قراءة أخرى لوصايا تبون السبعة

دستور لحل أزمة أم لبناء دولة؟

بقلم: احسن خلاص

 

يمر ما يقرب من أسبوع من تكليف لجنة الخبراء لتنكب على إعداد خلاصات أشغالها المتمثلة في تقرير ومشروع دستور جديد يقدم للرئيس عبد المجيد تبون بعد شهرين متتابعين مرفوقا بمشاريع نصوص ضرورية لوضعها موضع التطبيق.

 

وتوحي الرسالة التي تضمنت دعوة اللجنة أن الرئيس الجديد انخرط مباشرة في نقاشاتها، ليس لأنه حدد لها معالم التفكير من خلال حصر أعمالها في 7 محاور فحسب بل لأنه لم يترك لها هامشا معتبرا في بعض الجوانب التي رآها ضرورية حيث دقق في بعض تفاصيلها كما أنه لم يطلق يدها لتمتد إلى الفصول المتعلقة بالهوية وأسس الدولة والأمة ورموزهما.

 

ينطلق الرئيس الثامن للجزائر، إذن، من منظور إصلاحي يبدو جريئا لمنظومة الحكم دون أن يكون أكثر جرأة لعرض الدستور القائم على النقاش الواسع والعميق ضمن مسعى تأسيسي جديد ولا على إمكانية تغيير التركيبة النصية التي جاء بها وهي التركيبة الموروثة في أغلبها عن دستور 23 فبراير 1989 والتي تعرضت لتغيير جزئي بدستور 1996 قبل أن تتحول إلى ما يشبه وثيقة دستورية – قانونية بمناسبة التعديلات التي أتت عليه عام 2016.

 

ومن جانب آخر تقدم رسالة تبون التعديلات المنشودة بأنها جاءت ل”تحقيق مطالب شعبنا التي عبر عنها الحراك الشعبي” و”الاستجابة بشكل مناسب لانشغالات المواطنين التي عبر عنها خاصة الحراك الشعبي”. ومن هنا تبرز التوجيهات والوصايا الرئاسية للجنة الخبراء القراءة التي يقترحها الرئيس الجديد لمطالب الحراك الشعبي، وهي القراءة التي أرادها أن تكون دعامة تعطي الشرعية لرغبته في إنهاء مشكلات منظومة الحكم منذ البداية ومعالجة ما يراه اختلالات في المنظومة الدستورية أدت إلى الأزمة التي عاشتها الجزائر طيلة العام الماضي ولا تزال عالقة مع بداية العام الجديد.

 

لا يعد الرئيس تبون، إذن، بثورة دستورية، وليست التعديلات الدستورية، على ما يبدو هي الغاية في ذاتها بقدر ما يمكن قراءة التوجيهات الرئاسية على أساس أن هذه التعديلات هي إحدى الأدوات والوسائل التي يعالج بها أزمة نظام اختنق بحبال دستوره وكاد يلفظ أنفاسه، فهو ينطلق من أن الدستور الحالي يعد من منابع هذه الأزمة بتكريسه الحكم الفردي وتقليص هوامش أطراف السلطة وباقي المجتمع وعدم تفتحه على تقاسم القرار وعدم إعطاء ضمانات صريحة على التوزيع العادل للثروات والمكتسبات الوطنية.

 

ويراهن الرئيس تبون على نجاح هذه التعديلات الدستورية التي ألبسها ثوب الجمهورية الجديدة بعد أن أقنع دوائر النظام أنها ضرورية للخروج من أزمة منظومة الحكم وضمان تفادي الوقوع في مثلها مجددا، تماما مثل ما كان إطلاق تعديلات 1996 ردة فعل على ما عاشته الجزائر من أزمة سياسية وأمنية ارتأت السلطة في ذلك الوقت أنه من الضروري تحصين النظام دستوريا من أي تهديد بالانهيار أو أية عودة للتيارات الراديكالية من البوابة الديمقراطية لاسيما وأن تلك التهديدات كادت تنال بأسس الدولة ذاتها.

 

وبقدر ما تحمل التوجيهات الرئاسية للجنة الخبراء طموحات واضحة في إكساب السيادة الشعبية مزيدا من المساحات التي طالب بها الحراك الشعبي إلا أنها لم تفرط في النزعة المحافظة التي كرستها تعديلات 1996 ولم يبرح بعد النظر إلى تغيير الدستور منطق ردود الأفعال ليتجه نحو اعتباره فعلا تاريخيا يهم الأمة برمتها في لحظة تاريخية معينة فهو ينطلق من ثابت لم يغادر ذهن من تربى وترعرع في دواليب الدولة، مثل ما هو حال تبون، وهو أن عملية بناء الدولة عملية تراكمية تستدعي مراجعات دورية تمليها الإشارات التي يعطيها المجتمع وتفرضها أحيانا المتغيرات الدولية.

 

ومن هنا يحق التساؤل: هل من شأن المحاور المقترحة للتعديل الدستوري أن تكون انطلاقا لعهد جديد أم هي ضمادة للجرح وفسحة أخرى قبل أن تتجدد أساليب الحكم ذاتها التي عهدها الشعب منذ عقود وهو الذي علمته التجارب أن مشكلات الحكامة لا تكمن في الاختلالات التي تعتري القوانين بقدر ما هي في غياب الإرادة في بلورة منظومة شفافة وصارمة تقدس تطبيق القانون وفي كيفية الخروج من الزيف المؤسساتي الذي غرقت فيه الجزائر لعقود وتجاوز نظام الواجهات السياسية إلى نظام تتمتع فيه المؤسسات بسلطاتها الحقيقية منسجمة مع بعضها ضمن منظومة قرار صلبة ممتدة إلى المجتمع.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك