في الغرب ثقل إسلامي مهدور الطاقة.. فمن ينتبه؟

بمناسبة اليوم العربي للمسرح

بقلم: صالح عوض

لماذا تظل المعادلة الصفرية حكما في علاقة الشمال بالجنوب؟ ملايين المسلمين في أوربا وأمريكا كتلة حقيقية في مجتمعات ارتضت لنفسها منهجية ديمقراطية في الفعل السياسي تعتمد على قيمة صوت الناخب.. 

في مواجهة منهجية الشيطنة والاستفزاز والتجهيل والتهميش تنشأ روحية الانتقام أو التبعية أو الانبهار أو الدونية من موقع إلى آخر..؟ في الغرب ملايين المسلمين والعرب يخوضون لجي التحديات الثقافية والسياسية موزعين بين حنين لماض يكلفهم الكثير وبين انجذاب واقعي  لحياة مدنية يرون فيها نقيض انتمائهم.. فماذا يمكن أن تقوم به هذه الكتلة المعذبة المقطوعة والمتروكة لمصيرها المتدحرج على واقع التمزق النفسي والروحي؟ هل من وزن لهذه الكتل ودور في توجيه مجتمعاتها لصالح السلم العالمي وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟

العلاقة المشوشة:

من أسوأ الأفعال وأكثرها فشلا وجلبا للهزائم تلك التي تأتي ردات فعل لما يقوم به الخصوم.. ومن هنا يستطيع الأشرار رسم طريق للطيبين ينتهي بهم الى المهالك والتبعثر.. هذا بالضبط ما يتم علينا سواء كنا في بلادنا العربية والإسلامية أو على العرب والمسلمين في البلاد الغربية.. وفي هذه العلاقة تتسرب كل الأمراض النفسية التي مصدرها التشكك والظن سيئه وحسنه.. وهنا نقتصر بالحديث عن حالة العرب والمسلمين في الدول الغربية.

لا أميل هنا الى استحضار الإحصائيات والأرقام التي ترصد الوجود العربي والإسلامي في المجتمعات الغربية لأني بدءا اختلف معها منهجيا في تناول الموضوع ولأنها تناقش أوهاما.. ذلك لأن العرب والمسلمين الذين يعيشون في الغرب أصبحوا بشكل أو بآخر أوربيين أو أمريكان يؤدون كل ما عليهم من واجبات نحو أوطان جديدة بنظام إداري آخر ونظام اقتصادي آخر ويكون الحديث عنهم أنهم جزء فعال من مجتمعاتهم السابقة إنما هو من باب التلفيق والتناقض.

ولكن تناثر الجمعيات والجماعات والمثقفين المهزوزين بين هذه الكتلة يعمق فيها الى حد ما الانشداد الى خارج الزمان والمكان ويتحول خطابها إلى حالة انكفاء و تقوقع فيصبح حجمهم بلا قوة وكتلتهم بلا اتجاه.. وفي المقابل تترصد الدوائر الاستعمارية والقوى العدوانية لهذا التواجد وتنصب له الكمائن وتشتغل بدأب على شيطنته واستفزازه وإخراجه من حالة التعايش الفعال الايجابي ودفعه دوما الى حالات التقوقع والسلبية.

ويختلط الأمر على العرب والمسلمين في الغرب وهم يتلقون أحيانا مثل تلك التصرفات فينسحب إحساسهم بالغبن والقهر تجاه المجتمع بكل مكوناته وهذا بحد ذاته هدف استعماري وشيطاني بحيث تظل حالة التوجس فاعلة في نفوس العرب والمسلمين تجاه محيطهم فيفقدون القدرة على الاندماج الايجابي المبني على الاحترام المتبادل والعمل على القواسم المشتركة بين أبناء بلد واحد.

ينسى العرب والمسلمون للحظات إنهم جاءوا إلى هذه البلدان فارين من أوضاع مزرية في بلدانهم فينخرط كثير منهم في تذمر غير مفهوم وبحث عن انزواء يعبر عن انهزام حضاري  يغيب عنهم ان هذه المجتمعات لها وجهة معينة بثقافة اجتماعية معينة ناضلت كثيرا لكي تصل إليها وهنا نفتح باب المشترك والخاص.. ولحسن حظ العرب والمسلمين أنهم يجدون في بلاد الغرب قيما تسري في أوساط الناس هي الأقرب لتمثل قيمهم الخاصة من احترام الآخر وحقوقه والتكافل والنظافة والنظام و العلم والعمل والمسئولية والتصدي للعنصرية.. هذه القيم الحضارية التي كانت سببا في دهر من الزمن في بناء الحضارة العربية الإسلامية.

هذه العلاقة المشوشة في المجتمعات الغربية بين العرب والمسلمين من جهة وبين شركائهم في الوطن يعبر عن انعدام القدرة على الانتقال إلى ما توجبه الشراكة الوطنية بعيدا عن سوابق المواقف فتصبح هذه الكتلة بلا قيمة ولا اتجاه بل تصبح أحيانا مثار السخرية والانتقاد وصورة نمطية سلبية عن العرب والمسلمين.

التشارك الإنساني:

غاب عنا ان الإنسان اخو الإنسان وفقدنا مع الزمن النظرة الإسلامية الصافية نحو البشر وتقيدت أرواحنا بنزعات عرقية ووطنية أفقدتنا القدرة على ان نكون شهودا على الناس.. هنا قبل أن ينصرف البعض الى أحكام متعجلة على كلامنا لابد ان نظهر قيمة الدفاع عن الأوطان وعن الشعب والأمة ولكننا هنا نوجه الى القيمة الأصيلة في الدفاع متمثلة برفضنا للظلم والعنصرية والجريمة.

نعود لقيمة التشارك الإنساني فنرى أن المسيرة الإنسانية شهدت تشاركا إنسانيا واسعا بين شعوب وأمم في الإنتاج الحضاري ولقد كانت الحضارة العربية الإسلامية نموذجا راقيا صبت فيه كل الشعوب والأمم خير ما عندها من تفاعل وخبرات فالحضارة والعمران انما هما نتاج التفاعل والتكامل لا التصارع والتناحر.. فكان على الحضارة العربية الإسلامية ان تحفظ قيمة العدل والقضاء والتشجيع على العمل والمكافأة عليه وتوفير شروط النماء والتطور وهذه القوانين هي التي تحكم مسيرة الحضارات جميعا.

وكما شاركت الأمم والشعوب جميعا في حضارتنا العربية الإسلامية فهاهي الشعوب والأمم تسهم في الحضارة الغربية سواء من حيث المنشأ في تفجير روح المعرفة في الغرب من خلال عمالقة الفكر العربي الإسلامي كابن رشد وابن خلدون وسواهم من رجال هزوا الوجدان الغربي وكسروا جموده ليستقبل علوم العرب المسلمين في الهندسة والجبر والطب فتنبعث الحضارة الغربية متحررة من سلطة الكنيسة والإقطاع..

الآن في الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية عشرات آلاف المتخصصين من أصول عربية ومسلمة في ادق العلوم وأكثر تطورا وفي أكثر المواقع حساسية.. وتفتح الولايات المتحدة كما كثير من الدول الأوربية أبوابها لاستقبال الطاقات المتعلمة والمتخصصة للقيام جنبا الى جنب بما يزيد من وتيرة التطور والرفاه الاجتماعي.

ولكن الملاحظ على كثير من الكتل العربية والإسلامية ولا نقول الجاليات، ان نخبة محدودة تلك المنخرطة في العجلة الحضارية حيث مواقع الفعل النوعي والكثير منها منخرط في الهامش من الأعمال والاهتمامات السطحية مفتقرين الى تمثل روح العصر وديناميكيته ظنا منهم انهم بهذا يحافظون على ما تبقى لديهم وهنا نفتح القوسين على التخبط الأخلاقي الذي تعيش فيه قطاعات واسعة من هذه الكتلة لا تستطيع الصمود أمام ضغوط الحياة و قوة دفعها.

كان لابد ان تصل القناعة الى مداها العميق لدى العرب والمسلمين الذين يعيشون في الدول الغربية أنهم أصبحوا مواطنين تلك الدول ويجب التعامل مع الموضوع بهذه الروح ذلك لأنهم حينذاك سينخرطون بأكثر فاعلية ويؤدون ما عليهم من التزامات لمجتمعاتهم الغربية بصدق وتفان.. وبذلك يكونون رسل مودة وتواصل سلمي مع مواطنيهم من الديانات الأخرى يربطهم القانون الجامع والحس الإنساني وبهذا يقدمون بطريق غير مباشرة ولكن بعمق رسالتهم الحضارية في مجتمعاتهم الجديدة.

المجتمعات الأم والمغتربين:

في غياب رؤية حضارية واعية راشدة للإدارات المتحكمة في الدول العربية والمسلمة وغياب وعي ثقافي حضاري إنساني لدى كثير من الأحزاب والجمعيات بشتى عناوينها الأيديولوجية.. يتم التعامل مع العرب والمسلمين في الغرب بطريقة متداخلة فيها من الشك والقطيعة والإهمال ودفعهم إلى المجهول أو التقوقع..

وفي ظل رؤية تشوبها أحيانا الانتهازية وضيق الأفق يتم تعامل البلد الأم من خلال الإدارة والأحزاب مع العرب والمسلمين الأوربيين بطريقة تزيدهم أحمالا من الهموم فوق همومهم فهي لم تقم بما ينتقل بهم الى مستوى القدرة على التأثير في محيطهم الجديد في مجتمعاتهم الجديدة بما يفيد بلدهم الأصلي.

في كثير من الدول الأوربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية تتداخل قوميات عديدة وتصبح جزا طبيعيا في مكونات الدول التي تتواجد فيها إلا أن العرب والمسلمين يعيشون في كثير من الدول الأوربية لاسيما فرنسا وفي دول أخرى كأقليات مفروض عليها حياة الغيتو وفي الأطراف.

في هذا الباب يمكن التركيز على ضرورة قيام آلية نافعة للبلد الأم وللمواطنين في الدول الأوربية من أصل عربي وإسلامي تأخذ بعين الاعتبار الارتقاء بمستوى الإدراك لطبيعة المعيشة في البلاد الأوربية بما يحقق الانسجام بكل حيوية.

الواضح ان المجتمعات الأم لم تكن على مستوى التفكير والتواصل مع الامتدادات في الخارج، وقدمت أشكالا كاريكاتورية للعلاقة التي لا تمت للانتماء والصلة التاريخية.. ومن هنا كانت الخسارة مزدوجة فكما ان تلك الكتل ظلت بلا مدد معنوي او مادي فكذلك ظلت المجتمعات الام محرومة من فائدة تلك الكتل سياسيا وماديا.

إدارة العلاقة:

كل دولة من دولنا العربية لها علاقات بدولة او مجموعة دول في الشمال.. وتمر هذه العلاقات بفتور او حماس، وتتعرض كثير من الدول العربية والإسلامية لمضايقات أو ابتزاز من هذه الدولة الأوربية او تلك ويصل الحال الى وضعية عدوان او ابتزاز كما حصل لبعض الدول العربية في العشريات السابقة.. وهنا يصبح الحديث بأهمية حقيقية في البحث عن دور تلك الكتل في المجتمعات الغربية ولكن ينبغي ان يتم ذلك من خلال تماهي الكتل في المجتمعات الجديدة بعيدا عن التحولق العنصري..

هنا ينبغي ان يكون للكتل العربية والمسلمة في المجتمعات الغربية قضايا تدور حول إبراز القيم الإنسانية فتنفتح بينهم وبين التجمعات الثقافية والسياسية في البلد تؤسس للدفاع عن القيم الإنسانية العامة كالدفاع عن حقوق الإنسان وعدم التدخل في شئون الدول وأمنها والعمل على تعميم السلم الاجتماعي والسلام الدولي.

وبالإضافة الى النشاط الثقافي والسياسي في المجتمع الغربي وبما يفرض على السياسة العامة ان تكون في اتجاه تكريس القيم و الدخول في تحالفات وتفاهمات تضع عراقيل حقيقية امام القوة العنصرية في المجتمع الغربي  دون وصولها الى قيادة المجتمع سياسيا او اقتصاديا.

وتصبح تلك الكتل في مجتمعاتها قادرة على تعزيز الاستثمار في البلد الأصلي وجلب المنفعة المادية والعلمية له من خلال سياسة تعزز التواصل الاقتصادي على أرضية حماية البلد الأصلي من التبعية..وهنا يفتح الباب واسعا لتطوير مفهوم الاستثمار في بلداننا من قبل مؤسسات اقتصادية بعيدا عن القرار السياسي الغربي المرفوق بشروط سياسية او ثقافية.

كما ان العمل السياسي مهم للغاية بانخراط النخب العربية والمسلمة في أحزاب غربية وتجمعات غربية معروفة بعدم عنصريتها ويكون للقيم الإنسانية حضور بارز في سلوكها تجاه القضايا الداخلية والخارجية.

وهكذا تصبح هذه الكتلة ذات اتجاه، وبوزن حقيقي في المجتمع الغربي، و لنشاطها مردود واقعي لتعزيز القيم في المجتمع الغربي وتعزيز السلم المجتمعي كما تعزيز التطور في المجتمع الام والتصدي لخطط الاستعماريين والدوائر الشريرة في الدولة الغربية..

ان الكتلة العربية والمسلمة في الدول الأوربية إذا ما فعلت في المجتمع وفي نشاطاته ستمنع القيادات السياسية الغربية من الاقتراب بسوء ضد مصالح الأمة بما تمثله من قدرة ديمقراطية في الانتخابات.. ولقد أصبح واضحا للعديد من القوة السياسية الغربية أهمية الكتلة العربية والمسلمة بأوربا وأمريكا.. ولقد حقق بايدن فوزه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة بأصوات العرب والمسلمين حيث توجهت أغلبية أصوات العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية لصالح بايدن.. وهكذا عندما تصبح الكتلة بوزن واتجاه من خلال علاقات قوية داخل مجتمعاتها يصبح وجودها من أهم أدوات الفعل الايجابي الذي يحمي حقوق الأمة كما يقدم رسالة العرب والأمة بايجابية في مجتمعاتهم والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك