كورونا يقطع أيادي العصابة الدولية والفاسدين؟

بقلم: صالح عوض

إنها فرصة ثمينة يحملها كورونا على جناحيه المرعبين، إنه يهدي إلى العرب فرصة إنهاء التبعية للمستعمرين والتخلص من نمطية التفكير الريعي ويدعوهم إلى نهضة علمية وطبية، وهو قد فضح لهم الصنم وأظهر حقيقة خوره، وهنا بالضبط وقد إرتفع ضغط  العصابة الدولية قليلا عن صدور العرب فما عليهم إلا التقدم للموقع القادم من إعادة صياغة العلاقة مع المستعمرين على قاعدة الند للند والتعامل بالمثل، و إنهاء استحواذهم على ثروات الأمة،

لقد أطلقت العصابة الدولية في مجتمعاتنا لصوصا، مصاصي دم الشعوب سماسرة او مرتشين.. جاؤوا بهم في مواقع حساسة من المجتمع أو الدولة.. لهم مهمة واحدة فقط: إنها الترويج لسلعة المستعمر المادية والمعنوية، المادية ممثلة في إنتاجه الحصري والمحتكر وصنعوا لذلك قوانينا وتقاليدا تحمي مصالح المستعمر، والسلع المعنوية من خلال تسميم عقول شبابنا بتغريبهم وحقنهم بفيروسات أشد فتكا من كورونا فأهدروا الأموال والثروات والفرص وضيعوا من أعمار الشعوب سنوات، وقاموا بتشويه أعظم ما لدينا من تاريخ وبالتشويش على أهدافنا وبإخراجنا من دائرة الصراع الحضاري إلى التسكع على موائد المستعمرين.. ولكن كل ذلك أصبح على كف مرحلة كورونا، فلقد ذاب الثلج لتظهر الحقيقة عن سقوط مشاريع استعبادنا ونهبنا وتشويه رسالتنا وتزييف روايتنا

نحن إزاء فرصة تاريخية للعرب تتمثل في انهيارات كبيرة في نفسيات الاستعماريين ومرتكزاتهم الاقتصادية، وفي تشتت خصومهم الإقليميين الطامعين في أرضهم وثرواتهم.. فهل حان الوقت للتفاعل مع الفرصة؟ في هذا المجال محاولة لقراءة الرواية كما هي

الحالة الاستعمارية:

كانت حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام سنة 1798– 1801 الحدث الفاصل بين صيرورتين تاريخيتين؛ صيرورة الصمود التي استمرت منذ سقوط غرناطة في 1492 حتى سقوط القاهرة.. وصيرورة الانهيار المدوي في الأمة أمام جحافل القوى الاستعمارية متواصلا بالغزو الفرنسي للجزائر والمغرب العربي الذي بدأ في 1830، لتسقط معظم الجغرافيا العربية تحت هيمنة الفرنسيين في المغرب العربي والانجليز في مصر.. وختموا ذلك بهجومهم لإسقاط الخلافة العثمانية في 1908 والذي تكامل بشكل نهائي في سنة 1924، إذ تم تقسيم بلاد العرب إلى أقاليم بتفاهمات استعمارية بين الإنجليز والفرنسيين وبقبول من الروس والامريكان بموجب “اتفاقية سايكس بيكو” سنة 1916 والتي كان أحد بنودها الأساسية وعد بلفور سنة 1917 بإعطاء اليهود وطنا قوميا في فلسطين.. وكان هذا هو المعامل الاستعماري

 

من المهم رصد الحالة العربية خلال القرن ونصف قرن “مرحلة الانهيار” التي تُوِّجت بـ”النكبة” 1948.. ومن الضروري تسليط الضوء على عناصر الضعف والخلل التي رافقتنا خلال الرحلة النكدة والتي أصابت العقل العربي في طبقة الفكرية والساسة والنخب الاجتماعية بالعطب؛ إذ كان التخلف العلمي والثقافي سمة واضحة في المجتمعات العربية وكان هذا هو معامل القابلية للاستعمار..

 فيما كان الغرب يتحرك في تصاعد ثورة ثقافية وصناعية واجتماعية وقانونية باندفاع كبير، فكان اللقاء المأساوي بين امة ينخرها الضعف وبين خصم جشع نهم مسلح بالطمع والقوة والتخطيط.. وتتويجا لضعف العرب في البنية الفكرية والاجتماعية والمادية وتخلف نظامهم السياسي وتتويجا للتطوّر التكنولوجي والقانوني وبناء الجيوش على أحدث طراز تسابق الاتجاهان إلى نقطة سقوط القدس مرورا بتبعية النظام السياسي والاقتصادي العربي تبعية مزرية للمستعمر وصناعته وثقافته، 

دور التغريب:

أخطر ما أصابنا في تلك المرحلة هو اختراق بنيتنا الفكرية ومفاهيمنا ومحاولات اختراق قيمنا وصياغة مفاهيم لنا في السياسة والثقافة خلخلت بنياننا النفسي في مواجهة واحدة من أخطر عمليات التغيير السياسي والاجتماعي.. وتمكن الغربيون من تكوين نخبٍ تابعة لهم على مدار عقود المعاناة ونحن نواجه العنف الاستعماري الجنوني إلى درجة أن انخرطت حركاتٌ سياسية كبيرة مع الاستعماريين في الحرب ضد العثمانيين “الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين”، وبروز تيار تغريبي لم يحقق سوى توهين الروح والفتّ في عضد المجتمع.. ونشأت الأحزاب والنوادي الثقافية التي انخرطت في عملية تغريب للمجتمع العربي وإخراجه عن سياقه الطبيعي وتحطيم روحه المعنوية.. وتسللت الأحزاب العلمانية إلى الحكم في أكثر من مكان في الدول العربية تقصي إسلام الأمة عن قيادة المرجعية القيمية وتقوم بعمل منظم لإنشاء فلك مسخ يهوي برواية الأمة على مباضع الأعداء وتشكلت لذلك كله مراكز أبحاث في الغرب ومدارس وجيش من المستشرقين الذين قاموا بتربية أجيال من المثقفين العرب عبر الإعلام والثقافة والفن فكان الطابور الخطير الذي اخذ بزمام الحياة جميعها في مجتمعاتنا، وكان هذا التغريب الفكري والتبعية السياسية هي الوجه الآخر لتكريس الكيان الصهيوني في فلسطين حيث تحالف التغريب والتبعية تلقائيا مع امن الكيان الصهيوني والاعتراف به كما قامت المنظومة التغريبية بأعنف عملية بطش للحريات والكرامات وإفساد للمرأة العربية كسبيل لتخريب المجتمعات العربية واكبر عملية سطو على ثورات الأمة مدعومة بقوة باطشة الأمر الذي توج بتفقير مجتمعاتنا وإلحاقنا تبعيا بمستعمر الأمس.. فكان المستعمر يأتي من نوافذنا ناعما على جسر من أبناء ملتنا، بعد أن أخرجناه بقوة السلاح.. وهنا كانت المعركة الشرسة وذلك لتوفير شروط تكريس التبعية والانهيار زرع جيل التغريب والعلمنة في مجتمعاتنا روح الفرقة والفتنة بين أعراق أمتنا ومذاهبها لتعميق الانشقاق المجتمعي وصرف امتنا عن معاركها الحقيقية.

انتصارات جزئية:

نهضت طلائع الأحرار في أمتنا في أكثر من مكان لمواجهة الحالة الاستعمارية، في المشرق العربي والمغرب العربي ولكن نهوضها كان جزئيا تغلب عليه الانفعالات النفسية أكثر من التفكير والرؤية والفهم العميق للآخر وخططه.. سجلنا بروحنا وقيمنا ورفضنا للضيم انتصارات في أماكن عدة وكان انتصار الجزائر أهمها وأكثرها تميزا، وكان دويه مجلجلا في أفريقا واسيا وأمريكا اللاتينية لكن انتصاراتنا كانت محاطة بمخاطر عديدة تكمن في أننا غير قادرين ذاتيا أو موضوعيا على الانطلاق نحو إحداث توازن حقيقي في مجالات عديدة ادبية وعلمية وعملية  في مواجهة الآخر لردعه وإيقافه عند حده على الأقل، فرغم انتصارنا الباهر كنا طيلة العقود التالية معرضين لحالات اختراق ثقافي وسياسي وتبعية في أكثر من مجال وحُرمنا كأمة من توظيف إمكاناتنا في معركة النهضة والاستقلال الحقيقي والسير في طريق بناء حياة كريمة للمواطنين وحماية القدس وفلسطين من السقوط المدوي سنة 1967.. فجاءت نكبتنا بسقوط القدس وماتلاها تعبيرا عن ارتباك لارؤى وتبعثر الاهداف والتخبط الرهيب الذي يعيشه النظام العربي والفكر العربي ولقد أصبحت ساحاتنا الفكرية والسياسية مرتعا للقوى الأجنبية تعبث في مكوِّناتنا وتوجِّه بالمباشر أو الإيحاء أهدافنا ومشاعرنا حيث تنتهي إلى مصلحة العدو..

 وفي المرحلة التي تلت 1967 حتى 1990 أدخلونا في معارك بين أقاليمنا وشعوبنا وأنظمتنا السياسية، فكانت معركة الثورة الفلسطينية مع النظام الأردني، وبعد ذلك المعركة الدامية بين الثورة الفلسطينية والنظام السوري، وبعد ذلك الصراع المجنون بين إيران والعراق، والتوترات الموجودة في دول المغرب العربي والنزيف الذي حدث في الجزائر في سنوات دامية.. وهكذا أغرِق العقل العربي في حقول الألغام المشركة بنعرات عرقية أو جهوية تحرمه من أي محاولة للانتقال بنا إلى ما يمكن أن يكون قاعدة انطلاق حضاري لنا.. أقسى ما في هذه المرحلة هو التدخل الغربي من 31 جيشا للعدوان على العراق سنة 1991 في حملة قلّ نظيرها تاريخيا وتواصلت بالحصار والاستنزاف الذي انتهى بهجوم أمريكي في أبريل 2003 استهدف القضاء على العراق كدولة وتوزيعه عرقيا وطائفيا وإنهاء إمكانية عودته إقليما موحدا وقد اعدّوا العدة لذلك وانتظروا التوقيت المناسب المبرر.. ورغم أنهم حققوا ظاهريا جزءا من الهدف الاستراتيجي في حربهم على العراق، إلا أنهم تكبدوا خسائر مادية فادحة قدرت بأربع تريليون دولار (4 آلاف مليار دولار)، الأمر الذي انعكس على الاقتصاد الأمريكي إلى درجة أصبح معها تحت طائلة الكساد الاقتصادي العظيم في قطاع البنوك والعقارات، وتعزز ذلك بخسارات فادحة لحقت بالأمريكان في حربهم على أفغانستان.

النكبة الثانية:

جاءت مرحلة الربيع العربي لتبدأ مرحلة نكبتنا العربية الثانية.. مرحلة الربيع العربي التي بدأت بسقوط العراق بعدوان أمريكي جاء بطبقة النخب المغربة لتسليمها الحكم وتدمير محاولتنا في احتمال النهضة والدولة الوطنية القوية، لنتأكد مجددا ان لا سبيل الا الوحدة لنحمي أقاليمنا الوطنية، وبعد ان تكبد الاستعماريون هزيمة فادحة بفعل مقاومة الشعب العراقي للطائفيين الفاسدين ولجيوش أمريكا استخرج الاستعماريون درسا فعدلوا في الخطة لتصبح الانقلابات العربية الاجتماعية الداخلية بتفجير الإثنيات هي البديل عن التدخل المباشر فيما المحرك هي أيادي الأجهزة الأمنية الغربية، ولم يكن الاستعماريون في كامل لياقتهم أو قوتهم، لكنهم تحركوا بسرعة لاختراق المطالب الشعبية، وفشلت الشعوب ان تتخطى مؤامرة الأمريكان و أن تحقق ما تريد في مصر وسورية واليمن وليبيا، وانتهى الأمر إلى خراب ودمار رهيب في اليمن وسورية وليبيا واحتقان رهيب في مصر.. 

لقد كان الربيع العربي جسرا للمخطط الاستعماري الأمريكي لإشعال المنطقة ذاتيا ورسم خريطة تصارعها احترابها.. واستفادوا من تفرّد قطبيتهم بعد تدميرهم للكتلة الاشتراكية فأرادوا في فترة قياسية ترتيب المنطقة بشرق أوسط جديد كما وضع لذلك الخطة “برنارد لويس” المؤرخ البريطاني اليهودي الذي سبق أن شرحنا خطته في عدة مقالات.

صحوة العرب:

المسألة هنا ليست عملية ترفية يقوم بها مفكرون ومثقفون خلف مكاتبهم وهم في متسع من أمرهم او عملية عسكرية انقلابية أو مغامرات سياسيين.. إنما هي اجتماع السنن في توفير الشروط الموضوعية والذاتية فالعرب اليوم هم أقرب من أي يوم سبق من لحظة الانبعاث لحمل رسالتهم الحضارية فالاستفزاز يتناوشهم من أكثر من جهة وقد بلغ مداه ولكن في الوقت نفسه يبدو كل خصومهم الإقليميين وأعدائهم الدوليين في حالة من الوهن والتخبط.

كانت حروب الاستعماريين الأخيرة في بلاد العرب العراق وليبيا وسورية آخر المحاولات العنيفة الباطشة التي كلفتهم كثيرا من أموالهم ومن نفسياتهم ومن قوة دفع مشاريعهم الاستعمارية.. ويمكن بسهولة اكتشاف أنهم فشلوا في العراق وفي سورية حيث الموقع الاستراتيجي الخطير في مركز الصراع “تركيا- إيران- الشام- العراق” وما لذلك من قوانين جيوسياسية ومعطيات حيث الكيان الصهيوني والنفط والكتل الإسلامية الفاعلة.

الآن أمام الاستعماريين ملفاتٌ مرهقة أولها الموت السريري الذي ألمَّ بالناتو حسب قول ماكرون وسواه من قادة الحلف والذي يواجه مرحلة سيئة في ظل كورونا، ودخول أمريكا في حالة طوارئ داخلية وانهيار اقتصادي يطال كل مؤسسات الدولة العظمى وصولا إلى انهيار أسعار البترول وتدمير جزئي لمشروع النفط الصخري، الأمر الذي يعني ضرورة التفرغ لمعركة مصرية أخرى تتمثل في مواجهة صعود نجم الصين والروس وكوريا الشمالية الأمر الذي يضطرهم للانزياح إلى هناك حيث الصراع الكبير، والضعف البنيوي الذي يُبرز بوضوح في إمكانيات النظام الديمقراطي على استيعاب التطور الإنساني للمجتمعات الغربية كما برز في فرنسا وسواها من الدول الاروبية.. كما أن المديونية الضاغطة لا تقع فقط على الاقتصاد الأمريكي بل والغربي برمته.. ان الاقتصاد الاستعماري يواجه تحديا حقيقيا يهدده بالانهيار.

 

في هذه المرحلة بدأ الحراك الشعبي في أكثر من عاصمة عربية؛ في تونس حيث انتفض الشعب لتصحيح مساره والتحرر من نفسيات الأحزاب المهزومة ووضع تونس على سكة التحرر، وفي الجزائر حيث نهض الشعب يحميه الجيش لتطهير المؤسسات من العبث والفوضى، والعمل على استرداد الثروة وإبراز عناصر القوة والدفع بها إلى الأمام، وكذلك هو الحَراك في العراق حيث أحرق العراقيون رواية الطائفيين العملاء الفاسدين، وهي الرواية الأمريكية التي حاول ترسيخها بريمر، وانتفضوا من أجل عراق واحد حرّ وسيِّد وهاهم يقتربون من النجاح التام، وكذلك الحال في ليبيا حيث يقترب الشعب الليبي من إنهاء فتنة التشظي وهو الأمر نفسه في أكثر مكان حيث تختزن الشعوب العربية غضبا كافيا لحرق الأوهام.. اما كيف ومتى فتلك مهمة الشرفاء المناضلين الذين ارتقوا لطموح أمتهم اينما كانوا في مواقع رسمية او شعبية وهي مهمة واقعية ومنطقية.

من المهم الانتباه إلى أن هذه المرحلة هي الأفضل لنا والأسوأ للاستعمار منذ أكثر من مائتي عام.. وان قانون الاستخلاف يتكامل ليسلِّم أمتنا الراية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك