فرنسا والعالم الإسلامي: حرب دينية أم حرب مواقع؟

بالنيابة عن تركيا

بقلم احسن خلاص

بينت التطورات الأخيرة التي أعقبت مقتل أستاذ التاريخ الفرنسي على يد تلميذ مسلم من أصل شيشاني مدى عمق النزاع التاريخي بين فرنسا والعالم الإسلامي وكيف تطفو إلى السطح صنوف من المناكفات والمشاحنات غير مرتبطة مباشرة بالصراع الحضاري إلا أنها تستدعي هذا الصراع كوقود لتصفية حسابات ذات طابع جيو-استراتيجي أو ذات الصلة بالمصالح الاقتصادية المتضاربة.

وتمثل المناوشات التي تقع هذه الأيام بين فرنسا ماكرون وتركيا أردوغان أحسن تعبير عن مثل هذه الحالات التي تستدعى فيها الرموز والقيم الدينية والصراعات التاريخية لتضاف إلى مناوشات مرتبطة بطبيعة شخصيتي الرئيسين الفرنسي والتركي فتشكل كتلا من نار تلهب الساحة السياسة والدينية داخل فرنسا والعالم الإسلامي لاسيما منه الدائرة الإيديولوجية والسياسية التي تنتمي إليها تركيا.

وتكشف التطورات المرتبطة بإعداد قانون حول “الانفصال الإسلامي” الذي سيعرض على البرلمان الفرنسي بداية ديسمبر المقبل ومشروع ماكرون الرامي إلى قطع مصادر التمويل الخارجية عن دور العبادة الإسلامية التي تحتل فيها تركيا النصيب الأكبر ومنع استيراد الأئمة والأطر الدينية حلقة من حلقات صراع قديم بين فرنسا وتركيا يتجدد في كل مناسبة تتصادم فيها مصالح البلدين سواء داخل فرنسا أو في أي ساحة أخرى من العالم مثل ما يقع الآن حول إقليم ناغورني كاراباخ والنزاع حول استغلال الاحتياطات الغازية في المياه التي تطالب اليونان بالسيادة عليها مدعومة من قبل عشر دول أوروبية تقودها فرنسا إلى الحد الذي وصف فيه الرئيس التركي أردوغان الرئيس الفرنسي بأنه نابليون جديد في حالة غزو للضفة الشرقية من البحر المتوسط.

والناظر إلى خارطة النزاع بين تركيا وفرنسا يدرك بسرعة أن البلدين يعيشان منذ عقود من الزمن ما يشبه الحرب الباردة التي استقرت في اللاوعي الجمعي لدى البلدين لاسيما بعد صعود القوى “الإسلامية” في تركيا والتخلص من بقايا القوى التي خلفها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. إذ لا يمكن أن تغفر فرنسا لتركيا احتفاظها بنموذج من النظام العلماني لا يمت بصلة لفرنسا التي اعتبرت نفسها دوما قبلة العلمانية الحقة وحاميتها الشرعية في كل زمان ومكان. كما لا يمكن أن تغفر تركيا لفرنسا وقوفها المستميت في التصدي لرغبتها الملحة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن هنا ندرك أن الصراع بين فرنسا وتركيا ليس سحابة صيف تنقشع بمجرد أن تتوفر شروط التهدئة وتتقارب المصالح. إذ أن ما نعيشه هذه الأيام من مناوشات إنما هو إحدى تمظهرات صراع عميق وضارب في القدم وقد يحدث أن يصنع أحد الطرفين أو كلاهما أدوات الصراع باستدعاء التاريخ إذا لم تتوفر أدوات أخرى في السوق الدولية. ومن هذه الأدوات إقحام مجازر فرنسا في الجزائر مقابل مجازر تركيا في حق الأرمن فقد اضطر أردوغان عام 2008 وكان وزيرا أولا لتركيا آنذاك إلى الرد على اتهامات فرنسا لتركيا بارتكاب مجازر في حق الأرمن ومطالبتها بالاعتذار والتعويض بتذكيرها باحتلال الجزائر وسياسة الإبادة التي مارستها مطالبا إياها بتعويض الجزائريين عن الضرر من الاستعمار.

وكادت الجزائر أن تتحول آنذاك إلى أداة من أدوات صراع تركيا مع فرنسا لولا أن تدخلا رسميا على لسان الوزير الأول احمد أويحيى آنذاك قد دعا تركيا إلى الكف عن إقحام الجزائر في صراعاتها الدولية. ولم يبخل أي من الطرفين بأي قاذفة إلا ورماها في وجه الطرف الآخر، آخرها اتهام أردوغان لماكرون بالنزعة الاستعمارية في لبنان واعتماده سياسة الاستعراض للتأثير على النخبة السياسية في هذا البلد باستغلال أزمته الاقتصادية.

لم يعد رجب طيب أردوغان بحاجة اليوم إلى البحث عن أداة فعالة ليوظفها في صراعه القديم المتجدد مع فرنسا فقد منحه مقتل أستاذ التاريخ والمزايدات الكلامية المرتبطة بالصور الكاريكاتورية المسيئة للنبي الكريم والثرثرة القائمة بشأن التصدي للإسلام الراديكالي المتطرف في فرنسا وعن ضرورة هيكلة الإسلام في فرنسا وغيرها من العبارات التي يتداولها الرئيس ماكرون أمام وسائل الإعلام. كل الأدوات متوفرة إذن أمام الرجلين ليعلناها حربا ظاهرها انتصار كل واحد منهما لرؤيته وإيديولوجيته وقيمه الدينية وباطنها محاولات استقطاب ضرورية لكل واحد منهما. فكلاهما دخل في مستنقعات متعددة داخلية وخارجية وقد تكون هذه الحرب الفرنسية-التركية مفيدة لفك الحصار عنهما وتوجيه الأنظار عما هو أهم داخليا وخارجيا لكل منهما.

ومن الضروري اليوم أن نتساءل: إلى أي مدى يمكن لتأليب الشعوب الإسلامية ضد فرنسا ورئيسها التي تقودها شبكات إخوانية دولية بالدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية أن تنوب عن أدوات أخرى لصراعه مع فرنسا في المياه الإقليمية اليونانية وليبيا وسوريا وحتى في منطقة الساحل الإفريقي؟ وإلى أي مدى يمكن لأردوغان بتزعمه “التيار الإسلامي” المناهض لفرنسا النجاح في توظيف العاطفة الدينية للمسلمين للضغط عليها ورئيسها الذي دعاه أردوغان إلى تفقد صحته العقلية أمام التصريحات المثيرة للسخط والغضب الإسلامي. وهو ما رد عليه الإليزي ببيان شديد اللهجة عبر فيه عما أسماه تجاوز أردوغان كل الحدود.

لقد تجاوز أردوغان في صراعه مع فرنسا حدود تركيا ليجعل منه صراعا فرنسيا إسلاميا كما تجاوز ماكرون حدود صراعه مع بعض القوى الإقليمية ليجعل منه صراعا مع الإسلام والمسلمين من خلال المساس بقدسية الرسول الكريم وإثارة غضب المسلمين لأغراض سياسية وانتخابية داخلية بعد نزول شعبيته لصالح قوى اليمين المتطرف.

بتوظيفها القدسية الدينية نحت الصراعات البينية والإقليمية بين تركيا وفرنسا منحى دوليا جعل القوى الإسلامية في الكثير من البلدان على غرار الجزائر تطالب الحكام باتخاذ موقف رسمي مستنكر لمواقف الرئيس الفرنسي الذي اعتمد سياسة الاستفزاز الديني بالإبقاء على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وتعليقها على جدران بعض العمارات في المدن الفرنسية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك