“فوبيا الإعلام الجديد”

نقاش

بقلم الأستاذة: الزاهي دنيا


يعيش العالم اليوم في صراع أيديولوجي فكري بطله التكنولوجيا، بممثلين  جدد برزوا في الساحة الإعلامية مؤخرا عرفوا بوسائل الإعلام الجديد.
وكان لهذه الأخيرة تأثيرا بالغا على المشهد الإعلامي اليوم، جسده أي هذا التأثير سيناريو القفزة النوعية التي عرفتها بعض الوسائل الإعلامية وحتى الاتصالية القديمة في خضم هذا الصراع، يمكن تلخيصه في –فوبيا الإعلام الجديد-.
فما بين مؤيد لهذه التكنولوجيا ومعارض أو متخوف إن صح التعبير من مسايرتها من عدمه، كان لقبول السيناريو وبداية التنفيذ على أرض الواقع حظ الأسد من الغنيمة.
والمتتبع اليوم للبيئة الإعلامية الجديدة سيلاحظ التغيير الجدري أن لم نقل الكلي الذي صاحب هذه الأخيرة حيث غيرت حياة الفرد كليا وفي شتى المجالات معرفية كانت  أو تقنية وحتى الشخصية فمتلقي اليوم ليس نفسه متلقي الأمس ولا حتى القائم بالاتصال ،وهذا ما أجبر الفرد على التعايش معها كواقع حتمي لا مفر منه، أين بات الفرد حبيسا لدى وسائل الاعلام الجديد وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر، أنستغرام كلها تطبيقات صاحبة دخول هذه التكنولوجيا وكان لها النصيب في صناعة المحتوى الإعلامي والانتقال من وسائل الإعلام التقليدية الى ما أصبح يطلق عليه اليوم وسائل الإعلام الجديد ومن الشاشة الصغيرة إلى التلفزيون التفاعلي والرقمي وصولا للإذاعة الرقمية والصحيفة الالكترونية. وتعد هذه التطبيقات من أكثر الفضاءات استقطابا للأفراد على اختلاف مستوياتهم وشرائحهم.
مشكلة لنا بهذا مشهد إعلامي جديد مستوحى من النمط الغربي في أساسه، حيث تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول إنتاجا للثقافة التي تهيمن وتسيطر على معظم القنوات التلفزيونية العالمية ،وهذا ما يقربنا أكثر من سيناريو فوبيا الإعلام الجديد، فهل يا تراها نجحت العولمة في ضرب ثقافتنا في الصميم؟ وهل فعلا نحن نعيش فوبيا إعلام جديد اليوم؟
للعلم ان مساعي العولمة من وراء استحداث وسائل وتقنيات جديدة كانت لتمرير الثقافة الغربية  بالدرجة أولى.
فهل يا تراها نجحت في مسعاها؟ أم أن مشكلتنا اليوم مشكلة مصطلح وتقنية واستخدام بحد ذاته؟
وأظننا نعاني من مشكلة استخدام بالدرجة الأولى إذ وقعنا ضحايا في شباك الاستنساخ والتقليد من جهة وجهلنا للمصطلح وكيفية ممارسته فعليا من جهة أخرى.
فنحن اليوم بتنا مستهلكين متلقين سلبيين لم يقدمه ويعرضه المدونون عبر صفحاتهم في هذا الفضاء السيبيري لا أكثر حيث سمح الإعلام الجديد ببروز طبقة جديدة تمارس الإعلام بكل حرية و هم في غالبيتهم غير متمرسين ولا مختصين في المجال، وباتوا مرجعا يستقي منه الفرد معلوماته  خصوصا ماتعلق بالأزمات وأخبار العاجلة كالكوارث الطبيعية ، أين  استحوذوا على الساحة الإعلامية سواء كانت سمعية بصرية أو مكتوبة،. وهم اليوم الناطق الرسمي والمرجع الأولى ان صح التعبير للفرد خصوصا في ظل الوباء الذي اجتاح العالم_ كورونا_ وجد هؤلاء المدونين فرصة ومنصة لمزاولة عملهم، تحت مسمى المواطن الصحفي أو صحافة المواطن، والمعروفة كذلك بإعلام الجمهور للجمهور وهو مصطلح وليد التزاوج بين التكنولوجيا التقليدية والحديثة.
فما وفرته شبكة الأنترنت من أنية في نقل الأخبار متخطية بذلك الحدود المكانية والزمانية وما حققته من تفاعلية، فرضت على الفرد وبعض المؤسسات الإعلامية اعتمادهم كمصدر للأخبار وخصوص العاجلة منها.
وفي الوقت الذي بات فيه الكل محلل وسياسي وصحفيا افتراضيا يناقش وينشر محتويات إعلامية وإخبارية في غالبيتها كاذبة بل ويساهم في وضع الأجندة، كلها محتويات لا تتماشى وأخلاقيات المهنية ولا الضوابط والقوانين المعمول بها.
وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن صحافة المواطن والتي تعرف تزايد وانتشار رهيب، لا تخضع لأية رقابة ولا لواحدة  من الضوابط  والأخلاقيات المهنية السالفة الذكر في ظل هذه المواقع.
وهذا ما يفسر حالة الرعب والهلع والفوبيا التي تميز أخبار اليوم ففي الوقت الذي بات فيه الإعلام ملكا للكل ووسيلة في يد الكل والكل يتحدث بسم الإعلام ،غابت الوظيفة الأساسية له وما عاد يقوم على التوعية والتحسيس، بقدر ما يعتمد على التهويل والترهيب ونشر الهلع في نفوس المواطنين. وخاصة في ظل الأزمة التي نعيشها اليوم والتي صاحبت تفشي فيروس كورونا أين برزت صحافة المواطن بشكل كبير وبالتالي تعددت المصادر الأخبار والأخبار نفسها المعروضة على المشاهدين على مدار ا24 ساعة ،و تضاربت المعلومات وارتفعت وفيات وحالات الإصابة وتفشى المرض في الفضاء السيبيري ما زاد من حالة الرعب والهلع وخلق بدوره الشك والتشكيك في مصداقية الأخبار المعروضة في الفضائيات الرسمية، وهنا أعود لأذكر أننا فعلا في سجن جنوده تطبيقات ومدوني الإعلام الجديد.
فكورونا مواقع التواصل الاجتماعي تختلف عن كورونا القنوات الرسمية، وصحفي المواقع ليس نفسه صحفي المؤسسة، هذا ما دفعنا للتساؤل عن حقيقة وظيفة الإعلام الجديد، هل من وظائفه التهويل أم التهوين؟ وما محل المؤسسات الإعلامية في ظل تفشي وسائل الإعلام الجديد؟ هل نحن في أزمة وباء أم أزمة ممارسة ومعالجة؟
كلها أسئلة تدفعنا لإعادة النظر في منظومة الممارسة الإعلامية اليوم في ظل التحديات التي يفرضها النمط الإعلامي الجديد  ومحاولة إيجاد صيغة وسطية لا تهويل ولا تهوين مبالغ فيه.
 فالمواطن اليوم بحاجة إلى الحقيقة وان كانت بأرقام مرعبة لكن بمصادر موثوق بها وبطريقة مهنية لا تضخيم إعلامي فيها ولا تهويل.   

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك