قايد صالح في جولة ثانية مع الحراك

معركة صراع الإرادات

بقلم: احسن خلاص

توقفنا في مقال سابق عند اللحظة التي حقق فيها قايد صالح أول انتصار له بأن أبعد شبح المرحلة الانتقالية التي خطط لها شقيق الرئيس السابق. وقلنا إن تلك اللحظة كانت بداية لمعارك أخرى تختلف إلى حد كبير عن المعركة الأولى. ولكي يتسنى له التحكم في قيادة المرحلة الجديدة بقبضة من حديد دشن رئيس الأركان حالة طوارئ لم تعلن عن نفسها بشكل رسمي، فحالة الطوارئ الرسمية لا يسمح بها الوضع الدستوري الجديد الذي لا يتيح إعلانها لرئيس الدولة بالنيابة.

 

انطلق قايد صالح، الحاكم الفعلي الجديد، في عملية قيصرية هدفه منها ضبط الحراك وإعادة تنظيمه “لكي لا يقع بين أيدي العصابة التي قد تلجأ إلى دعم قوى داخلية وخارجية لا تريد الخير للجزائر”، كما عبر عن ذلك في عدة مناسبات. وفي سبيل ضبط الحراك وتنظيمه  أقيم حصار أمني على مداخل العاصمة ومنع رفع الراية الأمازيغية ورايات أخرى غير العلم الوطني في شوارع العاصمة وبعض المدن، بينما فسح المجال لها في مدن أخرى، وكانت النتيجة إيداع حامليها الحبس الاحتياطي، كما تم الترصد لبعض قادة الرأي المخالف لنهج رئيس الأركان الذين أُودِع بعضهم الحبس الاحتياطي مثل لخضر بورقعة وسمير بلعربي وفضيل بومالة وكريم طابو وناشطين آخرين في عدة مدن، وهي الاعتقالات التي حرص على أن تمر عبر جهاز القضاء لكي لا تبدو تعسفية. واتخذ من التمسك باحترام المسار الدستوري دعامة ليعطي لعمليته القيصرية شرعية قانونية معتبرا بعض مطالب الحراك تعجيزية مثل مطلب ذهاب بن صالح وبدوي ومطلب المرحلة الانتقالية لكونها “تدخل البلد في ما لا يحمد عقباه” وتفتح المجال للفوضى و”تدخل الأطراف التي لا تريد الاستقرار للبلاد”.

 

لقد وضع التصعيد الذي تبناه قائد الجيش بعد الإطاحة ببوتفليقة الشارع في حيرة من أمره وانقسم الحراك بين مؤيدين ومعارضين للنهج الجديد، وانطلقت حرب مواقع سادتها فترة توتر شديد بين الاتجاهين وغذتها محاولات أدلجة ناجحة إلى حد بعيد لتلك الخلافات بعد ظهور من يسمون أنفسهم “النوفمبريين الباديسيين” مقابل معارضين متهمين بانتماءات غير وطنية وخدمة أجندات أجنبية وأخرى جهوية انفصالية. ولم يكن هذا الاتجاه نحو الأدلجة هدفه الحوار والنقاش حول الهوية وأسس الدولة بقدر ما كان جزءا من حرب استقطاب نفسية صاحبت حالة الطوارئ غير المعلنة التي ذكرناها وقد غذتها حرب أخرى افتراضية منظمة ومنتظمة كانت ساحتها مواقع التواصل الاجتماعي. وهي الحرب التي كانت ضرورية في نظر أنصار نهج رئيس الأركان من أجل التمهيد لفرض خارطة طريق سياسية جديدة يطلقها الجيش بقيادة “القايد” ويرعاها ويرافقها إلى مداها غير آبه بالأصوات المنادية في الشارع بدولة مدنية وإبعاد الجيش عن الممارسة السياسية. وبالمقابل ظل قايد صالح يؤكد في غير ما مناسبة أنه لا تحدوه، هو وقيادات الجيش، طموحات سياسية في معرض رد غير مباشر على من اتهمه بانتهاج طريق عبد الفتاح السيسي في مصر.

 

الواقع أن أقصى ما كان يبتغيه قايد صالح لا يتعدى إحداث تغييرات سياسية داخل النظام إذ لم يكن يؤمن بتغييرات تمس جوهره وتقوض أركانه فالحفاظ على هذا النظام جزء من الحفاظ على سيادة الدولة في نظره، وإذا كان لابد من الاستجابة ل”مطالب الحراك” فلن يتم ذلك إلا داخل الأطر التقليدية للنظام الذي ضحى بجزء كبير من رموزه العسكرية والمدنية حيث بدأت العملية قبل اندلاع الحراك بمتابعة 5 جنرالات بتهمة الثراء الفاحش وشكلت قضية الكوكايين فرصة للرجل القوي في الجيش لإجراء عملية تطهير داخل المؤسسة العسكرية قبل الوصول إلى عملية التطهير الكبرى التي مست رموز الفساد من رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال شكلوا خلال الفترة الرئاسية الرابعة لبوتفليقة أوليغارشيا جديدة كانت تمهد للاستمرار في الحكم ونهب ما تبقى من ثروات البلاد.

 

وبالعودة إلى خارطة الطريق السياسية التي رسمتها قيادة الجيش وعلى رأسها قايد صالح ونفذتها إطارات تمثل المجتمع المدني و”ممثلي الحراك” حيث تكونت لجنة حوار ترأسها كريم يونس أفضت بسرعة البرق إلى تعديلات في قانون الانتخابات لإنشاء “السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات” وتنصيبها واستدعاء الهيئة الناخبة لموعد 12 ديسمبر الذي جعل إجراء الانتخابات الرئاسية غاية في ذاتها لابد من بلوغها مهما كانت الظروف للخروج برئيس للجمهورية وإنهاء المرحلة الانتقالية قبل نهاية السنة.

 

وتشاء الأقدار أن تنتهي حياة قايد صالح بنهاية مهمته التي لا تزال آثارها ماثلة وسيبقى تأثيرها على المديين القصير والمتوسط. ينتقل قايد صالح إلى جوار ربه ويبقى الحراك مستمرا كقوة رفض وضبط ورقابة على الحياة السياسية وعلى السلطة بشكل خاص بعد أن كان لقايد صالح دور كبير في تنشيطه وإكسابه شراسة غير معهودة بعناده، لاسيما في الفترة الثانية من العام الماضي. ذهب قايد صالح إلى مثواه الأخير وبقيت مطالب الشعب قائمة ومتجددة بإرساء دولة القانون وتعزيز الحريات وضمان الاختيار الديمقراطي الحر للمؤسسات وإلزام الجيش بدوره الدستوري وإنهاء “حالة الطوارئ” التي وضعت فيها البلاد.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك