كمين راس المعرقب (الجرف) 04 أفريل 1956م:

من بطولات جيش التحرير الوطني بمنطقة تبسة

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز. 

يعد كمين رأس المعرقب واحدا من أشرس الكمائن التي نفذتها أفواج جيش التحرير الوطني بتبسة خلال سنة 1956م، حيث استطاع خلاله المجاهدون تحقيق نتائج جد إيجابية بفضل الخطة المحكمة التي رسمتها قيادة التحرير الوطني ممثلة في شخص القائد لزهر شريط الذي أوصى المجاهدين بضرورة اتباع القواعد الواجب اتباعها عند القيام بنصب الكمين على غرار القيام بالاختفاء وترصد الهدف المعادي المتحرك، لفترة قبل مهاجمته، بشكل مفاجئ وسريع مع تنسيق عملية رمي النيران انطلاقاً من أماكن محمية ومحصنة، والاستفادة قدر الإمكان من كثافة إطلاق النيران وعنصر المباغتة لتحقيق النصر. 

 

شهادة الجنرال “فرانسوا كان”

 

وحسب ما أورده السيد سعد بن علي سعود في ترجمته استنادا لما كتبه الجنرال “فرانسوا كان” والذي سبق له وأن عمل كملازم تابع للمجموعة الثانية للمظليين الكولونياليين (02e R.P.C) خلال سنة 1956م، في مجلة “المرساة والبابانج” العدد 05 السداسي الثاني 2015م، والذي كتب قائلا: أدى هذا الكمين إلى نشوب معركة الجرف الثانية التي دارت راحها في الفترة الممتدة من يوم 05 إلى 10 أفريل 1956م، وتعود أسباب الكمين إلى توجه قافلة عسكرية فرنسية تضم 33 جندي فرنسي تابعين للمجموعة الثانية للمشاة الكولونياليين (02e R.I.C) يوم 04 أفريل 1956م إلى المركز العسكري الفرنسي بالجرف الذي أقيم بالقرب من واد اهلال المخيف كما يصف الفرنسيين، فوقعت في كمين محكم نصبه المجاهدين للقافلة، الذي قضوا على كامل أفراد القافلة وتمكنوا من غنم كل أسلحتهم الحربية ومن بينها 03 رشاشات ثم اختفوا في ضفاف الواد الوعرة”. 

وقد جاء كرد فعل على الاستفزازات والاعتداءات والمضايقات المتكررة، التي كان يقوم بها الجنود الفرنسيين المتمركزين بالجرف ضد سكان الجهة من البدو الرحل، والذين قدموا شكوى بهذا الخصوص إلى القائد لزهر شريط الذي استمع إليهم ووعدهم بالثأر والانتقام لهم. 

وبناء على هذا الوعد، ثم استدعاء قادة الفروع والأفواج المتواجدين في جبل آرقو وعقد معهم القائد لزهر شريط اجتماعا واطلاعهم خلاله بموضوع الشكوى التي تقدم بها المواطنين ومطالبهم التي رفعوها، وبعد دراسة الموقف من جميع جوانبه، قرر المجتمعون حتمية القيام بعمل عسكري رادع لهذه القوة المعتدية التي تعودت على استفزاز المواطنين، ومضايقتهم ونهبهم وسلبهم. 

 

دور جدي مقداد وبلحسين محمد بن علي

 

وقد تم إسناد هذه المهمة إلى الفوج الأول من الفرع الثاني بقيادة المجاهد جدي مقداد وفوج المساندة من الفرع الأول بقيادة بلحسين محمد بن علي اللذين قرروا أن يقوما بنصب كمين محكم للوحدات الفرنسية. 

وبعد ذلك تم إرسال دورية من المجاهدين للقيام بعملية استطلاع ورصد ومتابعة دقيقة لتحركات القوات الفرنسية بالجهة، وضبط مواعيد خروجها ومعرفة عدد أفرادها وآلياتها، ودراسة للأرض التي سينفذ فيها الكمين والتي وقع الاختيار عليها بالمكان المسمى “رأس المعرقب”، الذي يقع بين آرقو والجرف، والذي يتوفر على منعرجات وسواتر تساعد على الإخفاء والتمويه وعلى الانقضاض المفاجئ على العدو. 

وبعد عرض خطة الكمين على القائد لزهر شريط وافق عليها وحدد تاريخ تنفيذها، وقبل أن يتم التحرك إلى المكان المحدد تم اختيار السلاح والمجاهدين الذين سيشاركون في نصب الكمين، وفي اليوم المحدد تحرك الفوجان المعنيان على الساعة الرابعة صباحا للتمركز في الموقع الذي سبق اختياره، وقبل أن تشرق شمس ذلك اليوم تمركز المجاهدين في الأماكن التي اختارتها القيادة في انتظار قدوم الوحدات الفرنسية. وعلى الساعة العاشرة صباحا قدمت دورية الاستطلاع بسرعة ملعنة عن قدوم قوة فرنسية معادية على متن ثلاث شاحنات “جي أم سي”، تتقدمهم عربة مصفحة وسيارة جيب، باتجاه مكان الكمين. وهو نفس الطريق الذي تعودت أن تسلكه في كل مرة عندما تخرج للاعتداء على سكان الجهة، فأصدرت القيادة أوامرها للمجاهدين للاستعداد وانتظار إشارة إطلاق النار. 

 

بداية الكمين

وانتظر الجميع دخول القافلة الفرنسية في وسط الكمين، وانطلقت كلمة (الله أكبر، أضرب) فأطلق المجاهدون الرصاص والقنابل اليدوية على القافلة الفرنسية، وبعد تبادل إطلاق النار لمدة 25 دقيقة أسفر الكمين عن: 

  • استشهاد المجاهد محمد علي بن عياد براكني. 
  • مقتل جميع الجنود الفرنسين وغنم أسلحتهم، وهي: مدفع هاون 82 ملم دون قاعدة. 03 رشاشات فرنسية الصنع من نوع 24/29. 02 بنادق آلية ذات خزان 10 طلقات. 15 بندقية تكرارية: ماس 36. 06 رشاشات ماط 49. 04 مسدسات عيار 09 ملم. 04 نظارات ميدان. جهاز إرسال لاسلكي. مجموعة من زمزميات المياه. عدد من الساعات اليدوية. 03 بوصلات. كمية معتبرة من الذخيرة الحية بحملاتها. عدد من القنابل اليدوية الهجومية والدفاعية. 

وحسبما أدلى به المجاهد علوان الطيب بن سلطان في محضر استجوابه من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية بعد اعتقاله بخصوص كمين رأس المعرقب والذي أورده الأستاذ الدكتور حفظ الله بوبكر في كتابه التطورات العسكرية بتبسة، والذي يقول فيه المجاهد علوان الطيب بن سلطان ما يلي: “خططنا مع بداية شهر أفريل لتنظيم هجومات على المراكز العسكرية الفرنسية بالجرف، وكان شريط لزهر قام بتنفيذ كمين ضد القوات الفرنسية ليس بعيد عن الجرف، وتمثل في الكمين في مهاجمة شاحنات عسكرية ناقلة للجنود وأدى الكمين إلى قتل عشرات الجنود الفرنسيين”. 

 

شهادة دومينيك فارال

 

وحول هذا الكمين كتب دومينيك فارال: “تلقت “مجموعات المجاهدين” المتمركزة في واد هلال تعزيزات بشرية وامدادات بالسلاح والذخيرة انطلاقا من الأراضي التونسية وكانت تلك القوات تعمل بالتنسيق مع لغرور عباس. فهاجمت في مطلع أفريل، كتيبة من القوات الكولونيالية في نواحي الجُرف. أعلن عن سقوط 32 قتيلا في الجانب الفرنسي من بينهم الملازم أول وطالب ضابط. تحركت فصيلتان تابعتان للكتيبة 23 من قوات المرتزقة المحمولة، كانت متمركزة في بئر العاتر لملاحقة المتمردين فخسرت اثنين من رجالها أحدهما ضابط صف”. 

ويواصل الجنرال فرنسوا كان كلامه بقوله: “في يوم 05 أفريل أعلنت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي التعبئة العامة جنوب قرية “ثليجان”، حيث وصلت هناك 07 طائرات هيلوكوبتر من بينها 03 من نوع بنان تابعة لقيادة القوات البرية، و04 من نوع سيكورسكي 02 تابعة لقيادة القوات البحرية و02 تابعة لقيادة القوات الجوية الاستعمارية الفرنسية.

يقول الجنرال الفرنسي كلامه قائلا: “في أول مواجهة لي فقدت العريف الأول كودراي الذي شارك مرتين في حرب الهند الصينية ونال ثلاثة تنويهات، وكذلك العريف بري، إنها كارثة بالنسبة للملازم المشؤوم الذي أمضى كل يومه والقسم الأول من الليلة في إطلاق النار على عدوَّ لم يرى له أثر”. 

ازدادت سرعة الرياح عند حلول الليل وأخذت تقلب القماش لتكشف عن وجوه الجنود الفرنسيين القتلى، التي كان يضيئها نور القمر بشكل مخيف، إن مقاتلي قبيلة “النمامشة قناصون مرعبون مزودون بسلاح إيطالي “ستاتي” حيث لا يسمع إلا أزير رصاصها المرعب، كانت الكتيبة الثانية على يميننا وكان النقيب فوساريو يتولى قيادتها، ثم قام بالهجوم على كتل صخرية يتمركز بها مقاتلي جيش التحرير الوطني، استنجد بالطائرة لنقل 04 أو 05 خمسة جنود جرحى من بينهم العريف جاليوراكي الذي جرح في ساقيه، كان ممددا في الطائرة وبمجرد ارتفاعها تلقى هذا الأخيرة رصاصة في الرأس… يا له من يوم. وفي يوم 07 أفريل عاد الصمت ومعه خيبة الأمل الفرنسية التي امتزجت بالحزن، فمن بين الطائرات السبع لم يتبقى منها سوى 04 طائرات فقط صالحة للاستعمال، أما الطائرات الثلاثة فقد لحق بها عطل بالمحركات أو اخترقتها رصاصات المجاهدين”. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك