قيادة الولاية الخامسة ودورها في تطوير النشاط الثوري

-الجزء الثاني -

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

د- بودغن بن علي : (سي لطفي ) (1934-1960) : ولد في 5 ماي 1934 بـ بلدية تلمسان ولاية تلمسان. زاول دراسته في تلمسان حتى سنة 1950. بادر للإنظمام إلى الثورة سنة 1955 ضمن خلاياها السرية بعد الإنخراط في صفوفها. إلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني في 27 أكتوبر 1957 في ناحية تلمسان، حيث عمل في البداية كاتبا للشهيد الضابط الثاني (نقيب) – مطعيش عبد القادر – (جابر )، ثم تم تعينه بعد شهور مسؤول قسم، حيث ركز في تلك الفترة على تنظيم الخلايا السرية في تلمسان وبرزت شخصيته كقائد ثوري محنك ، وبعد اغتيال المستعمر الفرنسي الدكتور بن عودة بن زرحب ، زاد القائد من التعبئة البشرية للثورة، وقد وفق في تنظيم الخلايا السرية في المدينة، وفي نفس الوقت أسس فرقة مسلحة تقود هجومات عسكرية وفدائية على مراكز العدو في تلمسان وفي هذه الأثناء عرف بلقي سي إبراهيم. من بين المعارك التي قادها سي إبراهيم (معركة جبل اعمور ) في 2 أكتوبر 1956 .شارك فيها 500 مجاهد من جيش التحرير الوطني وخسر فيها العدو 1275 جندي منهم قرابة 92 ضابط، ودامت المعركة بفضل العقل المدبر قرابة الأسبوع . وقد تم ترقية سي إبراهيم إلى صاغ  أول (رائد) وفي 7ماي 1957، التحق بمقر الولاية وصار يحمل اسم لطفي.وبعد ذلك وفي سنة 1958 عين قائدا للولاية الخامسة برتبة صاغ ثاني (عقيد) .

هـ – بن حدو بوحجر : (سي عثمان ) (1927-1977) : ولد في 23 نوفمبر بـ بلدية وهران ولاية وهران .انظم إلى صفوف حزب الشعب الجزائري P.P.A وعمره لا يتعدى 16 سنة، يعتبر من مؤيدي حركة أحباب البيان والحرية في 1942 بعد نزول الحلفاء إلى الجزائر ، وعند تشكيل حركة الانتصار للحريات الديمقراطية 1946 انخرط في صفوفها. وفي سنة 1948 انظم إلى صفوف المنظمة الخاصة، وقد تلقى تدريبات مكثفة رفقة وضاح بن عودة، وكان يلتقي بمحمد العربي بن مهيدي ورابح بطاط ، وبعد اكتشاف المنظمة الخاصة تم القبض عليه وسجنه بمنطقة وهران، وبعد الافراج عليه سنة 1952، استرجع بن حدو بوحجر ثقته بنفسه وبدأ التدريبات العسكرية في المخازن المهجورة قرب العامرية في سرية عامة، وكان على اتصال بـ محمد العربي بن مهيدي وعبدالمالك رمضان وعبد الحفيظ بوصوف ومحمد فرطاس والحاج بن علا وحمو بوتليس و أحمد زبانة . وبعد التموين الذي عرفته الثورة الجزائرية من طرف المغرب إنطلقت العمليات العسكرية من جديد في 1 أكتوبر 1955 في جبال (فلاوسن وجبال ترارا وتلمسان) ، قام سي عثمان في 6 ماي 1956 رفقة مجموعة من المسبلين بهجوم شامل تم خلاله حرق 75 مزرعة بعين تيموشنت، وقد كثف من عملياته التي أفزعت القوات الاستعمارية وكل الجالية الأوربية . واستطاع سي عثمان التقدم إلى جبال الونشريس حيث تم الاتصال بقادة الولاية الرابعة .

انتقل سي عثمان سنة 1957 بمركز القيادة بوجدة (المغرب ) لحضور اجتماع قادة المناطق للولاية الخامسة. وهناك التقى بكل من : سي سليمان رابح وسي ناصر مرباح ولواج محمد (فراج طاهر ) والميسوم السايح (الحنصالي ) ومستغانمي أحمد (سي رشيد ).

إن الحديث عن قادة الولاية الخامسة التاريخية يتطلب منا التعمق في هذه الشخصيات من حيث المولد والنشأة و الدور الذي لعبته كل قيادة في الثورة و الأعمال التي ميزت كل قائد في امداد الثورة التحريرية سياسيا وعسكريا و تكتيكيا، حتى لا نجحف هؤلاء الكوادر العظماء و القادة الشهداء الذين دعموا الثورة من الداخل ومن الخارج لمواجهة أكبر القوى الأمبريالية في العالم . وربما هو ما سيأتي تفصيله في المداخلة ببعض من التحليل و العمق و البعد التاريخي و الدور الفعال لكوادر الولاية الخامسة التاريخية .

القواسم المشتركة بين قيادات الولاية الخامسة التاريخية : 

إن الحديث عن قادة الولاية الخامسة التاريخية (وهران ) في تاريخ الثورة التحريرية، يدفعني للبحث عن القواسم المشتركة بين تلك الكوادر التي ضحت من أجل جزائر مستقلة، وسأحاول ايجاز تلك القواسم المشتركة في جملة من النقاط : 

  • كل قادة الولاية الخامسة التاريخية منحدرين من حزب هو الأكثر راديكالية منذ نشأته، حزب الشعب الجزائري P.P.A.
  • رغم تعدد الصعوبات و التضييق الاستعماري الفرنسي على القادة الثوريين لهذه الولاية، إلا أن ذلك لم يعترض طريقهم نحو الهدف الأسمى وهو تحقيق الاستقلال .
  • كل قائد كانت له جوانب رئيسية في البحث عن : تحضير الثورة ، المشاركة في أول ليلة نوفمبر 1954 ، أعمال عسكرية و سياسية على نطاقات واسعة .
  • المفارقات التي ميزت قادة الثورة للولاية الخامسة التاريخية من حيث : مستوى التعليم – مكان الميلاد – وضعية الأسرة – الولاية الأصلية – الانتماء الحزبي – المسار العمري – المشاركة العسكرية – المهنة .
  • المشاركة في النضال السياسي في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية سنة  1946، والمشاركة في مؤتمر فيفري 1947 الذي أنشأ العمل المسلح السري ( المنظمة الخاصة ) 
  • مشكلة التسلح وقلة المؤونة التي عرفها قادة الولاية الخامسة التاريخية . مما جعل اتصالاتهم بدل الاعتماد على الداخل فقط محاولة الاتصال بالخارج ( المغرب ومصر ) .
  • التنسيق مع قادة الولايات التاريخية الأخرى، مما نتج عنه لفت انتباه نظر الرأي العام العالمي و في مقدمتهم الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت تتأهب لمناقشة القضية الجزائرية في دورتها الثانية عشر .
  • رغم اتساع الولاية التاريخية الخامسة و تواجدها مع الحدود المغربية، إلا أن قادة الثورة للولاية تمكنوا من التعامل و التفاعل فيما بينهم رغم مناطق الولاية الثمانية ( المنطقة الأولى تلمسان ، المنطقة الثانية مغنية إلى غاية الحدود المغربية ، المنطقة الثالثة تضم ولاية البيض، المنطقة الرابعة تضم ولاية وهران، الخامسة ولاية سيدي بلعباس، السادسة سعيدة ومعسكر، السابعة تيارت ، المنطقة الثامنة تضم منطقة بشار، آفلو، عين الصفراء )
  • تعتبر الولاية الخامسة التاريخية قاعدة خلفية غربية بمنطقة وجدة المغربية . وظلت هذه الولاية التاريخية نقطة عبور بين الداخل والخارج وهمزة وصل بين باقي ولايات الوطن .

 

ثانيا : علاقة الولاية الخامسة بالولايات التاريخية الأخرى وكذا الهيئات القيادية العليا للثورة (السياسية والعسكرية ) .

إن الحديث عن العلاقات بين الولايات التاريخية للثورة التحريرية 1954-1962، هو محاولة تسليط الضوء على العلاقة التي تربط المناطق والولايات التاريخية، ومجالاتها ووتيرتها بين الولاية و الأخرى، وأثر ذلك على العمل الثوري. 

لقد عرفت العلاقات بين الولايات التاريخية في بدايتها اضطرابات داخلية خطيرة خصوصا بعد استشهاد قائديها ( شيهاني بشير و مصطفى بن بولعيد ) في 1956، مما أدخلها في صراعات حول القيادة. فحال ذلك دون حضورها لمؤتمر الصومام 20 أوت 1956 ، مما أدى بدوره إلى استمرار الاضطرابات بها وظهور ما عرف بقضية المنشقين المناوئين لقرارات مؤتمر الصومام، فلم يستقر حالها بشكل نهائي حتى الاستقلال، ولم تثن هذه الاضطرابات مجاهدي الولايات عن محاربة العدو .

لقد كانت العلاقات التاريخية بين مناطق والولايات التحريرية واقعا لا يمكن تجاهله، طيلة الفترة الممتدة بين 1954-1962، إلا أنها لم تكن منتظمة ومستمرة، فبعض الولايات عرفت ديناميكية وحيوية أكثر من غيرها، على غرار الولايات الثالثة والرابعة والولاية الخامسة، وبين الولايتين السادسة و الأولى، بحكم موقع هذه الولايات من بعضها البعض من جهة، والعلاقات الخاصة المميزة التي كانت تربط قادتها من جهة ثانية، كما عرفت ديناميكية أقل بين ولايات أخرى، على عرار ما كان بين الولاية الثانية والولايتين الجارتين( الأولى و الثالثة )، خصوصا بعد مؤتمر الصومام، ويرجع ذلك في نظرنا إلى الخلاف المبكر حول الحدود الشرقية بين الولاية الثانية (المنطقة الثانية ) والولاية الأولى (المنطقة الأولى )، بالإضافة إلى الوضعية غير المستقرة التي عرفتها هذه الأخيرة بداية من أسر قائدها الأول (مصطفى بن بولعيد ) في فيفري1955  .

أما عن العلاقة بين الولايتين الثانية والثالثة، ورغم تأكيد العديد من المصادر عن وجود احتكاك مباشر بينهما، بحكم تجاورهما، فإن العلاقة بينهما لم ترتق إلى المستوى المطلوب، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى موقف الولاية الثانية من مشكلة (الزرق ) التي عرفتها الولاية الثالثة في صيف 1958 .ثم غيابها عن اجتماع قادة الولايات التاريخية الذي وقع فوق ترابها بين 6 و 12 ديسمبر 1958.

تعتبر هجومات 20أوت 1955 التي قامت بها المنطقة الثانية (الشمال القسنطيني) ، محطة رائدة في العلاقات بين المناطق، باعتبارها عملا عسكريا ومظهرا من مظاهر التعاون العسكري بين المنطقتين الثانية و الأولى خاصة، لأنه فك الحصار العسكري المضروب على الأوراس، كما انعكست نتائج ذلك على جميع المناطق، بحكم التردد الذي ميز مرحلة الانطلاق، ومن ثمة كان دعما عسكريا للثورة عامة .

وبعد هجومات 20 أوت 1955، عرفت العلاقات بين المناطق و الولايات التاريخية انتعاشا حقيقيا في مجال الاتصال، الذي أفضى إلى الإعداد لمؤتمر الصومام .

ومن مؤتمر الصومام 20 أوت 1956 إلى غاية 05 جويلية 1962، عرفت هذه الفترة بدورها محطات في العلاقات بين الولايات، وأبرزت بعض الخلافات بين قادتها، إنطلاقا من مؤتمر الصومام إلى غاية أزمة صيف 1962 .

كما حاول مؤتمر الصومام أن يؤسس لمرحلة التعاون العسكري بين الولايات في مجال التسليح، من الحدود الشرقية و الغربية ( الولاية الخامسة التاريخية ) وحدودها مع المغرب .

غياب الولاية الخامسة التاريخية عن اجتماع 6و 12/12/1958، كان ضرورة لخلق لجنة تنسيق بين الولايات و العمل العسكري المشترك لتحطيم خطي شال وموريس المكهربين .

كما نسجل مبادرات التعاون بين الولايات لمواجهة مخطط شال العسكري ، ومن ذلك ما حصل بين الولاية الرابعة والخامسة في مطلع 1959 .

إن علاقة الولاية الخامسة بالولايات التاريخية الأخرى وكذا الهيئات القيادية العليا للثورة (السياسية والعسكرية )، تميزت في مجملها بالتعاون في فترات و الصراع على السلطة بعد ظهور الحكومة المؤقتة الجزائرية وظهور هيئة الأركان العامة بقيادة “هواري بومدين ” .

ولتغطية الموضوع من بعض الجوانب سأسعى من خلال مداخلتي للتعرض إلى بعض التساؤلات الهامة ببعض التحليل و القراءة التاريخية ومحاولة الوصول إلى نتائج تهم القارئ و الكاتب على حد سواء .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك