فرنسا عدوتنا… هل يقضي وباء على وباء آخر

هل تستوعب الجزائر دروس الوباء

بقلم  لخضر بن يوسف 

اجتاح فيروس كورونا كوفيد 19 المستجد غير المرئي العالم والذي يعد أحد أشكال الحروب المعاصرة  أو ما يسمى ” حرب الفيروسات ” يتم توظيفهما للضربات الاقتصادية وخلق الأزمات لإعادة صياغة النظام العالمي الجديد ، كورونا كوفيد 19 الذي أربك العالم وجعل البشرية تعيش تحت الذعر والخوف خلخل كثيرا من المسلمات واليقينيات التي ظلت سائدة منذ عقود من الزمن ، تكاثرت الشكوك حول ماهية وطبيعة هذا الفيروس الذي يراد منه قتل ملايين من البشر بشكل طبيعي ومن وراءه كأن يكون سلاح وما إلى ذلك من شكوك تحوم حول صناعة الفيروس الذي جعل العالم اليوم رهن الاعتقال والجميع في حالة توقيف ذاتي بسبب الحجر الذي فرضته الدول ، هل لأمريكا أو غيرها يد في صناعة هذا الفيروس وتطويره أم أن هذا الفيروس تسرب بالصدفة من مختبرات ووهان ؟ هل قام باحث في المختبر بنقله للخارج من يدري؟

في خضم التداعيات الخطرة التي يخلفها انتشاره على امتداد مناطق مختلفة من العالم ، بين من يرى فيه محطّة قاسية ستكون لها انعكاسات كبيرة بالنسبة للجزائر، وللقيادة السياسية الجديدة ، والتوازنات المتحكّمة فيها ، وبين من يعتقد بأن الجزائر الجديدة  ستخرج قويّة ومتضامنة من هذه التجربة.. 

إن من أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من انتشار جائحة ” كورونا ” أنه منذ 1832 الى اليوم تتلخص مشكلة الجزائر على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واستراتيجيا..، في صراعها من الوباء التاريخي فرنسا الصليبية  بمختلف أعراضه التدميرية التي مست الجزائر فهل يمكن أن يقضي 

وباء على وباء آخر:

لن يقتل كورونا من الجزائريين ما قتلته فرنسا : مليونا ونصف المليون من الشهداء ، لقد عملت فرنسا الصليبية الحقودة مند احتلالها الجزائر على إتباع سياسة قمعية ووحشية في بسط سيطرته ونفوذها على الجزائر ، ولن يفني كورونا في يوم واحد ما أفنته فرنسا في يوم الثامن ماي : خمس وأربعين ألفا من الشهداء ، جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر سقط في قمع سلطات الاستعمار الفرنسي الآلاف فمثلا في مجازر 08 ماي 1945 بمدينة سطيف وقالمة وخراطة خلال ثلاثة أيام آلاف القتلى الجزائريين (45 ألفا بحسب إحصاءات الذاكرة الوطنية الجزائرية) برصاص الشرطة والجيش ومليشيات المستوطنين، كما قتل فيها نحو مائة أوروبي بيد وطنيين جزائريين

لقد مارست فرنسا التي استولت طولا وعرضا عن الجزائر وخيراتها أهمّ التهديدات التي تحيط بالأمن الإنساني ، وعدد من التهديدات الأخرى ، وهو ما يتطلب اليوم إعادة النظر في سياسات التسلّح بكل أشكاله التي تنصب على المجال العسكري كالصواريخ العابرة للقارات ، و الطائرات الموجهة عن بعد و البوارج الحربية ، وترصد لها الدولة الجزائرية إمكانيات اقتصادية ومالية ضخمة تفوق عددا من القطاعات المدنية ، وتحويل جزء كبير منها نحو الاستثمار في المجالات الطبية والعلمية لمحاربة عدو حقيقي وداهم ، يهاجم الإنسانية جمعاء، ويتعلق الأمر بمختلف الأمراض والأوبئة التي تبيّن أنها ما زالت تشكل تهديدا للإنسان وحضارته

لعنة التبعية

لن يرهن كرونا الجزائر للتخلف والعجز مثلنا رهنت فرنسا الجزائر عبر سياساتها الاستعمارية لتبقى متخلفة تابعة اقتصاديا وثقافيا وعلميا على حساب حرية المعرفة والاهتمام بالبيئة والتعليم والبحث والمدن الطبية حتى اليوم صارت تتميز بضعف وركاكة الادارة والقيادة فيها مما نجم عنه آثار اقتصادية وانسانية وسياسية جعلت منها عرضة  لأزمات خاصة بالبطالة والفقر والكساد والضيق ، لتصطدم بالعاصفة المعيشية والاقتصادية ، أصبح من اللازم والضروري، إعادة النظر في السياسات العمومية عبر ترتيب الأولويات من جديد ، وبخاصة على مستوى تشجيع البحث العلمي في كل المجالات ورفع قيمة الدعم المالي المخصص له من قبل الدولة والخواص ، وكذا تطوير قطاع التعليم بكل مستوياته من حيث تعزيز البنيات الأساسية ، وتعزيز كفاءة العنصر البشري ، وتطوير المناهج والمخرجات انسجاما مع المتغيرات التي تشهدها المجتمعات والواقع الدولي ، فهاتان المنظومتان هما الكفيلتان بترسيخ الوعي والعقلانية ، ومحاصرة الرداءة والتفاهات.. داخل المجتمع، وهما البوابتان الحقيقيتان لكسب رهانات التطور والتنمية وتجاوز الهدر، كما يشكلا معا أساسا لعقلنة وتجويد القرارات المتخذة ، وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وقضاياه

كشف الوباء عدم جاهزية الجزائر عكس كثير دول العالم الثالث ، لمواجهة هذه الآفة ، وبخاصة على مستوى توافر البنيات التحتية المتعلقة بالقطاع الصحي ، أو المكوّن البشري الكافي ، وكذا التجهيزات اللازمة ، وهو ما يحيل إلى الإقرار بأن الجائحة أفرزت قناعة أكيدة ، بأهمية تخصيص جزء هام من ميزانية الدولة لهذا القطاع الحيوي.

إدارة الأزمات

أصبح من الضروري على الجزائر الجديدة إيلاء الاهتمام الكافي لتقنية إدارة الأزمات والكوارث كأسلوب مستدام ضمن أجندة الدولة ، بل وأضحى لازما إحداث مراكز علمية دائمة لرصد وتتبع ومواكبة الأزمات والكوارث على المستويات الوطنية ، علاوة على إحداث مكاتب تهتم بهذا الموضوع ضمن الأقسام الإدارية للمؤسسات الحكومية والخاصة ، على شاكلة الأقسام المعنية بالشؤون المالية والتقنية والإدارية والبشرية

كما ينبغي أيضا إدراج مواد وتخصصات بالجامعات الجزائرية تعنى بإدارة الكوارث والأزمات ضمن جميع الأقسام التعليمية ، وضمن كل المستويات ، كسبيل لترسيخ ثقافة تدبير الأزمات في أوساط النشء ، وتوفير مناخ اجتماعي سليم قادر على مواجهة الأزمات والكوارث بقدر من الجاهزية ، وعدم الاستخفاف ، إضافة إلى تدريب وتطوير قدرات عدد من الأطر الإدارية في هذا الخصوص شريطة استحضار بعض التجارب الدولية الرائدة في هذا السياق ، التي تتبنّى استراتيجية تقوم على تدبير القرب ، بجعل المعنيين بالأزمة والكارثة هم الأكثر تمكّنا وكفاءة في مواجهتهم

سواد التفرقة والعنصرية والفساد لن يزرع كرونا الفتنة بين الجزائريين كما زرعت فرنسا بسياسات التفريق الممنهجة ، في ظل ما تشهده الجزائر من استعدادات وإجراءات وقائية ضد تفشي فيروس كورونا ، الذي بات يُرهب المواطنين والسلطات المحلية على حدٍ سواء ، ظهرت المبادرات التضامنية  وكشفت مدى تآزر وتضامنٌ وتآخٍ المجتمع ، على اختلاف الطبقات ومكانتها الاجتماعية ، إذ توحدت الصفوف من أجل التصدي لهذا الوباء المُستفحل ليثبت الشعب الجزائري أن فيه من روح التكافل والتعاون والشهامة ما لا يمكن لإنسان أن يتصوره ربما ، مهما كانت مساوئه ، وما يحدث من مبادرات تكافل وتضامن اليوم شاهد على ذلك ،  فيروس ” كورونا ” هدم كل الفوارق التي كانت قائمة بين طبقات المجتمع ، إذ ساوى بين الناس ، فلا يميز غنيا عن فقير، ولا بين حاكم ومحكوم ، حتى الطبقة السياسية توحدت مولاة و معارضة لمجابهة جائحة الكورونا بالجزائر الجميع يعيش الألم ويَختبر الذعر والخوف ويعيش الفاجعة فرب ضارة نافعة ولعل الخير يكمن في الشر فجائحة كورونا  أعادت اللحمة والاندماج والتراص المجتمعي قيادة وشعبا عكس ذي قبل لأن المدخل الأساسي للتغيير يكون عبر الاجتماعي ، اذن كورونا هو اختبار امتحان لقدرة الجزائر على التكاتف .

 

ما فعلته فرنسا وما أحدثه كورونا

لن يخطط كورونا إلى إثارة الحرب الأهلية في الجزائر كما فعلت فرنسا عبر تخطيطها ومواقعها و أدواتها من المصابين بوبائها القاتل لتجعل الجزائر تتخبط بأزمات واضطرابات ، وتواجه تحديات شتى سابقة لاندلاع جائحة كورونا ، ما أدى إلى قيام انتفاضة شعبية عابرة للعالم ، حاولوا تطويق الانتفاضة ولجمها لكن اندلاع جائحة كورونا ، زاد الأزمة المالية والاقتصادية تعقيداً وتأجيجاً ، من شأنه في المقابل تقوية اتجاه وطني يدعو إلى الاستعاضة عن النظام السابق المترهل ، بآخر جديد  قوامه دولة مدنية ديمقراطية تنطوي على لامركزية ولا حصرية إدارية

لن ينهب كرونا ثرواتنا الطبيعية والمالية عبر قرنين من الزمن كما فعلت فرنسا بالغلق الشامل على الادارة والقيادة والصحة والعمل والبطالة والحياة والاقتصاد سواء بالاستغلال المباشر فترة الاستعمار أم عبر الاقتصاديات الوهمية التي رعتها شراذمها الموبوءة التابعة في مرحلة ايفيان بعد الاستقلال ومن هنا يمكننا العودة إلى مفهوم الإنتاج والاستهلاك المحلي ، أي أن نشتري ونأكل مما ننتج ، وألا نكتفي فقط بالاستيراد من الصين أو غيرها بحجة العجز والنقص في الامكانيات وعليه من الضروري تطوير هذا المفهوم ، والاعتماد على الذات ، وهو ما سيؤدي بالجزار حتما إلى التطور الاقتصادي المبني على الإمكانيات الزراعية والصناعية الاستراتيجية المتاحة لكل منطقة دون الاعتماد على الاقتصاد الريعي ، كبيع الثروات الطبيعية مثل البترول أو الذهب ، هو حقيقة كارثة على الاقتصاد ومدمر للأجيال المقبلة ليس فقط لأنه لا يبني اقتصاداً متنوعاً وإنتاجياً ، إنما لأنه أكبر أسباب وجود وبقاء الديكتاتوريات التي لا تترعرع إلا إذا سرقت ثروات الأوطان لصالح مجموعة مافياوية في السلطة بدون أي اكتراث بالمواطن وصحته وحاجاته ومستقبل أبنائه ، فثروات الوطن يجب أن تبقى فيه لبنائه وتأمين مستقبل أبنائه ، وباء كورونا أظهر من جديد عدمية وعبثية هذه الأنظمة ، وضرورة العمل للخروج من كنفها – فرنسا – ، من هنا تنبع الحاجة الملّحة إلى وضع خطة اقتصادية متكاملة ، وتعزيز جودة التعليم  ، وتطبيق الضريبة التصاعدية على أرباح الشركات والثروات الكبيرة ، ومكافحة الاحتكارات ، وبناء اقتصاد وطني منتج ، بدل الاقتصاد الريعي ، وتعزيز التكامل الاقتصادي مع دول الجوار العربي ، وتعديل اتفاقات التجارة الحرة ، والانفتاح على الصين وروسيا لتأمين استثمارات مجزية في الصناعة والبنى التحتية .

لحظات مصيرية

تمرّ الجزائر اليوم  بلحظة عصيبة ومنعطف حاسم ، وكما ينتقل الوباء باختراق الخلايا الحية في جسم الانسان ويتخذها أداة للانتشار تمكنت فرنسا الصليبية الحقودة كوباء تاريخي من اختراق خلايا الوعي الفردي والجمعي لدى بعض الجزائريين – فترة الاستعمار – ليتبنوا لغتها ويتشربوا ثقافتها و حتى روحها الصليبية في كراهيتهم للقيم العربية الاسلامية ويتحولوا الى بؤر وبائية حية بتركية اجتماعية تاريخية أكثر إيذاء و ناقلة لمخاطر التهديد المستمر لكيان الأمة الجزائرية ووحدتها عبر مختلف أنشطة التوسع السياسية أو الاعلامية أو النفسية 

اليوم تقف الجزائر على مفترق طرق في نهاية مرحلة ايفيان وظهور وباء كورونا و على مشارف تحول في التوازنات الدولية فعسى أن يكون وباء كورونا من مقادير الضرر الذي يدفع بنا إلى الخلاص من فرنسا الوباء يقتضي التعلّم من التجربة القاسية ، عبر إعادة النظر في مجموعة من السياسات والأولويات ، بما يكفل إرساء ركائز لمجتمع جزائري متعاون ، ومتضامن ، ولتحقيق تنمية مستدامة تستحضر الإنسان كوسيلة وهدف ، لمواجهة تهديدات ومخاطر شتّى ، لم تعد تستثني مجتمعا دون آخر

 

ختاما

 قناعتي في هذه الأيام الصعبة ، أن معركة كورونا ، بكل تداعيتها الوطنية والدولية ، يمكن أن تكون بداية القطيعة مع فرنسا عدو الماضي والحاضر والمستقبل ، فهل ستستغل هذه الفرصة للانطلاق في سياسة جديدة ، ليس في مجال تسيير النخب ، بل في إصلاح جذري لكل مؤسسات الدولة ، كما طالب بذلك الشعب الجزائري ، وهو يخرج في مسيراته الوطنية التي أعادته إلى سكة تاريخ البشرية  ، أكد انتشار وباء كورونا على أنه واحد بالنسبة لكل أبناء الأرض

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك