحة الفيروس.

لقد أخرس كورونا الخطباء في شتى أنحاء العالم وأنهى الحديث عن المثل الكبرى وكف الناس عن ذكر حوار الأديان والحضارات وتوقف التبشير والدعوات الدينية، وكأننا بالعالم قد أنهى حقبة مع عمره فهل يستأنف حياته العادية بعد كورونا أم يبحث له عن عمر جديد؟

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك