قايد صالح.. عسكري في قلب الحراك

قفز بفضله إلى الواجهة السياسية

بقلم: احسن خلاص

نحرص دائما على أن نكون صادقين مع القراء وملتزمين بحد أدنى من التناول الموضوعي للمسائل السياسية الشائكة التي صارت ترافق الجزائريين والتي زادت حدتها منذ بدء الحراك الشعبي. لكننا نعترف بالصعوبة الشديدة والمسؤولية المتعاظمة لما يتعلق بتناول مسيرة الشخصيات وتتعاظم المسؤولية أكثر عندما نتصدى للكتابة عن شخصية احمد قايد صالح، الرجل الذي أثار الجدل وأسال الحبر طيلة العام الماضي، وهو الجدل الذي تواصل بعد وفاته، إذ بقدر ما اكتسب الكثير من المتعاطفين الذين تجشموا المتاعب والصعاب لمرافقته إلى مثواه الأخير فقد أنشأ حوله خصومات ومواقف متشنجة.

لكن، ونحن نحاول أن نقترب من الحراك بإجراء قراءة في جوانبه المتعددة، فإنه لا مناص من التوقف عند الدور الذي لعبه رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي ونائب وزير الدفاع احمد قايد صالح إزاء الحراك وهو دور محوري وحساس لا يمكن الإلمام به في حلقة واحدة وقد يضطرنا هذا المقام إلى العودة مجددا في حلقة قادمة وهي الوقفة التي تتزامن مع أربعينية وفاته.

كان قايد صالح من أشد القادة العسكريين حرصا على الاستقرار السياسي. وإلى اللحظة الأخيرة لم يكن يرى هذا الاستقرار إلا في استمرار النظام أو ضمان انتقال سلس للسلطة داخل المنظومة السياسية الحاكمة في حالة وفاة الرئيس بوتفليقة أو انسحابه من السلطة طواعية. لقد تصدى الرجل بحزم لأي مقترح يسرب للرأي العام يتضمن إمكانية سحب الثقة من وزير الدفاع الوطني الرئيس بوتفليقة فقد أصدر بيانات تؤكد أن الجيش الوطني الشعبي ملتزم بمهامه الدستورية وأنه لا يتلقى الأوامر إلا من رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع وهي العبارة التي اعتاد عليها لوصف الرئيس بوتفليقة في خطاباته المتتالية بمناسبة زياراته إلى النواحي العسكرية. تلك الخطابات التي ظل يؤكد فيها أن برنامج تطوير القدرات العسكرية لقواتنا المسلحة هو تنفيذ لتوجيهات الرئيس قبل أن يتوقف حديث “القايد” عن هذا الأخير في بداية مارس من العام الماضي وهو ما فسره المراقبون بأنه استعداد لفك ارتباط قيادة الجيش به، لا سيما بعد إدراكها أن الحراك الشعبي عازم على الاستمرار في النهج ذاته وقد تبين أن مئات الآلاف الذين خرجوا في مسيرات ضخمة لم يكونوا فئة معزولة “مغرر بها”.

ولم يتوقف “القايد” عند هذا الحد فقد بدا عازما على أخذ الأمر بجد والتعبير عن العلاقة القائمة “بين الشعب وجيشه والجيش وشعبه” والإشارة إلى أن هدفهما واحد ردا على الشعار القائل “الجيش الشعب خاوة خاوة” الذي ملأ الشوارع في الأسابيع الأولى التي تلت اندلاع الحراك.

كانت الخطابات التي يلقيها بمناسبة الزيارات التي يقوم بها كل أسبوع إلى النواحي العسكرية والبيانات التي تصدر عن وزارة الدفاع الوطني المنبر الحصري الذي يعبر منه رئيس الأركان عن موقف الجيش من التطورات المتسارعة التي كان يفرزها الحراك. ويمكن اعتبار قايد صالح الشخصية العسكرية الأكثر تواصلا مع الرأي العام الوطني منذ الاستقلال بل أخرج المؤسسة العسكرية من وضع “الساكتة الكبرى” وأرسى تقليدا أسبوعيا جعل الرأي العام في انتظار الجديد الذي يأتي به خطابه كل ثلاثاء عقب مسيرات الجمعة، في شكل حوار وتبادل للمواقف “بين الشعب وجيشه”، الحوار الذي التزم الهدوء أحيانا واستحال إلى جدل أحيانا أخرى.

ويحدث أن يدلي بخطابات متممة للتوضيح أو للتصحيح بعد يوم أو يومين عندما تبين له الأصداء ردود أفعال ممتعضة من بعض جوانب خطابه السابق وحدث وأن طلب من وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون العمومي حذف مقاطع مثيرة للجدل، يخشى أن يحدث فهمها اضطرابات.

 

تصعيد ضد العصابة

في النصف الثاني من شهر مارس، تأكد فك الارتباط بين مؤسستي الجيش والرئاسة. فقد جهر رئيس الأركان في خطاب له في 26 مارس بضرورة الذهاب إلى حل دستوري للأزمة التي خلقتها المسيرات الشعبية السلمية المطالبة بتغييرات سياسية “قبل أن تستغل من قبل أطراف معادية في الداخل والخارج ذات النوايا السيئة والتي تلجأ إلى القيام بمناورات مشبوهة بهدف زعزعة استقرار البلاد” حيث لم يكن يرى الحل الأنسب، بالرغم من دعوات الطبقة السياسية إلى فتح مرحلة انتقالية، إلا في تطبيق المادة 102 من الدستور التي تفتح المجال لإعلان شغور منصب الرئيس بمعاينة المجلس الدستوري استحالة أداء مهامه أو الإعلان عن استقالته يليها تنفيذ أحكام الدستور.

استقبل شقيق الرئيس بوتفليقة ومن حوله خطاب رئيس الأركان على أنه إعلان حرب وهو ما جعله يدخل في تحركات استباقية سريعة من أجل احتواء الوضع ودخل في اجتماعات شملت رئيسي المخابرات السابق والقائم والأمينة العامة لحزب العمال من أجل التصدي لما اعتبروه مخططا لقيادة الجيش للانقلاب على الرئيس بوتفليقة واقترحوا على زروال قيادة مرحلة انتقالية لتجسيد العرض الذي تقدم به بوتفليقة عند ترشحه للعهدة الخامسة. غير أن قيادة الجيش وقفت لتلك المؤامرات بالمرصاد وأصدرت بيانا تحذيريا يوم 30 مارس من مغبة الاستمرار على هذا النهج تحت طائلة تفعيل القانون.

لقد كانت الأيام الموالية لذلك البيان حبلى بالتطورات التي كانت ترشح الجزائر على كل الاحتمالات، إذ بشهادة خالد نزار كان اللجوء إلى قمع وحشي للمسيرات الشعبية أحد “الحلول” المطروحة على طاولة بعد إقالة رئيس الأركان قايد صالح حتى أنه شاع بأن بيانا تكون قد أرسلته الرئاسة إلى التلفزيون لإعلان ذلك وهو ما جعل سيارات تابعة لوزارة الدفاع تملأ شارع الشهداء قرب مبنى التلفزيون وترسل إنذارات وتحذيرات من إيقاع البلد في وضع من عدم الاستقرار إلى أن جاء يوم الحسم في 2 أفريل بعقد اجتماع واسع أقامه “القايد” مع كبار قيادات المؤسسة العسكرية بمقر وزارة الدفاع تمخض عنه بيان شديد اللهجة ودعوة إلى التطبيق الفوري للمادة 102 من الدستور وهو ما تم فعلا باستقالة الرئيس بوتفليقة من قيادة البلاد وتوليها من قبل الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح.

وبهذا أفشل رئيس أركان الجيش نهائيا كل مساعي “العصابة” المحيطة بالرئيس بوتفليقة من أجل إيجاد مخرج يضمن لها الاستمرار، وهي المساعي التي بدأت بإعلان ترشحه لعهدة خامسة ومرت بالبيان الرئاسي لـ11 مارس الذي ألغى الانتخابات الرئاسية وأعلن تمديد العهدة الرابعة قبل أن تفكر في ورقة الرئيس الأسبق اليامين زروال. لم يكن ما سبق إلا المعركة الأولى في حرب طويلة خاضها رئيس الأركان احمد قايد صالح ومعه قيادة الجيش لتبدأ معارك أخرى سنفتح المجال لتناولها في المقال القادم فانتظرونا.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك