قوارب الموت و رهاب كورونا

قوارب الموت تستأنف نشاطها بعد خمول وركود لأشهر، منذ اجتياح جائحة كورونا أرض الوطن وبعدما كان الكوفيد -19-الخطر الوحيد الذي يهدد شمل  أمة بأكملها و قاسمها المشترك  لأسابيع، تعود الهجرة غير الشرعية للساحة وبقوة لتجمع في رحاب قواربها شباب وشابات اختلفت مستوياتهم وأعمارهم، وجمعهم القرار والقارب. 

هي واحدة من الظواهر السلبية التي استفحلت بالمجتمع الجزائري منذ زمن ليس بالبعيد، وعرفت تنامي كبير في الأعوام الأخيرة، ولقيت اقبال من الكبير وحتى الصغير صار حلمه الموكب وباتت أوروبا اليوم طوق نجاة يجذف نحوه كل شاب عاطلا عن العمل كان أو متملك، الكل يود الرحيل وله أسبابه. ومبرراته الخاصة، والواقع أن الأسباب تعددت بين سياسية واجتماعية وكان للاقتصادية النصيب الأوفر من الغنيمة، والنتيجة بقيت واحدة مصير مجهول ينتظرهم في بلد لا يفقهون منها غير الاسم أحيانا. 

ومن المجهول الى المجهول يتخبط اليوم الكل في قارب بحجم كف اليد، وحقيبة أماله ومستقبل رسمه له من سبقوه هنالك وصوره له مشهد عابر بالتلفزيون في قالب درامي تراجيدي تمثيلي لا أكثر. 

وبالوقت الذي راهن العالم أجمع على وعي الشعب ونادى بضرورة التزامه بروح المسؤولية لتجاوز الأزمة والخروج من كابوس اسمه كورونا، إختار البعض وضع حد للمشهد ولحياته عن طريق الهجرة بطريقة غير قانونية، من مبدأ إن لم تقتلنا كورونا سيقتلنا الجوع  والتهميش والظلم. .الخ.. 

عبارة لخصت معاناة ألاف البيوت منذ أشهر، من تفعيل قرار الحجر وغلق بعض الأنشطة والتجارات الحرة في وجه أصحابها، وكانت سبب كافي للعودة واستئناف نشاط الهجرة الغير شرعية، فبعدما عجزت دولة بأكملها عن توفير أبسط حقوق للمواطن وهي المأكل  وسحبت منه رخصة العمل من باب الوقاية ،عدنا وأدراجنا لنقطة الصفر وحطمنا بذلك عام من الحراك ،ومن الوعي والنضال. 

ووقعنا اليوم ضحايا في قفص اسمه الحياة الكريمة والمستقبل السعيد الذي نزعم وجوديته بانتظارنا في الصفة الأخرى. 

 والواقع أن ما ينتظرهم هنالك قد يكون أسوء بكثير من الذي فروا منه، فأوروبا التي يتسابق الكل لبلوغ ترابها لن تضيفك لقائمة أبنائها ولن تحضي بامتيازاتهم بل ستبقي هاربا مطاردا  تحت مسمى حراق. 

هذا ما يحاول تجاهله شبابنا اليوم، رغم علمه وتيقنهم بما هو بانتظارهم عزموا فقرروا فنفذوا مجبرين لا مخيرين ،فمن يا تراه كان السبب الفعلي لتفعيل الهجرة الغير شرعية من جديد؟  

يرجح البعض الأمر لجائحة كورونا ومخلفاتها السالفة الذكر من تدني ان لم نقل انعدام شبه تام لسبل المعيشة  في أبسط معانيها للبعض، في حين يرى البعض أن رهاب الموت بحد ذاته سبب، خاصة والعجز الذي حال دون الوصول الى لقاح أو لنقل على الأقل خبر يطمئن قلوب المواطنين وصحتهم، وهو ما يعطي الحق لكوفيد 19 لتصدر قائمة الأسباب والمسببات حتى وإن كان ما خفي أعظم. 

حتى وإن كانت للأزمة يد فيما وصلنا له اليوم ،وما سنشهده من ظواهر سلبية وآفات إجتماعية لا تقل خطورة عن التي نمر بها، تبقى للظروف الاجتماعية والمتغيرات المحيطة حظ الأسد ودور لا يقل أهمية هي الأخرى  وإن كان للكوفيد19 يد في القضية، نعود ونذكر بأنها ليست بظاهرة الجديدة وما كانت الجائحة السبب الفعلي لنشاطها بهذا الوقت بالتحديد بل أتت لتضاعف من حجم التهميش والظلم في بلد ينادي بالديموقراطية والحرية في شعاراته لا أكثر . 

و منه بضرورة نحن اليوم لتفعيل ثقافة الحوار لا القمع واخضاع الشعب، وبحاجة الى وقف تصدير الأدمغة، فما نمر به وما نحتاجه ليس لقاح ضد فايروس وحسب بل لقاح ضد الفكر والثقافة الغربية والأهم تظهير للقرارات التعسفية ضد الشعب. 

ورغم إختلاف أسباب الهجرة الغير شرعية، فحتما ستبقى حل جبر عليه المواطن لا مخير فيه ولا صواب منه ، فبؤرة الوباء اليوم تفقد سيطرتها بشكل رهيب وتتخطى حدود المكان  ومن كورونا الجو إلى كورونا البر والبحر نتجه للصدارة وبامتياز. 

بقلم: الزاهي دنيا

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك