كورونا والمفر القاتل

المسافرون من أوروبا

بقلم: احسن خلاص 

ذكر تقرير نشرته لجنة متابعة تطور انتشار فيروس كورونا في الجزائر أن من بين حالات الوفاة شيخا تجاوز السبعين كان قد عبر إليه الفيروس من ابنته المغتربة التي انتقلت إليه  فرنسا ليقلب هذا الحدث رأسا على عقب الصورة الذهنية المألوفة عن علاقة الجزائريين المنتشرين في كافة بقاع العالم بامتداداتهم العائلية في الجزائر، إذ لم يكن أحدنا ليتصور أن تتحول هذا الامتداد إلى حالة درامية كتلك التي حدثت، وهي حالة نادرة إن لم تكن الأولى من نوعها أن يأتي الأذى من حيث لم يكن الجميع يظن إلا خيرا.

ها نحن نكتشف حقلا جديدا من الحقول التي يمكن أن تغير فيها كورونا التصورات السائدة لاسيما تلك التي تنطلق من أن إفريقيا خاصة وجنوب الكرة الأرضية عامة مصدر الأوبئة والأمراض بامتياز إذ غالبا ما تحمل الهجرات المتتالية إلى الشمال مخاوف لدى الأوروبيين بشكل خاص من انتقال الفيروسات فتفسد عليهم سكينتهم وطمأنينتهم وتهددهم في مجالاتهم الحيوية لاسيما وأنهم أحرص الناس على الحياة.

لكن أن يخاف الجزائريون من عودة جزائريين آخرين من بلاد الغربة وهم الذين كانوا ينتظرون قدومهم بشغف في زيارات عائلية، أو بما يحملون معهم من سلع وخدمات أو أن يخاف الأفارقة من تدفق أوروبيين إلى بلادهم للعمل أو السياحة خشية أن ينقلوا معهم أوبئة فهذا أمر لم يكن يوما في الحسبان، كما لم يخطر على بال أحد أن يصر إيطاليون على البقاء في “الحبشة” التي صار لا يهلك فيها أحد على أن يعودوا إلى بلاهم فيتخطفهم كورونا أو يهوي بهم في مكان سحيق. شيء لا يصدق أن تسمع بمراكب “الحراقة” التي كانت تتجه من شواطئ جزائرية إلى إيطاليا وإسبانيا قد اختارت هذه المرة الإبحار في اتجاه العودة.

يبدو أن كورونا يسير بالعالم كله عكس اتجاه الرياح ويغير جذريا “الباراديغم” الذي نشأ منذ عصر النهضة الأوروبية وكرسته الظاهرة الاستعمارية قبل أن ترثه مجتمعات الجنوب بعد استقلالها السياسي عن الأنظمة الاستعمارية التقليدية، هذه المجتمعات التي حاولت عبر الزمن التخلص من النظرة العنصرية المنتشرة في أوروبا بدرجات متفاوتة والتي تنظر إلى العرب والأفارقة خاصة على أنهم مصدر للجهل والفقر والأمراض ومنبعا للعنف والإرهاب ناهيك عن أنهم أرقام تضاف على كاهل اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى فتثقله بالتأمين الاجتماعي والرعاية الصحية، على عكس الأوروبيين الحاملين لجميع أسباب التحضر والعيش الكريم وقد كانوا منذ ولادتهم يخضعون للمتابعة الصحية الدقيقة ولتطعيمات منتظمة ضد جميع الأمراض.

ولعل مثل هذه المواقف المتعالية هي التي سكنت أذهان بعض من عاد من الجزائريين إلى بلادهم وجعلتهم يرفضون الامتثال لقرارات الحجر الصحي وبعضهم فر ظنا منه أن كورونا أو غير كورونا لا يملك إلى جسمه سبيلا. اليوم وقد تبين الخيط الأبيض والأسود بعد انقضاء مدة احتضان الفيروس أن كورونا حوّل فرحة زيارة مغتربين لأهاليهم إلى مأتم في تيزي وزو والطارف وقد يكون الأمر ذاته قد حدث في مناطق أخرى.

لقد أخذ انتشار الفيروس منحى تصاعديا رهيبا في أوروبا فعزلها عن العالم وكان الرئيس الأمريكي أول من قرر تعليق جميع الرحلات المنطلقة إلى أمريكا من بلدان الاتحاد الأوروبي، قبل أن ينادي الرأي العام الجزائري، وكله حسرة وألم، إلى إيقاف حركة تنقل الأفراد إلى الجزائر لاسيما من أوروبا ومن فرنسا تحديدا والتي لم تعد مبشرة بالخيرات ومصدرا للمساعدات الإنسانية للبلدان الإفريقية التي أنهكها الجفاف والمجاعة والأمراض المستعصية بل صار المقام فيها ليس عنوان بطولة بل عنوان صبر وثبات على الشدائد.

منذ الهجرات الجماعية الأولى إلى أوروبا مع بداية القرن الماضي أو حتى قبله، لم تنقطع الصلة التاريخية والاجتماعية بين الجزائريين المغتربين وبين امتداداتهم العائلية والاجتماعية والوطنية على أرض أجدادهم، وكان لهذه الصلة دورها الهام في مجرى تاريخ الجزائر الحديث فقد كانت فرنسا مهد الحركة الوطنية الاستقلالية من خلال نجم شمال إفريقيا كما ظل العمل فيها مصدر رزق الآلاف من الجزائريين الذين اضطرهم شظف العيش إلى الهجرة للعمل في المعامل الأوروبية وإعالة أسرهم قبل أن يتشكل مع مرور الزمن وتوالي الأجيال نسيج بشري كبير من الجالية الجزائرية التي اختارت الإبقاء على الرابطة الوطنية حيث صارت تصنع أفراحنا في ميدان كرة القدم بمشاركتها مع المنتخب الوطني في المنافسات القارية والعالمية ومن قبل كانت تنتخب ممثليها في البرلمان الجزائري وتصوت في الانتخابات الوطنية إلى جانب الجزائريين، كما كانت مشاركتها في حراك 22 فبراير قوية بحيث وجهت رسائل إلى المجموعة الدولية وبينت التحام الجزائريين في أوروبا مع قضايا وطنهم ووقوفهم معه في السراء والضراء.

لقد دخل كورونا اللعين وحاول، مثل الشيطان، أن يفسد للود قضيته بين الجزائريين فيقسمهم إلى جزائريي البلاد وجزائريي الشتات بل جعل هذا الغازي ينظر إلى القادمين من أوروبا بنظرة الشك والريبة ولولا تطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال الحديثة التي مكنت من التواصل العائلي والمهني والاجتماعي لفر المرأ من أخيه وصاحبته وبنيه وعشيرته التي تؤويه، بعد أن أقسم هذا الغازي اللعين أن لا يموت إلا بعد أن يباعد بين البشر ولو إلى حين. إنه هو العدو فاحذروه.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك