في الملهاة الكبرى.. الجدل البيزنطي من جديد

الخطر

بقلم: صالح عوض

عندما يصاب المرء بالدوار فيما هو يقف على حافة الهاوية فإن احتمال سقوطه قريب.. وعندما تصاب أمة بالجدل فيما لا يسمن ولا يغني من جوع فيما هي معرضة لمخاطر الحريق الذي يأتي من أطرافها فإنها بكل بساطة تكون قد دخلت دوامة الضياع..

في أوربا وفي أمريكا يعلو الصوت ان الإنسان هو القيمة العليا ويحاولون قدر الإمكان تجاوز إثنياتهم العرقية والمذهبية واللغوية ويتحركون لإدارة واحدة ونظام حكم يلتزم بقوانين وتقاليد تعتبر كل من تجاوز السوية عنصرا لابد من معاقبته أو إبعاده عن دوائر صنع القرار.. بمعنى المفهوم الإسلامي يعتبرونها”جاهلية”.

هي القوانين نفسها والسنن ذاتها التي تتحكم في بناء المجتمعات وصناعة الدول وإقامة العمران أو زوال ذلك.. تسري صلاحيتها في المسلمين وغيرهم وهي لا تحابي أحدا.. ولعل أول دلائل زوال الملك والحضارة انتشار روح العصبيات داخلها

  • سنّة الانتصار:

بنظرة تأملية لنشوء الحضارات وعلو شأن العمران لاسيما الاسلامية والغربية المعاصرة والسوفيتية.. وبتامل الثورات المنتصرة والنهضات المدنية العملاقة في كل الازمنة نجد أنه هناك سنن مشتركة أولها سيادة قيمة الوحدة والتعاون والتكامل وفي ظل هذا الصعود الحضاري الذي تعيشه أمة ما تصبح التفرقة والتعصب لعرقية أو اجتهاد ما عبارة عن تطرف مذموم أو عنصرية مرفوضة او جاهلية نتنة.

وفي تاريخنا الاسلامي الممتد عبر قرون عديدة تبرز تلك السنن كما لم تبرز في حضارة أخرى.. ففي مطلع نهضة الأمة وسيادتها كانت الحرب شرسة ضد عصبيات الجاهلية ونعرات التفاخر بالاباء والاجداد وقد اطلقها الرسول صلى الله عليه واله وسلم مدوية: “أنا جد كل تقي ولو كان عبدا حبشيا” فتقدم بهذا المعيار الجديد صحابة كرام مثل صهيب الرومي وسلمان الفارسي و عمار وياسر وبلال الحبشي عن كثير من الصحابة الاخرين من أصل عربي.. 

لقد كانت معركة القيم هي المعركة الاعمق والاكثر اهمية في مطلع نهضة الامة و في ميدان هذه الحرب لم يجامل الرسول صلى الله عليه واله وسلم أحدا أبدا فلقد قرع بعض صحابته ومقربين منه عندما انتابتهم لوثة جاهلية بلجوئهم الى معيار العرقية والجهوية واللون.. ولازال القران يتنزل في المؤمنين يحررهم من المشاعر الدونية والمرتكسة الى معيار التفاضل على غير ميزان الحق والتقوى وفعل الصالحات..

وهكذا لم تستطع النهضة الامريكية ان تقلع من تيهها وان تمخر عباب الاطلسي نحو العالمية الا بعد أن خاضت غمار المواطنة وكرست حياة مدنية رغم ما بذلته من دماء غزيرة وصنعت وحدة مجتمع مكون من عرقيات والوان عديدة ومختلفة.. والى حد كبير لم يصبح شأن للشيوعيين السوفيت الا عندما تمكنوا من اقامة مجتمع من عدة اعراق ولغات واديان وجعلت لهم ناظما واحدا حول فكرة محددة ومنعت عليهم أي دعوة عرقية وطبقية ولونية.. وبهذا استطاعت الامبراطورية السوفيتية ان تشمل العديد من الامم والشعوب العريقة وان تصنع نهضة صناعية وعمرانية عملاقة..

وفي الثورات يمكن أيضا اكتشاف نفس السنة الماضية ولعل ثورة الجزائر المنتصرة ابرزت قيمة الوحدة بين جهات الوطن ومكوناته فذابت جميعها في هوية واحدة هي الوطنية المكافحة فكان الوطن هو الاسم والعنوان ومضت الثورة في هذه السنة الى نهايتها فرفضت التحزب او أي شكل من أشكال التوزع والتمزق فانصهر الجميع بلغة مشتركة وهم مشترك ومشاعر مشتركة وانتماء واحد فكان النصر العظيم.

ويكون لهذه القيمة فعلها الايجابي عندما يسيجها القانون االحازم.. فعندما يصاب القانون بالعطب او الانحياز تنقلب قيمة المواطنة والسواسية الى انحيازات عصبية تورث الاحتقان كمقدمة للانشطار والتمزق.

عوامل الانهيار:

يقول الله عز وجل: “ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..” انه قانون لايتبدل ولا يتحول في كل الامم والحضارات.. ان التنازع الداخلي في ممالك المسلمين كما هو التنازع في الاتحاد السوفيتي وكما هو التنازع الداخلي الان في الولايات المتحدة الامريكية هو النار التي يسبق لهبها دخانها..

ولقد أصاب الاستاذ مالك بن نبي عندما اعتبر موقعة صفين بداية الشرخ الذي اصاب وجدان الامة وضميرها واعلن عن بداية توقف دفعها الروحي.. و لقد سبق ان نهر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الاوس والخزرج ان يتناقشا في صراعها السابق ودفعهم بقوة وحزم الى تجاوز تلك المرحلة للتداخل والانصهار في تكوين جديد اسمه المسلمون.

وفي القرون الاخيرة أطلت عنصريات متنوعة في مشرق العرب ومغربهم.. ولقد ولدت كل دعوة ردة فعل في المقابل فكانت الدعوات القومية والنزعات العنصرية فلقد كانت الشعوبية التي حركتها احقاد وروح انتقام في بعض الشعوب ضد العرب الذين انسحبوا من قيادة الحضارة الاسلامية مع سقوط الخلافة العباسية.

تناوبت على قيادة الامة مشرقا ومغربا شعوب عدة وكانت قوة السلاح وفتوة العصبة الحاكمة تغطي عن عجز روح التماسك الاجتماعي كما كانت الحروب الخارجية قادرة على تاجيل الحديث عن الاستحقاقات الداخلية.. الا ان روح الانشطار والانشقاق والاحتقانات العرقية والمذهبية كانت تسري تحت الغطاء محدثة دوائر مظلمة من الصعب مناقشتها.

في خاتمة المسيرة الاسلامية برزت قرون الشيطان في دعوات الجاهلية الحمقاء ببروز القوميات التركية والعربية والكردية والفارسية وتطاحنها في معارك عنيفة كان لها من النتائج الدامية ان كرست حالة التمزق داخل الامة وقدمت ارض الامة لقمة سائغة للاستعماريين الذين لم يقفوا متفرجين على التصارع الداخلي في الامة بل قدموا له مبرراته من خلال دور المستشرقين الذين قدموا روايات مختلقة لتاريخنا ربوا تلامذتهم عليها فاصبحت لدينا نخب ثقافية تلوك مصطلحات المستشرقين الموغلة في تحريك النعرات العرقية والطائفية.

ما أصاب امتنا في ظل العرقيين كان كالنار في هشيم تاتي على كل شيء.. فاصطبغ كل شيء في حياتنا بالعرقيات والطائفيات ودخلنا في دوامة الجدل البيزنطي، وفي ظل هذا المناخ الملبد بالكآبة كانت العنصرية القاتلة وكأن كل أبناء عرقية هم المعنيون فقط بالسيادة على العالم و أنهم هم فقط من يمتلك من سمو الاخلاق ونبل الهمة وسمو الشأن ما يؤهلهم ليكون العالم كله لديهم عبيد وتبع.. ويتمادى بعض أبناء العرقيات المغلقة في رفض الآخر وطرده من حيز الحياة.

انني احيل الموضوع الى دراسة نفسية اجتماعية لكي نكتشف الى أي مدى خربت هذه الدعوات نفوس البشر وجعلتهم في حالة تيه ودوار مغرقين في التآكل الذاتي، و في حمى تلك العملية التمزيقية يبحث كل أصحاب عرقية عن ميزات تفصلهم عن المجموع وينسى الجميع أنه لم تحقق أي عرقية من تلك العرقيات مجدا لها أو سموا الا عندما كانت منصاعة لمنهج الامة ورافعة لوائها ومقدسة لقيمها.. فالعرب والبربر والكرد والترك والفرس لم يسودوا الا بالاسلام الذي رفع من امامهم كل العوائق عن التقدم وازاح كل الحواجز لان الاسلام لايقر باي تمايز الا على أساس التقوى أي مصلحة العباد.

ومن أساليب الحكام الفاسدين أنهم يضربون المجتمع ببعضه وانهم يظهرون لكل مكون من مكوناته انه مهدد من قبل المكونات الاخرى وينفث بفتنه داخل المجتمع لايصال الحال الى التوتر والشك والتنافس الداخلي فينصرف المجتمع جملة عما يحييه وينخرط في جدل بيزنطي حول الهوية والعرقية وهه المعركة لا تتوقف عند حدود.

في الأمة وفي الوطن الواحد تصبح إثارة الفتنة بين المكونات سبيلا لاستمرار الحكم والتسلط على عباد الله وهناك وسائل عملية يقوم بها الحاكم الفاسد تتمثل بابراز فضائل لجهة على اخرى أو منح جهة دون اخرى مصالح اضافية مما يكرس عملية مركبة في البلد بحيث تصبح الفرقة المتنعمة بمزايا اضافية في حال الدفاع عما نالته وتعتبره حقا ينبغي عدم التنازل عنه فيما يحرك الحقد الفرقة الاخرى تترصد الدوائر للفتك بالاولى، وهكذا يتم توفير جو الشحناء وإشغال المجموع بقضايا داخلية وتتجه نخب هذه الفرق  الاجتماعية والطائفية الى صياغات ثقافية لابراز المميزات لكل فريق لنجد انفسنا فيما بعد اننا امام امم متناثرة.

كما انهارت الامبراطورية الرومانية وكما انهارت ممالك المسلمين في الاندلس وفي بلاد العرب والمسلمين جميعا هاهي الولايات المتحدة الامريكية بعد الاتحاد السوفيتي تسير نحو الانهيار والسنة الالهية نفسها تتحرك في الجميع كعامل مشترك في انهيار الحضارات والممالك الكبرى.. ان الانشغال بابراز العرقية والطائفية لا يقود الا الى التمزق والفشل والاندحار.

الطريق للخلاص:

لم تصب أمة بشئ أسوأ من الجدل المقيت في ما لا فائدة والقيل والقال حول هويات الامم والاقوام ومميزاتها ففي هذا يجنح الخيال وتتضخم الاوهام وتتحرك نوازع الشيطان تحرك النفوس استنفارا وحقدا وتخريبا للروح والوجدان الانساني.

ولعلنا أصبحنا الان اكثر ادراكا ان التخريب المتواصل في مجتمعاتنا ليس فقط بفعل الجهل والارتكاس الجاهلي الناتج عن التخلف والانزواء انما وهذا هو الاخطر من خلال متابعة دؤوبة من قبل الاستعماريين الذين يسعون بقوة الى اشغال مجتمعاتنا بنفسها لكي يخلو الميدان لتحرك القوى المرتبطة للوصول الى قيادة المجتمعات العربية والاسلامية.

ولمواجهة هذا الخلل المحتمل والشر الخطير تبرز قيمة الدعوة المستمرة لاعلاء شأن القيم الايجابية التي توحد المجتمعات وتحمي النهضة والحضارة وأولها قيمة الاصل الانساني وقيمة السوية بين الناس اجمعين وقمع القيم السلبية المفرقة والعنصرية والتي تتسرب بخطورة في لحظات سهو تاريخية او وعكات صحية تعيشها الامة.

ولايكفي العمل على الدعوة الى تلك القيم الايجابية انما لابد ان يصاحب ذلك قانون حازم يمتلك من النفاذية مايجعله فوق الجميع لانجاز السوية بين الجميع وردع الطاغين بغض النظر عن جهاتهم وعرقياتهم وطوائفهم وان يمنح الجميع الحقوق نفسها بلا محاباة او انحياز.

وهذا جنبا الى جنب شق الطرق الحقيقية للمجتمع في الصناعة والتجارة والعلم كي يبذل جهوده فيما ينفعه ويتم تحريره من جدل التيه والشتت وان يجعل ذلك كله تحت طائلة القانون.. وهذا يعني بوضوح ان السكوت عن الدعوات العنصرية والعرقية والطائفية انما هو من فعل الشيطان والاستعمار ولهذا فان التصدي الحازم لها لقمعها بقوة القانون انما هو من صميم الايمان بوحدة الشعب والواجب نحو سعادته والعمل الحضاري لنهضته والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك