قنوات تحاصر الجزائريين في عز الحجر الصحي؟

كورونا ... الكاميرا الخفيّة

بقلم: لخضر بن يوسف

في ظل الحجر الصحي، الذي لازلنا نعيش واقعه اليوم ، والذي لم يكن هناك التزام تام به من لدن البعض ، أضحى التلفزيون من بين الوسائل الضرورية لترفيه النفس والاطلاع على كل المستجدات.. عن هذا الوباء الفتاك.

الجزائر، التي لم تخرج عن النطاق العالمي ، حل عليها  شهر رمضان منذ أيام معدودة ، وهو إذا كان شهر عبادة بامتياز ، فهو شهر أيضا لطرح أهم وأبرز الإنتاجات التلفزيونية الوطنية ، باعتبار الإقبال الجماهيري الكبير التي يكون عليها لأجل التسلية والترفيه ، وهو الأمر الذي سيكون كذلك في هذه الظرفية ، التي من المنتظر أن تكون استثنائية على مستوى المشاهدة مقارنة بالسنوات الفارطة بحكم « الحجر المنزلي » الذي سيلزم المواطنين بالالتزام بمقرات سكناهم .

 

الدراما الموسمية

 

يرتبط الإنتاج الدرامي والكوميدي في الجزائر منذ سنوات طويلة بحلول شهر رمضان الفضيل ، حيث تشتد المنافسة لمحاولة تقديم أفضل الأعمال ، لكن هذا العام الأمور تختلف كثيرا بسبب فيروس ”  كورونا  ”  المستجد الذي سيطر على الإنتاج وتحكم في خارطة الشبكة البرامجية الرمضانية لهذه السنة على القنوات الجزائرية ، أما البرامج الكوميدية رغم غياب أعمال ضخمة هذا العام إلا أنها أكثر حضورا من الدراما ، حيث يعرض التلفزيون الجزائري مجموعة من برامج ” السيتكوم  ” منها “عمر السيشوار”، “طيموشة ”،”فينا وعلينا ” ، ” عزوز” ، عبر شبكة برامجه التلفزيونية الرمضانية ، التي وإن عرفت بعض التعثر على مستوى استكمال بعض الأعمال  خصوصا الدرامية ، بسبب فرض الحجر الصحي ، الذي أدى إلى تأجيل تصوير بعض الإنتاجات ، فإن البرمجة الجديدة مع ذلك ، تتضمن باقة متنوعة من البرامج الجديدة التي يستأنف بعضها أجزاء جديدة من بعض الأعمال الفكاهية التي بثها التلفزيون خلال رمضان الماضي ، والتي حققت نجاحا كبيرا عكسته نسب المشاهدة ، كما تشمل أعمال الدراما التي تحظى باهتمام بالغ من طرف المشاهدين في هذا الشهر الفضيل ، وتتوزع بين المسلسل والسلسلة والسيتكوم والأفلام التلفزيونية ، الشبكة البرامجية الرمضانية لهذه السنة ضمت كذلك مجموعة من البرامج الوثائقية والحوارية والتحقيقات التلفزيونية ، فضلا عن برامج ذات بُعد ديني تتناسب مع الأجواء الروحية لشهر رمضان .

 

اختيارات عبثية

موضوع شبكة البرامج الرمضانية لهذا العام  خلف موجة من الاستنكار والغضب لدى المشاهد والمتابع وأسال الكثير من الحبر من لدن الكتاب والنقاد والمختصين ، حقيقة يطرح تساؤلات وأسئلة كثيرة ومتنوعة التي وإن اختلف في شكلها عموما إلا أنها توحدت في مضمونها وهي : كيف لنا أن نناقش هذه البرامج  ؟ ما الجديد والمستجد الذي جاءت به شكلا ومضمونا ؟ للإجابة عن هذه الأسئلة علينا العودة إلى الأرشيف الرمضاني للأعوام السابقة  ، غالبا ما تحمل الكاميرا المخفية أو ما يسمى بالسكاتش أو الكوميديا موجة من الترفيه والترويح عن النفس في جو محترم يغلب عليه معالجة مواضيع اجتماعية وتربوية وأخلاقية كقيمة نقدية إيجابية تمارس بنية التقويم وكشف العيوب لأجل إعادة بناء الانسان والمجتمع لكن ما كان بالأمس لم يعد بالإمكان اليوم في ظل الانتقادات التي تطال الكاميرا الخفيّة  والتي ازدادت تغولا  وباتت مفرغة من محتويات بناءة وهادفة ، لقد أصبحت تروج للانحراف واللاأخلاقيات ولو بطريقة غير مباشرة لكل محتوى نازل ومنحرف وتركز على ما قد يثير الجدل في المجتمع وباتت تصل إلى مرحلة السخط على واقع الشاشة الجزائرية دون تغيير سياستها ودفعها صوب الإبداع –دون جدوى-

 

قنوات تحاصر الجزائريين في منازلهم

 

المشاهد الجزائري مع بداية رمضان تابع عبر قنوات مختلفة وهو محاصر في الحجر الصحي برامج رمضان 2020 رغبة منه للوقوف على انتاجها ومستجدها في خضم تحولات سياسية منذ 22 فبراير الفارط أفرزتها الثورة الشعبية السلمية والتي أنتجت تحولات ثقافية واجتماعية وأخلاقية على مستوى الخطاب العام تفرض منتوجا يتماشى مع المتغيرات الراهنة ، النقاش حول هذه المسألة – الكاميرا الخفيّة  –  قديم إلا أنه مستمر ولم يتوقف ، فهي تدهورت وأضحت ترسم للتفاهة الإعلامية بعد أن كانت شعبوية ؛ وتعميمها بعد أن كانت خاصة من مصادرة حرية التعبير إلى افشاء العفن واللا أخلاقي ، كل هذا يدفعنا في الحقيقة للسؤال عن المسؤولية : من المسؤول عن ما يتسبب به الإعلام اليوم وكل ما يعرضه من مضامين ومحتويات حكم عليها سلباً : الإنسان أم الإعلام  ؟ المستخدم أم المرسل مسألة مهمة لابد منها ولا حل لها ؟ 

كل هذه الأسئلة لن تجد اتفاقاً حولها ، كما لن تجد حلا أو مخرجاً يرضي الجميع فنحن أمام إشكالية أخلاقية ثقافية وإنسانية بامتياز ….

أكبر الخلافات الدائرة اليوم حول ما يعرض في الفضائيات خلال السلسة البرامجية الرمضانية تتعلق بالمضمون الذي يتم عرضه ، وبمدى حرية المنتسبين فيه فيما يتعلق بالمواد التي ينشرونها ، وبدرجة تعبيرها عنهم ، أي بالرسالة التي يقدمونها أو الصورة التي يرسمونها عن شخصياتهم .

 

وحدة عضوية غائبة

الإعلام يحمل رسالة تبعث إلى متلقٍ ، والرسالة لا بد لها من شكل تصاغ به ، فالوحدة العضوية بين المادة (الرسالة) والوسيلة (الشكل) والمتلقي وكيفياته وتكوينه ، الشرط الرئيس للنجاح الإعلامي (توصيل الرسالة والإقناع) وهذا ما نجح فيه غيرنا وأخفقنا نحن فيه ، رداءة سيئة وانتاج سمعي بصري وطني شبه هواة ، لا يحترم الحد الأدنى للقواعد ولا للأخلاقيات المهنية ، غالبا ما تكون المحتويات مرتجلة في اللحظة الأخيرة ، الكل يخترع نفسه كاتبا في غياب السيناريو ، مخرجين متدربين بدون ثقافة الصورة ، أشخاص لا علاقة لهم بدقة وظائف الفنون السمعية البصرية ، مؤسسات انتاج ضعيفة ، غضب على استهتار المنتجين بالذوق العام ، وعدم التردد في طرح منتوجات لا تأبه بالجانب الأخلاقي الجمالي والتربوي الهادف ، استمرار في اعتماد السخرية في الأعمال الفنية  تتجلى بمظهر سوقي غير واع ومشتت ، مستوى إعلامي ومضامين إعلامية في تراجع رهيب وانحطاط تام وكلي في القيم والأخلاق والتربية والوعي الاجتماعي والثقافي والتربوي والمعرفي ، إعلام اليوم يكرس الرذيلة والانحلال الأخلاقي ويمارس العنف ويؤرخ للتفاهة ، يؤسس لثقافة الابتذال والرداءة والتهريج .

الانتقاء العبثي والعشوائي

يضاف إلى هذا الانتقاء العبثي والعشوائي دون أي معايير لعرض الوجوه على المشاهد الجزائري الذي يتمتع بالذوق والحس الفنيين ، حيث تعرض الشاشات شبابا لا يظهر عليهم التحكم في أبجديات عمل يمارسونه ويتوجّهون به إلى المتلقي ، يمكن أن نقول عنه عجز أم سوء اختيار وعدم توفيق ، أم فوضى اختيار ، إذ لا يعقل تكرار ظهور وجوه غير معروفة ولا موهوبة وفرضها على جزائري فارّ من حصار الحجر الصحي ومن واقع اجتماعي قلق ليجد نفسه وجها لوجه مع اضطراب الأداء وشح الموهبة الذي لم يتمكن من عزله أو إيقافه لا النقد ولا السخط العام على مواقع التواصل الاجتماعي طيلة السنوات الفارطة ، مضمون إعلامي غير مقنع ولا مقبول ولا يشمل الحقيقة ، ولاعدالة القضية ، يغلب عليه التضليل والتزييف والابتذال والسخرية ، والمهارات المستخدمة فيه كثيراً ما تشوه الحقائق ، وتتلاعب بعواطف المتلقين ومواقفهم ، لا يعتمد على مرجعيات فكرية ونظرية يستند إليها ، ولا على منظومة من القيم المعيارية تحدد أداءه وقدرته على الوصول إلى أهدافه فهو يعمد إلى الاستخفاف بعقول الناس بصرفهم عن المتابعة ، ويشكل عندهم مواقف لا مبالية في كثير من الأحيان ، مما يصرفهم عن فعل المشاهدة لأنه يكرس لثقافة الابتذال والتهريج والعنف والتفاهة بسبب الأفعال السلبية التي تشرخ جدار القلب وتدعه ينزف حزنا مما يترتب عنه الأثر المعنوي السلبي المتشكل في السلوك والتفكير وفي النفس ، في الروح وفي التفكير ، لا لشيء بل لسبب واحد ووحيد وهو المادة المقدمة التي تخلف من ورائها الكراهية والاشمئزاز والتنمر وهي أفعال تؤدي إلى الانحلال الأخلاقي والثقافي والتربوي والاجتماعي . 

 

محصلة سلبية

النتيجة كارثة بشكل فظيع وكأنن الجزائر لم تشهد أبدا ساعات من المجد السينمائي والدراما ، وكأن أكثر قليلا من نصف قرن من الخبرة في هذا المجال تم نسفها بلمح البصر، نحن نكتشف الكثير من الأذلين الذي يميز برامج الترفيه والمسلسلات والتقارير والكاميرات الخفيّة  ، ما هو دور ” سلطة تنظيم السمعي البصري ”  ؟

المضامين الإعلامية عندنا لن تنجح إذا ما لم تواكب العصرنة والعولمة في الامكانيات والوسائل والاستراتيجيات والمواد ، وتبتعد عن النمطية وأساليب التلقين ، وتملك ثقافة موسوعية ، وتخصصاً دقيقاً وأساليب متطورة في استخدام الثقافة وتوظيفها. 

علاقة الإعلام ومحموله ، كعلاقة الشكل بالمضمون ، فالمحمول هو الفكرة ، والحامل هو الشكل  وعليه يمكننا القول : الإعلام الذي يتوخى النجاح ، تجده يراعي هذه العلاقة ، لذا لا تجده يعاني الخلل في أحد طرفيها مما لا يضعف الطرف الآخر، ولا يسيء إليه ، فالشكل المتخلف يقتل الفكرة مهما بلغت درجتها من النبل والأهمية. 

ختاما 

يمكنني القول : بات اليوم المستوى الإعلامي ومضامينه في تراجع رهيب وانحطاط تام وكلي في القيم والأخلاق والتربية والوعي الاجتماعي والثقافي والتربوي والمعرفي ، إعلام اليوم يكرس الرذيلة والانحلال الأخلاقي ويمارس العنف ويؤسس للتفاهة ، ويشجع على الابتذال والتهريج. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك