كنا و أصبحنا وماذا بعد .. العرب و كورونا

العوام و النخب المستعومة

بقلم: الولید فرج

متى أزمت أزمة، أو نزلت نازلة، أو حدث حدث ، إلا و یضرب العرب موعدا مع تأویل نص مقدس أو
استحضار التاریخ ، فالیوم نجد العوام و النخب المستعومة ، تتداول بعضا من آیات سورة المدثر ، محاولة
عبثا إسقاطها على المسرحیة التراجیدیة للكورونا ، بشخوصها و نتائجها ، و حتى نصائحها الوقائیة . ومتى
انتهت فئة منهم ذهبت أخرى تستحضر أمجاد الأسلاف و فتوحاتهم العلمیة ، التي في غالبها لا صلة لهم بها
الا ترجمةً ، فالمؤلفات الكلاسیكیة هي ثمرة العقل الیوناني ، فجلها دخل رفوف المكتبة العربیة ، في أوائل
. العصر العباسي ، وحدیثا أعید إدخال الإلیاذة من خلال ترجمة حسن الذكر سلیمان البستاني البستاني ، فقط
الحضارة العربیة تشكلت داخل ارث مشترك للشرق السامي القدیم ، كما كانت فرعا مباشرا من فروع
الحضارة الهیلینیة ، و حوت عناصر أخرى وفدت إلیها كالفارسیة ، و زادت قوت معارفها بعد انتشارها إلى
أرض تمتد من الصین إلى اسبانیا.
هذا الذكر الحافل بالأمجاد التلیدة الضاربة في أعماق التاریخ لن یصنع شوكة حقنة نتصدى بها فیروس
كورونا.
أن هؤلاء المدهشون وما وصلهم من شذرات التراث الكلاسیكي ، الذي نجح في أسرهم داخل وهم أمجاد لم
یبق من أثرها شئ في واقعهم البائس ، متغافلین عن عیشهم وسط مجاعة أدبیة و قحط معرفي ، و عطش
روحي، فلو كانت للعقول طوارئ ، لأعلنت منطقتنا منذ زمن بعید منطقة منكوبة فكریا.
لیس غایتي التي أرومها هنا، توصیف حال أو تفكیك وضع ، یعلمهما الجمیع ، وإنما أجدني في رهبة من
وضع الهوان الذي صرنا إلیه ، فما عاد اي مئزر قادر على ستر عورتنا ، و مواراة عیوبنا ، فیكفي مذلة أن
عین لنا على مریض او مشتبه في مرضه ، والعین الأخرى تسترق النظر إلى شریط الأخبار على الشاشات
نرتقب الفتح العلاجي یأتي من أمة من الأمم الحیة ، ومتى نجحت في ذلك رجعنا الى التاریخ منقذنا نبحث فیه
علاقة دیبلوماسیة مشتركة أو صداقة مدسوسة في عمق التاریخ ، نستدر بها عطفها على إنقاذنا ، من كورونا
حتى بلغت الإهانة بنا أن صرنا كالعیس في البیداء یقتلها العطش و الماء على ظهرها محمول ، و ما الكمیات
المكدسة في مخازننا من الدواء الواعد التي أعلنها وزیر الصحة بعد أن اكتشفت نجاعة مفعولها من أطباء
فرنسیس، فأذنوا لنا بتناولها كعلاج لفیروس كورونا ، فلو شاءوا غدا لمنعونا من تناولها لأعراضها الخطیرة
ُ على حامل الفیروس ، وان قادونا إلى دواء آخر لانصاع الجمیع ، دون تردد كمیت بین یدي م ّغسله ، حیث
أدار رأسه دار.
قد یكون فیروس كورونا وباء مستجد ، وضع الجمیع على مسطرة واحدة ، ولم یستثني من تحكم في الذرة
فدخل قلبها ، والذي عجز على التحكم في زرع حبة قمح ، لكن ما بعد كورونا دروس كثیرة یبقى من
استخلص عبرها حیا، وهو الحي الیوم ، ومن تجاوزته بقي میتا ، وكم تجاوز التاریخ أمم.
ِّ اجزم أن الثقة بین الحاكم و المحكوم ، والتي لا تمد جسورها و لا تنردم هوتها إلا بحریة الإرادة و العدل،
والمساواة ، هي مناط قوة أي أمة ، فالمراقب البسیط الیوم یدرك مدى الهوة السحیقة ، بین الشعب و
الحكومة والتي مازالت لم یُردم منها شبرا واحدا و لا یوجد ملمح لتجسیرها ، بل إن صمت و سلوكات و
تصریحات الكثیر منهم ، زادت الفجوة اتساعا ، فالشعب لا یثق في الحكومة ، وكأن الحكومة بضعفها لا تثق
حتى في نفسها ، وقد انكشفت في هذه الأزمة و ظهرت بمظهر مخیف ، إبان عن عجزها ، في إدارة الأزمة
في أبسط جوانبها ، الجانب المعنوي ، فمنذ الاشتباه في حالة الطلیاني ، إلى آخر إصابة ، جاءت التصریحات
باهتة خالیة من أي شحنة معنویة تطمئن الشعب ، بل ان صلف بعض المسؤولین وصل به إلى تحدي الشعب
و تعییره ، بأن طالبه بان یكون كالشعب الدانماركي قبل یطالب بخدمة عمومیة صحیة شبیهة بالخدمات التي
تقدمها الدانمارك ، متغافلا أن شابا من هذا الشعب مازال جرحه لم یندمل من یوم دفن عروسه التي فارقت
الحیاة جراء نزیف في مستشفى عمومي للولادة وخضابها في كفیها لم ینمحي بعد ، و زمیله الوزیر كانت
یومها الممرضات الباریسیات یعلمن زوجته ریاضة ما قبل الوضع ، و ابنة وزیر اخر كانت تحزم حقائبها إلى مدرید لترصیص ضرسها ، ونحن ندخل نقتلع ضروسنا فنخرج بداء التهاب الكبد الفیروسي .

و زمیلتك المثقفة وعدتنا بمهرجات عبر الواب كان لكورونا الفضل في ابتداعها ، في زمن یقبض فیه الناس أنفاسهم ،
لما آل إلیه وضعنا عند إخواننا بالبلیدة ، و لو استغاثوا الشعب الأبي لاقتحم البلیدة بفیروسها غیر مبالي ولا
جزع ، وانتم تعرفون الشعب و حمیته ، ولو كانت الجزائر. معافة من هذا الفیروس المستجد ، فمتى كان
الشعب الجزائري یرقص على عویل مآتم جیرانه و أصدقائه ! لتبقى أقوى دعامة نفسیة مطمئنة ما ورد في
خطاب الرئیس من أدوات و سائل حضرتها الدولة للتصدي لهذا القاتل الهادئ ، وما یصلنا من قرارات اتخذت
في مجلس الوزراء المنعقد دوریا بمناسبة هذه الجائحة.
أرى أن هذه الأزمة ، أن لم تبعث فینا خصلة واحدة من خصال شهدائنا ، یوم ألجموا اللسان و اشهروا السنان
، فطردوا أعتى مستدمرة مذمومة مدحورة ، أن الأوان أن نخرص اللسان و نشمر للعمران . فموجة الحروب
القادمة هي موجة الجراثیم و الفیروسات الصامتة دون رصاص أو دم.
و أدوات التصدي لها لن تكون حكومة مثل هذه ، وإني أرى بإخلاص و ألم أنها عبّدت طریق خروجها من
قصر سعدان ، لتبقى جذوة الأمل في جمهوریة جدیدة قویة ، لم تنطفئ بعد.
و التعجیل بهذا الرأي بعد انجلاء كورونا أكثر من ضرورة.

و خیر البر عاجله

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك