كورونا والانسان   “حينما يعيش المواطن مُغترِبا ومُشيَئا” 

بقلم : الدكتور أحمد مونيس

 أستاذ الفلسفة السياسية المعاصرة جامعة بليدة2

                           

منذ مطلع 2020م أصبح العالم كله مشدود صوب جائحة يحاول اليومي فهمها وتفسيرها وكيفية اجتنابها من جهة وطريقة القضاء عليها من جهة أخرى، فيروس كورونا استطاع افتراس نمط عيش اكثر من 7مليار شخص على سطح الكرة الارضية وتغيير سلوكياتهم ونمط حياتهم. وأضفى خوف من المستقبل ومن القادم.

فتاريخ الانسان هو تاريخ الصراع بينه وبين الطبيعة من حيث السيطرة عليها واخضاعها تارة وكيفية الاستفادة منها واستعمالها تارة أخرى، فلولا عسر الحياة لما حقق العلم والاختراعات و كذا التكنولوجيا التي باتت جزء أساسي من يومياتنا، ولو لم تكن الأمراض والأوبئة لما  توصل إلى ما وصل إليه من أدوية ومضادات حيوية، وما كورونا إلا فيروس شأنه شأن الأنفلونزا الموسمية و الملاريا سيصل إلى علاج مضاد لها ويتغلب عليها. لكن درجة التفاوت بينها وبين ما سبق تكمن في الصدمة التي أحدثتها في نمط حياة البشر.

فمنذ الحرب العالمية الثانية لم تشهد البشرية تهديدا كتهديد كورونا الذي استغل العلاقات الاجتماعية واللقاءات والزيارات للتسلل والانتقال.

ذهلنا اليوم بالأخبار عن الولايات المتحدة ببلوغ عتبة 120 ألف إصابة بفيروس كورونا، فلا أبراجها ولا أساطيلها ولا جامعاتها استطاعت أن تحول بين شعبها والفيروس، وإيطاليا واسبانيا وكذا الصين التي بلغت الارقام بين الإصابة والوفاة بمئات الآلاف، كل هذا يدل على اننا في خضم معركة مع مجهول.

سؤال وحيرة:

تحضرني هذه الأيام مجموعة من الأسئلة تتعلق أساسا بكيفية العيش في عالم يفترسه كورونا.

ماذا لو استمرت حياتنا من دون الذهاب إلى الخارج والساحات و المساجد ومن دون التواصل مع الناس مثلما سبق؟

وكأنه فيه تخطيط وفرض لقانون يحضر الحياة السابقة، لقد منعنا عن اللقاءات والزيارات مدفوعين دفعا نحو البيوت والمنازل المغلقة، خاضعون نحو الانزواء أمام التقنية والشاشات والهواتف والأجهزة، نحن غرباء اتجاه ذواتنا ومشيؤون في معاملاتنا.

العيش في ظل كورونا…حياة يميزها الاغتراب والتشيؤ

لقد تغنى أرسطو سابقا  بإنسانيته حينما قال “الانسان اجتماعي بالطبع” وفعلها قبله أفلاطون عندما أسس لجمهوريته الفاضلة حينما أكد على قيامها نتيجة توافر الجزار والخضار والعسكري والكل يملِ حاجيات الآخر. وهو الدرب الذي سايره معظم فلاسفة الحداثة والانوار حينما نظًروا للعقد الاجتماعي وقيم الحداثة   modernité (العدالة والمساواة والحقوق…) وكورونا اليوم ينسف كل هذا الارث ويدفعنا للتشكيك فيها.

لقد تأسست اوروبا في ظل هذه القيم والمصطلحات المطمئنة واحدة موحدة، لا تفصل بين حدود دولها سوى ألوان أعلام دولها وإشارات فقط في كنف اتفاقيةشنغنالتي تتيح العبور والتنقل، كل هذا إلى غاية الجائحة التي مزقت كل عبارات الأخوة والاتحاد وفرضت قانون من نوع آخر، الخوف، الانغلاق و العدوى كلها افرازات عدوِ الظلام والكل يحمي نفسه والانسان ذئب للإنسان بمنطقهوبز“.

لقدأسقطالوطواطالفاكهةالمتعفنةمنأعلىالشجرةواضمحلتمعانيالاعترافوالسلامالتيبدتنقشوزخرفأعلىالجدول.

  إن الانسان هو الذي يعطي للأشياء قيمتها و يكتسب منه الشيء قيمته، لكن إذا كان العكس فإنها مصيبة حلت بالإنسان، حيث تتدنَى قيمته وتضمحل فيلجأ للأشياء التي تكون مبتغاه ومراده ليكتسب منها قيمته vallaire  ويصنعها بهم فيغدو الانسان وقيمه منوطة بالشيء فيصير عبدا للشيء تحت رحمته وبالتالي يصبح البشر عبيدا يكتسبون ذواتهم ويحققون من خلال القيمة المادية للشيء ويصبح الانسان يُقيم حسب قيمة الشيء. هذه الحالة التي طالما حذرنا منها الفلاسفة، سماها ماركسالاغترابوالتي تعيني شعور الفرد بعدم الانتماء لنفسه ولعائلته وكذا محيطه، هذه الإشكالية تواجه الانسان الكوروني وتهدد كيانه ووجوده الانساني في ظل الحضارة والتقدم والعلم والتقنية، إنها أزمة التشيؤ REIFICATION. 

فموضوعالتشيؤوالذييعنيتحولالعلاقاتبينالبشرإلىمايشبهالعلاقاتبينالأشياءأيعلاقاتآليةغيرانسانية،ومعاملةالناسباعتبارهاموضعاللتبادلأيأنالبشريصبحونأشياءفيمعاملاتهموذواتهمفيفقدونإنسانيتهموتصبحالعلاقاتالانسانيةأشياءتتجاوزالتحكمالانسانيفيصبحالانسانغيرفاعلبلمفعولبهلايملكمنأمرهشيئا.

هي كلها رهانات ونتائج تغير نمط المعيش في وقت قصير جدا تدعونا إلى التفكير والتأمل في الغد خوفا على حياتنا ومكتسباتنا.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك