فيروس كورونا ما بين تقبل الحقيقة و استعلائية التقبل

محاولة للفهم و تقدير للموقف

  • الأخصائية النفسانية العيادية:هابط ملعيد

 

كوفيد 19 هل أخذ منك أحد أقاربك أو أصحابك أو حتى جيرانك ؟

هل أدخلك الفيروس في نوبة الهلع و توهم المرض و الوسواس القهري؟ هل أنت متعود على الإطلاع على آخر الإحصائيات لعدد الوفيات أم  مازلت متمسكا برأيك  أن كورونا ليست موجودة بل هي سياسة قمعية مثل أي سياسية إتُبعت في الماضي من قبل الاستعمار المستحدث ؟ كورونا حرب بيولوجية ….. كورونا تستهدف الحراك الشعبي…..

إحصائيات كورونا وهمية و حالات الوفاة نسمع بها فقط….. هذه آراء شعبوية بحتة

حاول أن تجلس في مكان عمومي مقهى مثلا و تحدث عن موضوع كورونا الذي حير العالم مع مجموعة من الناس تختلف درجتهم العلمية و يختلف تقديرهم النفسي أيضا 

هنالك من يعطيك رأيه حول الموضوع و يصر عليه و يحاول إقناع الجميع به ما يجعل من الجدال عقيما و الحوار بيزنطيا محض. 

و هنالك من يكون حيادي بمعنى { الريح اللي تجي تديه } أحيانا يخاف و يقول الوضع لا يحتمل المزاح و لابد من الحذر لكن ما أن يحدثه أحد عن السياسة و حادثة المروحة بتحديث 2020 يؤمن بسهوله و يكون مسرورا جازما بأن الوضع ليس بالمفزع , بل هو تحصيل حاصل لدواعي سياسة من شأنها تظليل الرأي العام و جعله يعيش التبعية . 

و يبدأ عقله بالاجتهاد لترسيخ الفكرة أكثر هنا يتذكر قصة الرجل المسن و حزمة الحطب 

أين جمع الرجل العجوز أولاده الثلاثة عندما أحس بدنو أجله فأعطاهم حزمة كبيرة من الحطب و طلب من كل واحد منهم أن يكسرها بمفرده ففشل الثلاثة في ذلك لشدة قوتها و صلابتها فأخذ العجوز الحزمة و بعثرها إلى عيدان و أعطى كل واحد من أولاده عودا فكسره بسهولة هكذا تكون حالة الفرد عندما يكون وحيدا يعيش الضعف و الهشاشة هذا يعني أن في الاتحاد قوة و القوة لا تعجب الكثيرين و الفاهم يفهم .

أما النوع الثالث تجدهم مثقفين تربو على الإيتيكيت يأخذون الأشياء بمنظور علمي و طبي 

كورونا لا ريب فيها و هنا يبرهنون أقوالهم بإحصائيات و مقادير علمية, هذا النوع غالبا ما ينسحبون من الجلسة إذا لم يسدها تكافؤ المستوى و يعتبرون الإقناع في مثل تلك الموقف هدرا للجهد و الوقت .

فالإقناع إذا هو التأثير في المواقف و المعتقدات و النيات و الدوافع أو السلوكيات, فهو يهدف إلى تغيير موقف أو سلوك شخص تجاه حدث معين أو فكرة , هذا ما حدث مع الوضع الراهن فعدم اقتناع أكثر من 60 بالمائة من الناس  بحقيقة الوباء هو فيروس آخر 

قد يكون السبب راجع لاختلاف أنواع الشخصية التي تعتبر وليدة القيم و العواطف التي تتحكم بتصرفات الفرد , و الشخصية تظهر من خلال تعامل الإنسان في المجلات الحياتية المختلفة و هي أنواع :

أولا الشخصيات الإيجابية

 و هي التي تمتلك  صفات مُحبّبةً  وتساعد صاحبها على أن يكون أكثر سعادةً واستقراراً كالشخصيّة الحنونة التي تتميّز بالقدرة على تفهّم مشاكل الآخرين وخصوصاً العاطفيّة منها  لذلك يحاول الشخص الحنون دائماً تجنّب جرح مشاعر النّاس من حوله ويصرّ على إسعاد الآخرين والتحسّر معهم على أحزانهم. وقد يسيء البعض تقدير الشخصيّة الحنونة فيربطها بالضّعف  ولكنّ الضعف غير مرتبط بالحنان و مثال على ذلك الأشخاص المتبرعين في وقت الجائحة و كانوا مستعدين على تقاسم كل ما يملكون مع كافة الشعب 

 

  الشخصيّة اللنفاويّة  

 

هي أكثر الشخصيّات موضوعيّة ونظاميّة فتُعدّ شخصيّة ذات حكمة كبيرة  وتعطي صاحبها القدرة على التأنّي وعدم الانفعال  حيث يتميّز بعدم حساسيته وقدرته على تحليل المواقف بعقلانيّة ويتّسم الّلنفاوي بالهدوء وأحياناً بالبرود وبطء الحركة تساعد صفة البرود الّلنفاوي على التغلّب على أسباب الفشل في حياته  فيكون شخصيّة مثابرة هذا النوع يتميز بالذكاء الانفعالي و يظهرون في الأشخاص اللذين يتفاعلون مع الفيروس بالمنطق على أنه وضع محتم لابد من التكيف لتخطيه 

الشخصيّة الشغوفة

 هي الجمع بين الانفعاليّة والحيويّة التي تُقدّم الشخصيّة الشغوفة والمهتمّة بتحقيق رغباتها والوصول إلى النّجاح على الصعيد الاجتماعيّ. وترتبط الشخصيّة  بأشهرِ الشخصيّات التاريخيّة ذات الأثر الكبير فهم يُحبّون السلطة والقيادة، ويملكون إرادةً قويّةً قد تُفسّر أحياناً بأنّها قسوة هذا النوع يقبلون جميع التحديات و يرون فيروس كورونا تحدي لا بد من التغلب عليه 

الشخصيات السلبية

 فأصحابها يمتلكون صفات تجعل حياتهم صعبة ويكون تعاملهم سلبيّاً مع الأشخاص الآخرين كالشخصيّة العصبيّة التي تنفعل فتكون طاقتها الحركيّة عالية وغير حيويّة وبلا جدوى وتصدر عن الشخص صاحب الشخصيّة العصبيّة طاقة سلبيّة كما يتصف العصبيّ بعدم استقراره ومعاناته في حياته العاطفيّة فهو يرتبط بسرعة واندفاع ثمّ يخون بسرعة ويُحبّ العصبيّ أن يكون محطّ إعجاب الجميع أي يعيش للناس هذا النوع استفحلت فيه الجائحة و زاد معدل العصبية لديهم و أغلبهم أصبحوا عنيفين خصوصا اتجاه أولادهم و زوجاتهم في فترة الحجر الصحي .

 

الشخصية التجنبية

 

 هي شخصيّة شديدة الحساسيّة من أيّ نقد يصدر عن الآخرين  لذلك يتجنّب صاحب هذه الشخصيّة الاحتكاك بالنّاس فهو لا يملك سوى صديق أو اثنين مرتبط بهما ولا يفعل أي نشاط من دون وجودهما والسبب الذي يدفعه لهذا التجنّب هو شعوره بالنّقص وأنّه أقل من الآخرين كما تشعر الشخصيّة التجنبيّة بالقلق الدائم والترقّب

هذا النوع يعيشون حاليا حالة من الوسواس القهري و توهم المرض و الخوف الشديد من أي إصابة متوقعة ما يجعل اغلبهم محبوسين في المنازل .

 الشخصيّة الاعتماديّة

 

 وهي شخصيّة مرتبطة بالأشخاص الاتكاليين فصاحب هذه الشخصيّة يبحث عن أي شخص يؤدّي عنه مهامه فإذا فقد صديقه يبحث عن آخر حتّى يعتمد عليه كما لا يستطيع أن يتّخذَ القرارات الخاصّة بحياته دونَ استشارة تعطيه الطمأنينة  فهو لا يشعر بالرّاحة إذا كان وحده , هذا النوع لا يعقلها و لا يتوكل بل يتواكل ولا يكلف نفسه حتى عناء ارتداء كمامة بل ينتظر الكفار كما يسميهم الزطشيين ليجدوا لقاحا للفيروس .

 

 الشخصيّة الوسواسيّة 

 

هنا تجتمع المخاوف باللاإستقرار  يفهتمّ صاحبها بالنظافة والنظام والتفاصيل الصغيرة بطريقة مبالغ فيها على حساب الجودة  ولا يكون صاحب هذه الشخصيّة مريضاً بالوسواس القهريّ  ولكنّه يمتلك شخصيّة وسواسيّة لأنّ مرض الوسواس ليس صفةً دائمةً إنّما حالة تتأزّم كلّ فترة وتعالج بالأدويّة أمّا الشخصيّة الوسواسيّة فهي مترسخة في الإنسان ولا علاجَ لها. كما يعتبر ضمير هذه الشخصيّة حيّاً أكثرَ من اللّازم فتراه يتفانى بعمله على حساب علاقاته الاجتماعيّة، ويحرص على عدم التبذير هذا النوع أنفقوا كل ما يملكون على مواد التنظيف و المعقمات و هم الأكثر تقيدا و احتراما لفترات الحجر الصحي و تجدهم قانونيين .

الشخصية الشكاكة 

يكون صاحبها عديم الثقة بالأشخاص الذينَ حوله وإن كانوا أقرب النّاس إليه فهو شخصيّة دائمة الشكّ دون سبب مقنع ويبني قراراته على أدلة ضعيفة أو وهميّة. ويعاني في علاقاته مع الآخرين فيأخذ أغلب العبارات على محمل الجدّ ويقرأ فيها تهديدات لا أساسَ لها فيدفعه ذلك للرّد بقسوة وخصوصاً على من يهاجمه قاصداً الانتقام

هذا النوع يعيش نوبة هلع رافضا التلامس حتى مع أفراد عائلته, يخاف من الخروج و يعتبر كل ألم يصيبه ناتج عن أعراض كورونا .

 

تساؤلات مشروعة

فالسؤال المطروح هنا هل نصدق وجود كورونا و يكون الأمر جدي و نقي أنفسنا و نتخذ الاحتياطات اللازمة أم نستمر في  الكبر و نرفض تصديق شيء غير مرئي كما يعتبره البعض كمثل من لا يؤمن بالغيب بحجة أنهم يؤمنون بالملموس فقط رغم الأرقام الرهيبة التي تزاد يوميا و التي حصدت أرواح الكثيرين عبر العالم,  دول متقدمة و متأخرة فتعطل الاقتصاد و تعطلت كل العمليات الإنسانية . 

صحيح أن الفيروس غير مرئي أو قد يكون من صنع البشر كما هي التكهنات لكن الحقيقة الطاغية هي أن الوضع يكاد يكون السيطرة و كما يقال باللغة العامية { اللي خاف سلم }  لكن لو تحدثنا بشفافية و استخدمنا النمط السردي العامي سنجد أن الشعب الجزائري على غرار شعوب العالم يعاني من متلازمة اللامبالاة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من روتينه اليومي نعم فالشعب الذي عاش الاضطهاد و الفقر و الحرمان و الزلازل و الأوبئة و الظلم التعسفي و الفيضانات و غيرها أصبحت لديه صلابة نفسية لا تهتز بسهولة .

فكيف تطلب من شعب يخاطر بنفسه في قوارب الموت و هو يعلم أن نسبة وصوله حيا 10 بالمائة , أن يخاف من كورونا و يتبع الإجراءات الوقائية , نعم فحياة معظم الجزائريين أجزاء ناجحة لمسلسلات دموية تحت عنوان : الحب و الحرب 

ما بعد الكورونا

لا داعي للتفكير و الحديث عن مرحلة ما بعد الكورونا , لأن كورونا في الوقت الحاضر كشفت أمورا خطيرة كانت تحجبها سحابة صيف كنقص الإمكانيات و المنظومة الصحية التي نستطيع نعتها بالفاشلة رغم الإعلام الذي يحاول في كل مرة وضع مساحيق التجميل عليها .

فالواقع يقول عكس ذلك و الطاقم الطبي لوحده لا حول له و لا قوة أمام انعدام ابسط الإمكانيات التي تضمن الموت الكريم لأن العيش لم يعد مطلوبا على سبيل التعاسة .

و ما يزيد الطين بلة هي العائلات الكاملة المسافرة في أحداق الموج تاركة ورائها كل أحلامها و أمنياتها و ظل بلد كان بالأمس بلاد الشهداء .

تذكرت الدرس الذي تناولناه في اللغة العربية حول المفعول المطلق و كان المثال الأكثر تداولا كان  جملة : تشق الباخرة البحر شقا فعلا هذا ما حدث اليوم الباخرة تشق البحر و عائلات الشباب  وقلوب الأمهات تتشقق حسرة و غضب من وضع لا دين له .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك