في هدوء ما بعد العاصفة

التطبيع العربي الإسرائيلي

بقلم احسن خلاص

كان طبيعيا ولا يزال، أن تتوالى ردود الأفعال عن الصفقة “الإبراهامية” التي عقدها الصهاينة مع دولة الإمارات، ذلك أن الشعوب العربية والإسلامية ما إن تضمد جروحها بعد مأساة إلا واستيقظت على مآسي أكبر منها وسبب الشعور بهذه المآسي يرتبط أساسا باحتفاظ هذه الشعوب بكليشيهات قديمة للعلاقات الدولية لا تزال قائمة في الوعي الجمعي العربي والإسلامي الموروث منذ الحرب الباردة وحركات التحرر وجبهة الصمود والتصدي والانتفاضة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي وحتى المفاوضات الفلسطينية والعربية مع الكيان الصهيوني وغيرها من العناوين التي طبعا ردحا من الزمن العربي. فهل أدرك قادة بعض الأنظمة العربية ما لم تدركه شعوبهم من رهانات جديدة تجعل التصورات القديمة في حكم الماضي السحيق الذي تجاوزه الزمن وقفزت عليه معطيات العهد الجديد؟

كان غرس الكيان الصهيوني في قلب الشرق الأوسط بمثابة طعنة كبرى في جسم العالم العربي والإسلامي وهبت للتصدي هبة رجل واحد جميع مكونات هذا المحور التاريخي والجغرافي في تناغم تام بين إرادة الشعوب وخيارات الحكومات ولم تختلف مسايرة الأنظمة لشعور شعوبها بالنكسة والخذلان من نظام إلى آخر ضمن حركية تحررية شاركت فيها الأنظمة الملكية المحافظة نظيرتها القائمة على إيديولوجيات الأحزاب الوطنية الواحدة التي كانت ترافع من أجل استمرار عملية تحرير العالم العربي من جميع القيود وعلى رأسها الكيان الصهيوني الذي خاضت معه “صراعا عربيا إسرائيليا” تخللته ضغوط اقتصادية وديبلوماسية وعدة حروب آخرها حرب جنوب لبنان عام 2006، وإثرها طالب أمين عام حزب الله حسن نصر الله الحكومات العربية بالاكتفاء بعدم دعم الكيان الإسرائيلي ضده دون أن يكون بحاجة إلى دعمهم له في تلك الحرب. قالها وهو يعلم جيدا أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد موجودا في أجندات أغلب الحكومات العربية.

يأتي هذا الاتفاق الجديد بين الإمارات وإسرائيل ليوصف ضمن البروباغاندا الانتخابية لترامب ونتنياهو بالاتفاق التاريخي وهو تاريخي إذ لأول مرة يتوصل إلى مثل هذه القرارات المصيرية بالهاتف ويعلن عنها بواسطة تغريدات على التويتر ويوضع له عنوان غريب اسمه “اتفاق السلام” وكأنه كان تتويجا لمفاوضات أعقبت فترة حرب بين الطرفين مثل ما حدث مع الاتفاق الذي انفرد به أنور السادات عام 1978 مع الصهاينة على حساب القوى العربية التي شاركت في حرب أكتوبر 1973 وهي التي تشكلت ضمن ما يعرف بجبهة الصمود والتصدي التي كانت الجزائر طرفا فيها. فهل اندلعت حرب في يوم ما بين الكيانين قبل أن تضطرهما الولايات المتحدة الأمريكية للجلوس على طاولة المفاوضات والتوقيع على معاهدة سلام؟ لا شيء من هذا وقع على الأرض ولاشيء بالتالي يسوغ الحديث عن اتفاق سلام بين إسرائيل والإمارات العربية. فهل هو اتفاق سلام مع العرب عبر بوابة الإمارات؟ لا يبدو ذلك. إذ لو كان الأمر كذلك لدعت أمريكا العرب جميعا إلى طاولة واحدة للتفاوض مع الكيان الصهيوني لاسيما وأنهم قدموا عرضا تاريخيا في قمة بيروت عام 2002 في ما يسمى مبادرة السلام العربية التي زكتها القمة بمبادرة من العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز وقوبلت برفض إسرائيلي حاد إذ أنها جاءت بعد قرار أحادي الجانب من قبل العرب بإنهاء خرافة الصراع العربي الإسرائيلي. لم يجد ترامب من سبيل لتضخيم إنجازه إلا بوصفه باتفاق السلام بعد اختار له بوابة إنجاز وهمي مثير للسخرية والضحك لصالح الفلسطينيين وهو دفع إسرائيل لإرجاء عملية ضم أراضي فلسطينية جديدة في الضفة الغربية.

وإن كان رد فعل القيادة الفلسطينية طبيعيا، إذ وصفته بخيانة للقدس والأقصى وفلسطين وأنه حلقة في صفقة القرن وتطبيع العلاقات مع العرب على أرضيتها، يعكس التخاذل الذي توجد فيه الحكومات العربية الواقعة تحت التأثير الشديد للإدارة الأمريكية، إلا أن الاتهام في منطق الإمارات الجديد لا يعني شيئا بالنظر إلى أن الإمارات لم تأخذ عهدا يوما على الفلسطينيين بأن لا تسوي علاقاتها مع الكيان الصهيوني وأن تجعل القضية الفلسطينية قضية مركزية ومصيرية في حياة هذا البلد. فلا يمكن أن يتهم بالخيانة إلا من وعد وأن أقصى ما كان ينتظره الفلسطينيون أن لا يتحالف أشقاؤهم العرب مع العدو الصهيوني ضد مصالحهم. غير أن هذا التحالف لم ينتظر تطبيع العلاقات بين بلدان عربية وإسرائيل ليقوم ويقضي على كل أمل فلسطيني في ما سمي بهتانا العمل العربي المشترك والقائم على أن القضية الفلسطينية “قضية الأمة العربية”.

لم يكن وضع الفلسطينيين قبل تاريخ 13 أوت 2020 أقل سوءا عما سيكون عليه بعده إذ لا يمكن اعتبار الاتفاق الإماراتي الصهيوني علامة فارقة أو مرحلة مفصلية فقد تخلى العرب عن القضية الفلسطينية من قبله بعقود ولم تعد موجودة حتى في الخطابات الرنانة المدغدغة لعواطف الجماهير، لقد ركن العرب إلى براغماتية جديدة وتصورات تجاوزت الكليشيهات القديمة بل ساهموا بنقل انقسامهم وتمزقهم إلى الجسد الفلسطيني وأنشأوا منه إمارتين واحدة في غزة وأخرى في الضفة ليحولوا ما استطاعوا دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة قبل أن يتظاهروا بالسعي نحو إصلاح ذات البين بين السلطة وحماس والتقريب بين الفصائل الفلسطينية المبعثرة على الساحة.

غير أن ما اعتبره القادة الفلسطينيون بمختلف أطيافهم ضارة قد تدفع الكيان الفلسطيني الحي إلى الانتفاضة من جديد ويبحث عن سند له لدى الحكومات المرتبطة بعقد شرعي مع شعوبها فلا يزال على الكرة الأرضية شعوب تنبض بالحياة ولا يظلم عندها أحد.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك