فلسطين تنظم إيقاع الصراع الدولي.. كلمة السر

بقلم: صالح عوض

 

منذ عدة قرون وفلسطين تتبوأ موقع المركز في الصراع بين الشمال والجنوب، أي بين المسلمين والصليبية أو بين العرب والفرنجة.. وتتلون الأسماء على الضفة الأخرى “الشمال” فمرة الأقطاع ،وأخرى الرأسمالية ثالثة الاشتراكية ،ومهما كانت طبيعة النظام ديكتاتورية أو ملكية أو جمهورية ديمقراطية.. كان الشمال متدينا، أو ملحدا ،أو علمانيا فذلك لم يغير من جوهر موقفه من فلسطين التي ظلت بالنسبة له المحرك النفسي الخطير الذي يولد الاندفاع المهووس مسلحا بروح جنونية في القتل والتدمير والتخريب.

كل بلد من بلاد العرب ،والمسلمين أو من دول العالم المستضعف تتعرض لعدوان غاشم من قوة استعمارية إلا فلسطين فهي تتعرض لعدوان عالمي تجتمع فيه كل قوى الشر العالمي شيوعي ورأسمالي متدين أو ملحد او علماني ديمقراطي أو ديكتاتوري.. هكذا قدرها إلا أن لها أسرارا أخرى فهي ناظم حركة التاريخ ومعياره كيف يكون ذلك.

 

الحروب التاريخية:

 

قبل الاسلام كانت ساحة الانبياء ومقصد رسالاتهم على اعتبار أنها الأرض المركزية التي منها ينبغي أن تشع رسالات السماء إلى العالمين ومع هذه المهمة السماوية كانت مهمة أهلها الارضية العمل الدؤوب لبناء حضارة انسانية كريمة فكان منشأ حضارات الكون في فلسطين عندما اكتشف الكنعانيون القمح وطوروا زراعته وطوروا أدوات الزراعة فكانت أول حضارة للإنسان تجتمع فيها الزراعة بالصناعة ،وانتقلت هذه القفزة الكبيرة الى المنطقة لاسيما الى مصر التي اشتهرت فيمما بعد بالقمح.. ولم تكن رحلة رسل السماء أو مهمة أهل الأرض المباركة مأمونة المسير فلقد تعرضت لعدوان تلو العدوان من الأشرار في المنطقة والعالم.. إلا أن الخطورة في فلسطين قدرتها المتميزة على فحص الطبائع والنفوس فترتقي بالطاهر منها وتصعد به إلى أعلى عليين وتركس الفاسد والملتوي منها إلى أسفل سافلين.

عندما بدأت رحلة الاسلام من مكة المكرمة قلب بلاد العرب ومن حول البيت الحرام بيت العرب وبيت الله.. كانت الرسالة توجه العرب الى فلسطين منذ آياتها الأولى والارتقاء بالعرب الى ادراك اهميتها وخطورتها عقائديا وسياسيا واستراتيجيا وكيف كانت مسرحا لنضال الانبياء والرسل ضد الشر والعنصرية والانحراف.. فمرة حدثهم عن الصراع الدائر فيها وعليها بين الروم والفرس حيث كانت امبراطوريتي ذلك الزمن واللتين لم يتوقف الصراع بينهما وكان نصر أحدهما على الاخرى يتكلل بالاستيلاء على فلسطين.. فكانت هزيمة الروم المسيحيين أمام الفرس المجوس هزة نفسية لدى أتباع الرسالة فوجه القرآن الكريم اليهم أن لا تبتئسوا فبعد سنوات قليلة سينتصر الروم على المجوس ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. وكانت النقلة الالهية لمحمد صلى الله عليه واله وسلم من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى في اسراء أصبح جزءا من عقيدة التوحيد لترتقي بمحمد صلى الله عليه وسلم الى معراج يتبوأ فيه مالم ينله رسول من قبل من قرب وخصوصية رسالة تكون للعالمين لايحدها جغرافيا ولا تقتصر على قوم.. فكان لقاؤه بالانبياء في فلسطين وامامتهم وربطه لجغرافيا العرب المقدسة وصعوده للسماء من فلسطين كل ذلك منح العرب المسلمين مهمات اضافية حيث يمنع عليهم ان يحولوا الاسلام الى منهج وطني او قومي بل هم حملة رسالة السماء الى الارض كل الارض.. فكانت أهمية وجود فلسطين في الرسالة الاسلامية انها منحتها عالميتها وبعدها البشري.. ومن هذا المعنى نقرأ أحاديث الرسول العديدة وهي تكثف معنى خصوصية فلسطين في قلوب المسلمين ولعل أكثرها مغزى ذلك الحديث الذي أوصى به أسامة في سريته أن يطأ بخيله أرض فلسطين.

أدرك العرب المغزى الخاص لفلسطين فلئن كانت مكة هي مكان تلقي الرسالة من السماء فان فلسطين هي المكان الذي ينبغي ان ترتفع راية الاسلام فيه لكي يكون بحق كما اشار الرسول رسالة العالمين الظاهرعلى الناس اجمعين.. وظلت فلسطين بهذا المعنى عنوان للانتصار العظيم للرسالة وللمسلمين فقد كانت تتويجا لفعلهم الاسطوري بعد أن أسقطوا امبراطورية كسرى وامبراطورية القيصر.

وفي لحظات ضعف العرب والمسلمين انطلقت الحملات الصليبية التي قام بها أوروبيون من أواخر القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر (1096 – 1291)، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الذين اشتركوا فيها وكانت حملات دينية وتحت شعار الصليب من أجل الدفاع عنه وذلك لتحقيق هدفهم الرئيسي وهو السيطرة على الأراضي المقدسة فلسطين وبيت المقدس، ولذلك كانوا يخيطون على ألبستهم على الصدر والكتف علامة الصليب من قماش أحمر.. وفي الحقيقة لم يتوقف أمرهم عند بيت المقدس بل امتدت سيطرة الصليبيين في كل بلاد الشام وامتدت الى أطراف مصر.. واستمر ملكهم تلك البلاد حتى نهضت الامة من العراق والشام والمغرب العربي ومصر فتوج صلاح الدين الايوبي انتصارات من سبقه عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي وحرر بلاد الشام وبيت المقدس.

الصراع الحديث:

بدأ الصراع الحديث مجددا في ظل تنافس عواصم الاستعمار العالمي لندن وباريس عندما انطلقت الحملة الفرنسية على المشرق العربي واضعة نصب عينها السيطرة على فلسطين الواصلة بين بلاد الشام ومصر في 1798-1801 الا ان صمود عكا وقائدها العثماني أحمد باشا وقيام الاسطول العثماني بمهاجمة الاسطول الفرنسي بعد هزيمته في ابي قير البحرية على يد المصريين اسقط المشروع الاستعماري الذي انتهى بمقتل قائد الحملة الفرنسية بمصر كليبر..

لقد كانت الحملة الفرنسية متواصلة مع التوجه الغربي التقليدي بضرورة السيطرة على بلاد الشام وذلك كعقيدة دينية وسياسية واقتصادية بغض النظر عن طبيعة التطور الفكري الحاصل في بلادهم.. الا انها لم تستفد كثيرا من الدرس التاريخي في الحروب الصليبية حيث كان انتصار الصليبيين في فلسطين وبلاد الشام يقع في دائرة الخطر حيث لميتم تحطيم روح الامة المعنوية والثقافية وظلت اطراف الامة تضج بروحها وقيمها فكان ان توحدت بعد عشرات السنين وانقضت على الصليبيين الذين ظنوا انهمتملكوا الارض وان المسلمين سلموا لهم بذلك فكان اجتماع المسلمين عربا وكردا وتركا وامازيغا في تلك الملحمة يعني بوضوح أن مضي الزمن لم يتمكن من نسخ جزء اساسي من عقيدة الامة أو طمس روحها.

من هنا بدأ الاستعمار الجديد بعد الحملة الفرنسية الفاشلة تغيير استراتيجيته، فوضع للمعركة اولويات.. فكما ان العرب المسلمون لم يفتحوا فلسطين الا بعد ان حطموا امبرطورية كسرى ودحروا امبراطورية قيصر وفتحوا مصر كذلك وضع الغربيون اولوياتهم في الحرب لكي يصلوا الى بيت المقدس.. واعادوا قراءة حملتهم الصليبية الاولى ودرسوا اسباب فشلها حيث ادركوا ان غياب العنصر البشري فيها اسهم في شقوطها فلقد كان الصليبيون يتحركون كامراء ومالكين فيما كان الفلاح الفلسطيني والشامي هو من يملك الارض او من يعمل فيها ويكتفي الصليبيون باخذ الاتاوات فكانت نقطة ضعف في المشروع الاستعماري تم تداركها كذلك.

جاء الاستعمار الحديث ليبدأ بتدمير اطراف الامة فاجتمعت الاساطيل الغربية لتدمير الاسطول العثماني والجزائري والمصري في موقعة نفرين البحرية سنة 1827 وبعدها اصبحت المتوسط ملكا للاساطيل الافرنجية التي وجهت ضربة قاسية للامة عندما قررت 8 دول اوربية في اجتماع لها في فيينا توكيل فرنسا بمهمة غزو الجزائر.. وكان المقصود من ذلك كما صرح قادة الحملة السيطرة على افريقيا وشمالها وازاحة الاسلام من المنطقة كما صرح الوالي الفرنسي للجزائر سنة 1930 وهنا ليس المقصود فقط الاسلام التعبدي والديني انما الاسلام السياسي الموحد والمجاهد والنظام للامة.

وبعد ان رأى المستعمرون انهم قد تمكنوا من شمال افريقيا اتجه مخططهم لاسقاط المشرق العربي والاسلامي الذي كان لوجود مركز الخلافة فيه قوة أخرت سقوطه.. فتكالبت قوى الاستعمار المعاصر من شتى دول الشمال من بريطانيا وروسيا وفرنسا وامريكا هجوما على الخلافة العثمانية وبمشاركة حركات قومية محلية فكان سقوط الخلافة وتقاسم الاوربيون ارض “الرجل المريض” سنة 1916 وترافق ذلك بقرارين غربيين خطيرين الاول اتفاقية اوربية بتجزئة البلدان العربية سايكس-بيكو وقرار اخر بتسليم فلسطين لليهود لاقامة وطن قومي وعد بلفور.

وهكذا وباستخلاص الدروس من الحروب الصليبية والحملة الفرنسية وضع الغربيون اليات السيطرة على فلسطين واقتلاعها من الجغرافيا وذلك بعد ان كسروا الامة وجزأوها واحتلوها.. وفي السياق نفسه ادرك الغربيون انه لابد من تغيير جوهري في منظومة مفاهيم نخب الامة و ثقافتها لكي يفقدوها القدرة في التفكير الجاد في استقلال حقيقي فتولدت في بلداننا تيارات العلمانية والالحاد والتبعية الفكرية كقاعدة لتولد واقع التبعية السياسية والاقتصادية.. وبهذا امكن الاطمئنان ان المشروع الاستعماري انتصر متوجا باقتلاع فلسطين.

نهضة الامة وكفاحها:

بلا شك لم تمض الخطة الغربية بسلاسة فلقد قابلتها الامة بمقاومة اسطورية في كل مكان فلقد قاتل العثمانيون من قرية الى قرية ومن شعب الى اخر وقاتل الجزائريون من واد الى واد كما فعل الامام شامل في القوقاز.. لقد سجل الابطال من القادة العرب والمسلمين ملاحم بطولة لكن المرحلة كانت مرحلة التفوق العلمي والتكنلوجي في السلاح والعتاد الغربي في مواجهة التخلف المقيم في المنطقة العربية والاسلامية فكان الانتصار الغربي على امتنا انما هو في جوهره انتصار التكنلوجيا والادارة والتخطيط والتوحد في مواجهة التخلف والتشتت والتفرقة.

ولكن الغرب تفاجأ تماما بعد الحرب العالمية الثانية بثورات في الجسم العربي المستهدف بالازاحة السياسية من خريطة الكون.. وكانت الثورة الجزائرية صدمة عنيفة قلبت الطاولة على واضعي الفلسفة الاستعمارية والمخططين المستعمرين واعادت من جديد فرضية انتصار صلاح الدين واسترجاع فلسطين.. ولقد كان اسقاط المشروع الاستيطاني وانهيار مملكة الكولون واللفيف الاجنبي اشارة خطيرة تعني بوضوح ان الكيان الصهيوني الذي قطع مسافة من الزمن 14 سنة على قيامه مهدد بالسقوط والتلاشي.

كان دوي الثورة الجزائرية يجتاح بفاعلية في المنطقة العربية محررا طلائعها من الهزيمة والاحباط فانطلقت الثورة الفلسطينية لتقاتل في اصعب الظروف واقساها وفي معادلة صراع مستحيلة.. واستطاعت رغم كل مافيها من فوضى ان تنتزع من القرار الدولي اقرارا بوجود شعب فلسطين واستطاعت ان تحجث ايقافا استراتيجيا لتمدده في المنطقة.

كانت حرب اكتوبر 1973 التي قادها الجيش المصري والسوري وبمشاركة عربية من اكثر من دولة عربية العراق والجزائر بشكل اساسي.. كان لهذه الحرب دور اساسي في ايقاظ روح المقوامة والانتصار واثبات اخر مهم ان المنطقة ستلفظ الكيان الصهيوني قريبا او بعيدا.. وهذا ما قاله موشي ديان في اخر مقابلة صحفية له: “ان المصريين والعرب ليسوا اغبياء انهم سيخوضون معنا نفس طريقة صلاح الدين ضد الصليبيين..”

ثم انطلقت الثورة الايرانية لتحرر جزءا من الجغرافيا الاسلامية من سيطرة الموساد الصهيوني والهيمنة الامريكية معلنة انها مع فلسطين ومع اجتثات الغدة السرطانية منها داعية المسلمين للتوحد ونصرة فلسطين، ووجهت بذلك رسالة قوية بان التبعية الفكرية والارتماء في احضان الاستعمار ليس قدرا مقدورا على المنطقة وان الشعوب قادرة ان تقدم قيادات من نوع مختلف لارباك المعادلة والاولويات الغربية في صراعها.

ثم حصلت نهضة عراقية ببايجاد بنية تحتية واعدة في مجالات عدة حققت للعراق قوة ومنعة وشهادات دولية بانه انجز خطوات كبيرة على طريق النهضة واقترن ذلك بموقف عراقي قوي وعملي من القضية الفلسطينية واصبح خطاب العراق يدور كله حول فلسطين ومستقبلها وازاحة الكيان الصهيوني.

في لبنان نهضت مقاومة لبنانية تعتبر النموذج اللبناني الناضج لاول مرة ضدالمشروع الصهيوني على اعتبار انه عدو للبنان كما هو عدو لفلسطين ودخلت المقاومة اللبنانية مواجهات اكدت من جديد ان المشروع الصهيوني هش وضعيف وبالامكان تماما اسقاطه ان لم يكن اليوم فغدا والغد القريب.

كانت انتفاضات الشعب الفلسطيني الاولى والثانية والحالية تحديا لم يكن بالحسبان الغربي وقد فرضت نفسها على المجتمع الدولي وعلى الكيان الصهيوني بان اعادته لمناقشة اسئلته الوجوده من جديد وليكتشف كثر من مفكريه وساسته ان اللعبة الغربية بتوطين يهود في فلسطين لم تكن لصالح اليهود انما لمصالح استعمارية استراتيجية وان المنطقة لايمكن ان تستوعب تجمعا بشريا غريبا في مزاجه ومفاهيمه عنها.. فالمنطقة وبالذات فلسطين لها خصوصيات تاريخية تزودها المنطقة بخصوصيات التسامح والتعايش السلمي ضد العنصرية والشر.

واخيرا:

في هذه المرحلة الانتقالية من عمر امتنا في مواجهة الحملة الاستعمارية المعاصرة لابد من اعادة الاعتبار مرة أخرى لأولويات فلسطين أي أولويات الامة حيث يكون نصر فلسطين تتويجا لانتصارات الامة كما ان استعمار فلسطين يعني انهيارات مدوية في كل بلد من بلداننا العربي والاسلامية وبين كل بلد واخر..

فلسطين من جديد تطل كلمة السر الحاسمة لنهضة الامة وانتصارها فهي وحدها من يملك القدرة على توحيد الشعب والامة.. وهكذا تصبح مشاريعنا الاقليمية والمحلية بمحرك فلسطين تتجه نحو التكامل والتوحد والنهضة وحينذاك سيكون الاسراء الى فلسطين يسرا وسهلا فلا بقاء للكيان الصهيوني في حضور امة متوحدة متحفزة تقودها قيادات تمتليء بالكرامة والغيرة والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك