قلم جاف: هارون و تبون

بقلم: الوليد فرج

 

قد يستعين الرئيس بمن يرى فيه فائدة لحكمه ، وصلاح للمجتمع ، لما فيه من علم أو حكمة أو تجربة ، أو خبرة في ميدان ما ، لكنه يستعصى جمع أهل العقل لخدمة الحكم ، لتشعب مناحي الحياة ، وكثرة شؤون العامة ، لذا في الغالب يلجأ للخبراء و أهل التجارب وأصحاب بعض الاختصاصات ، كمستشارين فيكلفون بمهام بعينها و ملفات محددة فيتولونها . 

لا يقتصر تسيير شؤون الدولة و الاستشارة فيها لا سيما في مهمة التعيين و العزل  على كبار المسؤولين  فقط ، فقد يتعدى ذلك أحيانا إلى المواطن البسيط ، متى وافق رأيه العقل ، و وجد حاكما حكيما يستبطن كنه الأمور و أسبابها ويقف على حقيقة الأشياء و طبيعتها و عواقب الأحداث و مآلاتها ، فيعالجها دون النظر للحيثيات الهامشية ، أو مصدر الخبر .

لما دخل هارون الرشيد مكة عام مائة و ست و ثمانين ، نشط إليه (العمري)، من وسط جماعة وقال له : يا أمير المؤمنين قف حتى أكلمك ، فقال أمير المؤمنين : أعقلوا زمام الناقة ، فعقلوها . وقال للعمري : قل ما في نفسك واني منصت لك .

قال العمري : اعزل عنا اسماعيل بن القاسم ، فانه يقبل الرشوة و يطيل النشوة و يضرب العشوة . (يقصد سكير غير متبصر و لا متحر في الامر) . فقال هارون الرشيد : لك ذلك يا عمري فقد عزلناه . ثم التفت إلى يحي وقال : أعندك يا يحي مثل هذه البديهة ؟ قال يحي : أنها بديهة يجب أن يحسن له عليها . فأحسن إليه . قال هارون الرشيد : نعم ونحن إذا عزلنا عنه ما يريد فقد كافئناه و أحسنا إليه .

فأجاب يحي : نعم انه إحسان من الأمير ولكن للعدل وترضية للحق . وهذا الإحسان غير الإحسان على البديهة التي يعيرني بها أمير المؤمنين .  

لم يترفع و لم يتكبر هارون الذي حكم الدنيا بأسرها ولم ينهر رعيته الذي اعترض ناقته ، بل ترَّجل و نزل إليه ، و طلب من خدمه ان يعقلوا الناقة كأنه يخشى ان تطول حاجته ، فاستمع إليه و لفراسته أدرك من حسن كلام و بديهته انه على حق فنزل عند طلبه ، وعزل عنه الوالي ، فالولاية ليست منحة و لا هدية وعزل المسؤول عنها  لا يضر بشيء بل فيه صلاحه و صلاح المجموعة ، فان رفضه الشعب استعصت عنه الولاية و كثر خطأه . 

و سلامة خطاب العمري جعل منه صاحب بديهة ، قدر على تصحيح ملك هارون ، مما جعله يُعّرض على (يحي) و يُعيِّره وهو أحد المقربين إليه ، كأنه يقول له تغافلت عن الولاة حتى صارت الرعية تشتكي منهم ؛ ففي صلاح البطانة صلاح الحكم و في فسادها فساده .

السيد الرئيس إن بعض بطانتك شاع سوءها و هارون و العمري أمامك .       

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك