أي جامعة نريد؟

في ظل الدعوة إلى فصلها عن السياسة

بقلم: احسن خلاص

[email protected]

لم يتبين بعد ما إذا كانت تصريحات وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور شمس الدين شيتور بشأن منع الطلبة من ممارسة السياسة داخل الجامعة ووصفه لأساتذة التعليم العالي بأنهم مجرد أصفار  مجرد استفزازات على الهامش أم أن وزارته تعد العدة لوضع خطة لتنفيذ سياسة جديدة تجاه الجامعة.

 

في انتظار ما سيؤول إليه تصريح الوزير فإننا سنهتم هنا بالدرجة الأولى بفكرة فصل الجامعة عن السياسة وفصل السياسة عن الجامعة وترك مسألة التكوين في الجامعة لتناولها في مقام آخر. وهنا سنطرح إحدى المسائل الجوهرية والمركزية التي طبعت الحياة السياسية في الجزائر، مسألة الفضاء المناسب للسياسة أو بتعبير أدق ما هي الفضاءات غير المناسبة لممارسة السياسة؟

يقع الإجماع، أو يكاد، على أن المساجد والمقرات العسكرية والأمنية والمؤسسات التربوية  والقضائية لا ينبغي إقحامها في المنافسة السياسية ويجب تجنيبها الخوض في السياسة باعتبارها فضاء للاختلاف بينما كان ينبغي لهذه المؤسسات أن تكون فضاءات انضباط وتوحيد فكري ومنهجي وأجهزة تستفرد بها الدولة كأدوات ضبط وتنظيم للمجتمع وتوحيد للأهداف الكبرى.

غير أن الجامعة صمدت طويلا أمام محاولات ضمها إلى مجموع المؤسسات التي يشملها الوفاق حول إبعادها عن السياسة وهي مدعوة اليوم لتواصل صمودها الذي انطلق منذ السنوات الأولى للاستقلال.

لكن، كيف يمكن للصلة بين الجامعة والسياسة أن تقوم وبالأحرى ما هي السياسة التي تتناسب مع الجامعة والتي لا تتناسب معها؟  لم يفتح يوما نقاش جاد حول هذه المسائل ولم تحدد السلطة ولا المجتمع بدقة نظرتهما إلى مكانة ودور الجامعة في محيطها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهل يجب فصل الجامعة عن القضايا المطروحة وهي في جوهرها قضايا سياسية من منطلق أن السياسة في جانب هام منها تعنى بفن إدارة التغيير؟

منذ الاستقلال كان ينظر إلى الجامعة، إضافة إلى كونها فضاءً للدراسات العليا والبحث العلمي، كجهاز للتنشئة السياسية على النهج الشمولي “الاشتراكي” للدولة ومساحة رحبة متاحة للتنظيمات الجماهيرية المحيطة بالحزب الواحد أبرزها الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية وفرعه الطلابي الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين في الوقت الذي لم يتح لأي تيار آخر التواجد والنشاط إلا في حدود ضيقة جدا وتحت رقابة أمنية شديدة لاسيما المجموعات التي تنتظم حول التيارات الشيوعية والبربرية والإسلامية والتي بدأت تغزو الجامعات القليلة بقوة وتعلن فيها حرب مواقع لاستقطاب طلبة جاءوا من كل ولايات الوطن.

لقد كانت جامعات قسنطينة ووهران والجزائر مثلا أقطابا ومساحات للتجمع وفتح جبهات صراع منقول من داخل المجتمع حول اللغة والدين والهوية والنهج الاشتراكي والغزو الثقافي الغربي وغيرها. ثم انضمت إليها جامعة تيزي وزو وجامعة بجاية لتشكل هي الأخرى ساحة لمعارك إيديولوجية لم ترق إلى درجة الالتئام حول برامج لتكتلات أو تنظيمات سياسية في وقت أحكم فيه الحزب الواحد قبضته وأغلق الأبواب أمام الرهانات السياسية الأخرى.

وجد الانفتاح الذي حدث بعد أكتوبر 1988 الجامعة جاهزة لخوض معارك جديدة أكثر ضراوة لاسيما وأنها خرجت للسطح جهارا لتتخذ منها التيارات السياسية لاسيما تلك التي أتيح لها الخروج من السرية منابر مناسبة للتنافس السياسي.

ولم تكن الجامعة الفضاء المناسب لممارسة السياسة فحسب بل كادت تكون الفضاء الوحيد لها فقد انخرط الآلاف من الطلبة في الأحزاب السياسية الناشئة واستقطبت الأحزاب الإسلامية والعلمانية أكبر عدد منهم يتجاوز بكثير ما استقطبه حزب جبهة التحرير الوطني خلال عقدين من الزمن حيث انتظموا في منظمات طلابية جديدة ظاهرها الدفاع عن حقوق الطلبة وتحسين وضعيتهم الاجتماعية والبيداغوجية وباطنها تشكيل فروع وامتدادات للأحزاب السياسية داخل الجامعة.

كان الشأن السياسي يرافق الطالب من مدرجات الجامعة إلى غرفة نومه بالحي الجامعي وهي الفضاءات التي احتلها العمل السياسي واستباحتها الأحزاب التي صارت تستضيف مسؤوليها لتنشيط ندوات داخل الحرم الجامعي فقد نزلت بمدرجات جامعة الجزائر شخصيات سياسية من أمثال عباسي مدني وحسين ايت احمد واحمد بن بله ومحفوظ نحناح وسعيد سعدي كما امتد الإضراب السياسي العام الذي أعلنته الجبهة الإسلامية للإنقاذ في 1991 إلى الجامعة وكاد يشلها بشعار “لا دراسة لا تدريس حتى يسقط الرئيس”.

وبعد أن سقط الرئيس ودخلت الجزائر في دوامة سياسية وأمنية دموية تراجع عنفوان الحياة السياسية بالجامعة وتحولت النضالات السياسية للطلبة والأساتذة إلى نضالات نقابية تجسدت في شل الجامعة الجزائرية لأشهر عدة بمناسبة إضراب النقابة الوطنية لأساتذة التعليم العالي عام 1996 وإضرابات أخرى كان يشنها الطلبة للمطالبة بتحسين الظروف الاجتماعية والمادية في وقت دخلت فيه الدولة في أزمة أمنية واقتصادية لم يسبق لها مثيل.

غير أن الجامعة لم تشهد حصارا وتدجينا كما شهدته في عهد بوتفليقة فقد كانت عين مستشاره وشقيقه السعيد حريصة على أن لا تكون الجامعة مهدا لأي حركات مناوئة للسلطة وهو الذي خبر الجامعة حيث كان أستاذا وعضوا في نقابة الأساتذة التي نشطت بقوة وسط التسعينيات. فقد أدخل الجامعة في سبات عميق لم تفق منه حتى عند اندلاع الثورات العربية.

غير أن تنامي وسائط التواصل الاجتماعي جعل الجامعة تعرف عهدا جديدا من مقاومة الحصار المضروب عليها إلى الحد الذي جعل وزير التعليم العالي الطاهر حجار يدق ناقوس الخطر ويصدر تعليمة صارمة لمنع النشاط السياسي داخل الجامعة وهو الذي جمع التنظيمات الطلابية بمقر حزب جبهة التحرير الوطني لمساندة ترشح الرئيس فيما أسماه جمال ولد عباس “جيل بوتفليقة”

ها هو اليوم “جيل بوتفليقة” ينقلب عليه وعلى نظامه كل يوم ثلاثاء وصارت الجامعة مقرا لقيادة أركان الحراك الشعبي قبل أن يأتي الوزير الجديد ويحاول إعادة العداد إلى الصفر بمنع ممارسة السياسة داخل الجامعة التي هي فضاء للنقاش الحر من دون أن يتحول إلى منبر للخطاب الحزبي.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك