في تحوير النضال إلى الهوية الفردية

رسالة إلى صديق أمازيغي

بقلم: الوليد فرج

قد يتراءى للبعض أن من ثمار الحداثة ، تحرير الفرد و الجماعة من أغلال سلطة المقدس و نوافذ الكهنوت و أغلال السيد ، و إشراك خطاب السياسي ، لكننا نرى أن هذا ما هو إلا مفهوم التحديث و تجلياته ، بينما الحداثة هي ذلك الكل المركب الذي يتجه بالإنسان كجوهر و هدف إلى تحقيق ذاته كما يصبو إليها وسط المجموعة ، ومع هذا المفهوم الأولي وجب إعادة النظر في عدة مفاهيم ، في ضوء التحرر الحداثي و أبرزها قيمتا الاستقلال و الفردية ، اللتين بعثتا مفهموم جديد للهوية.

لعل أفول قيم الارستقراطية القائمة على العائلية و الانساب و الألقاب مما أدى إلى انبجاس الوعي بالذات الفردية ، التي كانت محور حركية فلسفات التنوير و التي بقيت في تفاعل مستمر تتخالق أفكارها ، بتوفر أضدادها من أفكار داخل المجتمع كالتعصب الأعمى لنص أو جهة أو إثنية أو لأصول متحجرة ، بدغمائية عمياء أو لسلطة تراتبية بطرايركية اجتماعية يقابلها العداء للآخر .

إن بذور المتغيرات السلمية النظيفة البعيدة عن الإقصاء المتبادل أو المبنية على المظلومية أو الأحقية أو الشرعية التاريخية و احتكارياتها ؛ تفرض اليوم التنوير باختلاف أشكاله و تجلياته و مجالاته كضرورة ملحة فكريا و سياسيا و اجتماعيا و إبداعيا خصوصا مع انفجارات تداولية العالم السيبراني السيال .

إن القول بوصف التنوير كنتاج للعقل الفلسفي وهو في أسمى تجلياته العقلانية بدأت في القرن 18 في أوروبا و ارتبطت بمجموعة مت الفلاسفة على رأسهم فولتير و ديدرو و روسو و كانط و شيلخيل و جون لوك و غيرهم (انظر مقالاتنا : الإنصات لنجوى الغرفة الخلفية للتاريخ) ، أن نجاح أفكار هؤلاء الفلاسفة كان على يد حركات اجتماعية و سياسية آمنت بها و بمبادئها المؤسسة على أولوية العقل في مواجهة قوى القمع و التعصب و الظلامية و البربرية و الخرافة. ليبقى الفكر التنويري مستمرا مادام العقل لا ينفك في النزوع إلى النور .

يبقى أُس التنوير هو الحرية الفردية و تحرر العقل من القيود التراثية و الاجتماعية التي تحكمه (الذات التراثية) و لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا في ظل دولة مدنية التي يجب إن تتعدى الشعارتية و الانبثاق كردة فعل أو صدى لأي جهة كانت . فالملاحظ أن أزمنة تحرك فكرة الدولة المدنية عندنا لم تكن إلا شعارات مضادة لنشاط سياسي مغاير . لتتشكل ملامح باهتة لإيديولوجيتين تجنحان إلى التنابذ إلى يرجع إلى انعدام التأسيس الايديولوجي الحقيقي و الافتقار إلى المرجع الذي في الغالب يؤدي إلى التيه الفكري الذي يدفع إلى التعصب و إقصاء الآخر .

إن الإسلام في تطوره من النشأة الى الاكتمال لم يأت بسلطة دينية كهنوتية في نصوصه كما كانت سلطة الكنيسة حتى قبل صلح الحديبية ، وهذا ماوقد أكده محمد عبده أن الإسلام هدم السلطة الدينية و محا أثرها و يرى محمد عبده أن هذا المنهج من الأصول الأساسية للإسلام مؤكدا أن الإسلام هو دين العلم و المدنية و العقلانية وهذا ما ذهب اليه في جداله الشهير مع فرح أنطوان سنة 1902 قبل وفاته بثلاثة سنوات و قبل ميلاد حركة الإخوان المسلمين بـ : 26 سنة بتمام أيامها .

مما لا يتسرب له الشك أن محمد عبده استمات في الدفاع عن فكرة السلطة المدنية ، إلا بعد إقراره بأنها نقيضة للسلطة الدينية .

وفي محاولة استبطان فكرة السلطة المدنية و تبيئتها الفكرية لدى محمد عبده نجدها لا تخرج عما نسميه الدولة المدنية ، فلم يكن محمد عبده بعيدا عن أستاذه الأفغاني الذي استعمل التقابل نفسه لكن في التمييز بين ما اسماه السلطة الزمنية و السلطة الروحية مؤكدا أنه إذا سار الدين في الغاية المقصودة منها وهي العدل المطلق حمدتها السلطة الروحية و شكرتها بلا ريب و لا تتنابذ هاتان السلطتان إلا إذا خرجت إحداهما عن المحور الملازم لها و الموضوعة لأجله .

إن هذا المفهوم التقابلي التكاملي ذا اللاارتباط الوظيفي الذي وضعه محمد عبده مستنيرا في ذلك بأفكار أستاذه جمال الدين الأفغاني ، نعتبره أحد الأصول المهمة التي نؤمن بها و تدعو لبناء أي اجتهاد في فهم و بناء الدولة المدنية مع تعميق النظر في مستجدات و تطورات أوضاعنا و اخذ بعين الاعتبار أدواته المستجدة و معانيه الحديثة و مفاهيمه الجديدة المتشكلة عبر التراكمات المعرفية ، لا سيما ما وردنا من فكر الأنوار الفرنسي الذي أدى إلى نوع من الاستلاب ، يستوجب البحث من جديد على آفاق حداثية من صنع محلي ، بالرجوع إلى تكوين الفرد و تحريره من (ميتافيزيقا الوجود)(اللاهوت الطبيعةالتاريخ) . مما يضعنا أما تحدي جديد : كيف نعيد تمثل أنفسنا و ذواتنا الجديدة على ضوء أفكار الجديدة. لمنجزات الحداثه الفكرية؟ و فلسفة الكوجيطو ؟ وما هي الآليات الأقدر على فهم ذواتنا المتحررة؟ هل هي ثمرة العقلانية الاداتية المطبقة في علوم المادة؟ أم هي نتاج المناهج التأويلية؟

و تلخيصا لهذا المحور المركزي أدعو إلى التركيز مع التجاوز لحظة الوعي في اكتشاف فضائل الوجود الطبيعي وإنما في الإقرار بأن لحظة الوجود الطبيعي هي لحظة وجودنا البدني في العالم وهي لحظة لا تقل تعبيرتها أهمية عن تلك المتعلقة بوجودنا الثقافي و المدني.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك