في سجاله من أجل الإصلاح الدّيني والاجتماعي

محمد صالح ابن مهنا

بقلم: محمد بسكر

الشّيخ محمّد الصالح بن مهنا فقيه مدينة قسنطينة وأديبها، وأحد رواد النهضة الفكرية مطلع القرن العشرين، أخذ تعليمه بجامع الزيتونة ثمّ انتقل إلى الجامع الأزهر فدرس على أجلّة من شيوخه، ليرجع إلى بلدته ويلتزم التدريس بالزاوية الحنصالية، كان يؤمن بالطّريقة الصوفية المبنية على الزهد والمجاهدة، وقد أظهر في وقته نزعة إصلاحية انطلاقا من الزاوية التي رابط للتدريس فيها.

يعتبرمن أشد العلماء خصومة للطرق المنحرفة، رغم اشتهاره بالتقديم في الطريقة الحنصلية، المنسوبة إلى الشيخ يوسف الحنصالي، وهي من فروع الشاذلية، ظهرت بقسنطينة واشتهر من شيوخها أحمد الزواوي، المعاصر لأحمد صالح باي، ومن علمائها المؤرّخ أحمد المبارك بن العطار، صاحب النظم المعروف بـ” نصيحة الإخوان” في أصول التربية وآداب السلوك، وهو النظم الذي شرحه وعلق عليه محمد صالح بن مهنا في رسالة  سماها “فتح الرّحيم الرّحمان بشرح نصيحة الإخوان “،طبعت بالمطبعة البارونية بمصر سنة 1312هـ /1894م. ولاشك أنّنزعته الإصلاحية هي وليدة ما تلّاقاه في الأزهر، حيث تأثر بمن عاصرهم من العلماء، أمثال محمد عبده ومحمد رشيد رضا، ويمكن القول إنّه من أوائل دعاة التجديد، ممّن مهدوا الطريق إلى الحركة الإصلاحية التي تطورت مع بداية نشاط الشيخ عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة غداة تخرجه من جامع الزيتونة سنة 1913م. ومواقف ابن مهنا من البدع والخرافات التي شوّهت( التصوف السني) وأساءتإلى الزوايا التي في أصلها هي رباط للتعليم والتربية والجهاد، لفتت إليه أنظار خصومه المستفيدين من مظاهر التصوف الخادعة، وقد أشار الأستاذ مالك بن نبيإلى صدى دعوته في قسنطينة،فقال:« إنّ مناجاته الفردية للضمير كادت أن توقظ أهلها سنة 1898م، فكان من طليعة المصلحين، إذ قام قومةً مباركة ضد الخرافيين، فعملت الحكومة الفرنسية -الساهرة على الهدوء – على إبعادهوصادرت مكتبته التي لا تقدر بثمن». ويذهب الشيخ المهدي البوعبدلي في مقال كتبه عنه  إلى أنّه من دعاة السلفية في الجزائر، ومقصوده أنّ فكر حركته التجديدية نابع من دعائم الإسلام (الكتاب والسنة)، لأنّ دعوته المحلية للإصلاح بقيت مقيدة بمشربه الصوفي الشاذلي الذي نشأ عليه، وقراءة متأنية لتراثه العلمي تبين أنّه « كان مصلحا معتدلا، برز ذلك في مؤلفاته التي جمع فيها بين الحديث والتصوف وتحرير العقل». 

رصيد الشيخ ابن مهنا من المؤلفات يزيد على الستين كتابا، نال منها علم الكلام والتصوف الحظ الأوفر، وله في الأخير رسائل متنوعة ردّ فيها على منتحلي التصوف، وخاصة أدعياء الشرف والانتساب إلى بيت النبوة، فهويرى أنّ هذه الظاهرة استفحلت داخل المجتمع في العهد العثماني، ممّاأدىإلى فوضىالانتساب، فأصبح النسب الشريف مطيةتجميل للواجهة الاجتماعية، وذريعة للوصول إلى مآرب سياسية، وهي ظاهرة تستدعي الدراسة، تحدث عنها في حاشيته على رحلة الشّيخ حسين الورثيلاني” نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار “،(طبعت بتونس،سنة 1321هـ/1903م)،حيث أكد أنّ الشرف لايثبت بالدعوى، وأشارإلىأنّ عائلات كثيرة في العهد العثماني، كانت تدفع للقاضي ليكتب لهم شجرة الانتساب إلى بيت النبوة، للتخلص من ظلم الأتراك، أو التهرّب من الضرائب، وتكلم بإسهاب عن تزوير النسب، وأوردأمثلة تاريخية عن ذلك، فانتحال الشرف أمر شائع بين أوساط العامّة، ومن القضايا الشائكة التي كانت مثار الجدل بين أطراف متعددة منذ القدم،« وقد وصف ديبونوكوبولاني ابن مهنا، بأنّه (رجل دين، عميق الديانة)، وأنّه كَتب على هامش أحد الكتب (رحلة الورثيلاني) التي تتحدث عن الأشراف بأنّ الشريف الحقيقي هو الذي يخشى الله، أما الشريف المزيف كالذي يرتكب الجرائموالسرقات، فلا يستحق أي تقدير».

وقد أثار تعليقه على الرحلة،وآراؤه الإصلاحية انتقادات خصومه في قسنطينة، وخاصة الشّيخ عاشور الخنقي،المعروف بغلوه في مدح الأشراف،فتلاسنَ مع ابن مهنا، وهجاه بعدة قصائد، منها قصيدة “ترقيص الأطفال” وصفه فيهابالانحراف عن الدّين، وبالقرمطي، واليزيدي، ونحو ذلك.وتوسّعت دائرة النقد التي تعرض لها ابن مهنا، فلم تقتصر على بعض علماء الجزائر، بل استعان خصومه بالعالم المغربي ” المهدي الوزاني ” الذي زار قسنطينة سنة 1323هـ/1905م، واجتمع بأعيانها وفضلائها، فأخبروه بأنّ رجلا عندهم يزعم أنّه من أهل التصوف، يسب الأخيار ويُنقصهم، وأطلعوه على ما كتبه على هامش رحلة الورثيلاني، فألّف في ذلك رسالة سماها ” السيف المسلول باليد اليمنى لقطع رأس ابن مهنا” انتقده فيها، وخاصّة في المقالة الثالثة في انتقاد علماء المغرب، وقد عضده في ذلك علماء المغرب الذين قرظوا رسالته، أمثال محمد بن مصطفى الحسني المشرفي، وأحمد سكيرج، وعبد الرحمن ابن زيدان، وعبد السّلام بن محمد الحبيب العلوي وغيرهم.

 والشيخ المهدي الوزاني رجل فقيه صوفي، تولى منصب الإفتاء بالمغرب الأقصى، وبحكم منصبه السامي، له مكانته العلمية في الوسط المغربي، الذي جلّ تركيبته السكانية تعتقد في الأشراف، وتدّعي الانتساب إليهم، ولا أظن أنّ الشيخ المهدي الوزاني يخالف ابن مهنا في تشخيص ظاهرة الادّعاء المتفشية، أو في إنكار البدع والخرفات التي تلبّس بها بعض أهل الطرق، ورسالته التي عنون لها بالعنوان السّابق الذكر، تدل على فكر عنيف مستهجن، لا ينبغي أن يصدر من شيخ عُرف بسعة فقهه، ولا  يمكن تسويغ ما تضمنته إلّا كونه ردةُ فعلٍ لكلام ساقه ” ابن مهنا” في حاشيته، أثار حفيظة الوزاني،لم يوفّق ابن مهنا في اختيار ألفاظه، ولا فائدة ترجى من إيراده، عندما قال معلقا على الورثيلاني:« ولقد صدق الشيخ – أي الورثيلاني- فصار المغربيّ منسوبا عند المصريين إلى الدّجل والشّعوذة والسّحر، حتّى قال بعض العلماء: جميع ما ألفه المغاربة من الكتب، يفوقه  ما ألفه عالم واحد مصري، وهو الإمام السيوطي، ما عدا كتب السحر والشعوذة، فانّهم ألفو منها كثيرا، وملؤوا بها الأرض».

أمّا الذي قاد حملة ضد فكر ابن مهنا داخل البلاد، فهو الشيخ عاشور الخنقي، وخاصة بعد أنألّف ابن مهنا رسالة صغيرة أثبت فيها بنصوص الكتاب والسنّة أنّ الشرف لا يغني عن العمل شيئا، سمّاها ( تنبيه المغترّين والردّ على إخوان الشياطين),والشيخ عاشور المنتمي إلى الطريقة الرحمانية، هو شاعرُ عصره في المديح والهجاء، ومن أفذاذ العلماء الممتازين، وإمام من أئمة اللّغة، ضليع في علومها،  كما قال المهدي البوعبدلي، غير أنّه رجل مِجدَالٌ، ذلق اللسان، ماحك جميع علماء عصره، كالشيخ ابن مهنا، والمجاوي وابن الموهوب والديسي، وكان إنتاجه القلمي نظما ونثرا يصبّ حول الدفاع عن الأشراف وإظهار محبتهم،فقد رأى في رسالة الشيخ ابن مهنا (تنبيه المغترّين)، وفي حاشيته على رحلة الورثيلاني، انتقاصا من حقهم، فألّف في ذلك ديوانا سمّاه ” منار الإشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف”،نشره سنة 1914م، أظهر فيه نقدا لاذعا، خرج فيه عن نطاق الأدب، وعرّض بابن مهنا في مقدمة كتابه، ومع أنّه أتى في ديوانه من البلاغة وحسن سبك الألفاظ، مآتٍ لايجاريه فيها إلّا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، غيرأنّه لبَّسَ بكتابه على العامّة، فوقع في مطبات تاريخية وشرعية لايقع فيها عادة إلّا قليل العلم.

اطّلع الشّيخ محمّد بن عبد الرحمن الديسي، – وهو عالم صوفي، رحماني الطريقة-على تأليف عاشور الخنقي، فلم ترضه السفاهة التي حشا بها كتابه، فرأى فيه غلوا وتطرفا، ينتقص من حقّ الأشراف، فرد ّعليه في رسالة سماها” هدم المنار وكشف العوار”، وقف فيها موقف المدافع عن آراء الشّيخ ابن مهنا، وممّا جاء فيها:«وقد وقفنا على كلام ابن مهنا الذي تحامل عليه هذا التحامل، فما رأينا فيه إلّا نصح الأشراف،وحضّهم على الأعمال».وقد أعجب الشيخ عبد الحميد ابن باديس بالنقد الذي أورده الديسي في رسالته، ولما وصل الأخير موقف ابن باديس من  كتابه، رد عليه برسالة أبدى فيها سعادته بنصرتهلآرائه ، فقال: «وقد بلغني نصرتك للنقد، الذي ما قصدنا به إلّا نصيحة الشرفاء وعوام المسلمين الذين وصلهم كتاب عاشور».

إنّ تراث الشيخ ” محمد صالح بن مهنا” ما زال في حاجة إلى البحث والتنقيب، وحياته الاجتماعية والعلمية تلفّها الندرة والغموض في كثيرمن جوانبها، رغم أنّه حظي بدراسة وافية من طرف الأستاذ سليمان الصيد (رحمه الله)، أورد فيها ما تركه ابن مهنا من تراث، لم يُنشر منه إلّا القليل، لتبقى معظم أعماله حبيسة الأدراج، إن لم أقل أنّها في حكم الضائع، وقد تأسف الشيخ المهدي البوعبدلي في آخر مقاله عن ” ابن مهنا”، عن ضياع آثاره ومؤلفات غيره من علماء قسنطينة، فقال:« وقد اشتهرت قسنطينة بخزائن الكتب التي قلَّ أن يُوجد نظيرها في بلاد المغرب العربي، وتوارث علماؤها وأبناء أُسرها تلك الخزائن، وأين هي الآن ؟ وماذا استفاد منها أربابها، أو استفادته البلاد من ذلك التراث، اللّهم إلّا ما يعثر عليه في بعض أسواق الخردة، وما لنا نذهب بعيدا، وقد اطّلعت بنفسي على بعض كتب خزائن المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس، عليها خطّه وخاتمه بيعت بدورها في أسواق الخردة، والبلاد تتنعَّمُ بحرّيتها واستقلالها».

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك