فرنسا تستأنف مع الجزائر

بعد "استراحة" لسنة كاملة

وإن كان الملف الليبي الداعي الرئيس لزيارة وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، إلى الجزائر، إلا أنها كانت فرصة للطرفين الجزائري والفرنسي لبحث إعادة تنشيط الأطر التقليدية لمتابعة العلاقات بين البلدين وتنشيطها.

وتعد علاقات الجزائر مع فرنسا الأكثر استقرارا وهيكلة من بين جميع البلدان فضلا عن أنها ملف ثري ومتنوع يشمل مجالات التشاور السياسي والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري إضافة إلى الشراكة في عدة مجالات خدماتية وأخرى ثقافية ولاسيما المتعلقة منها بملف الذاكرة.

كان الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، خلال فترة حكمه الطويلة، حريصا على بناء علاقات مستقرة مع فرنسا لكنه اصطدم بتغير وجهات نظر الرؤساء الفرنسيين المتعاقبين على الحكم في فترته، فقد عاصر 4 رؤساء فرنسيين مختلفين في الرؤية إلى الملف الجزائري بالرغم من بقاء بعض المواقف الفرنسية ثابتة إزاء جملة من الملفات الثقافية وعلى رأسها ملف الذاكرة الذي وإن أبدت فرنسا استعدادها للتعاون بشأنه مع الطرف الجزائري من الناحية التقنية، إلا أنه لا يزال من المحرمات على الحكومات المتعاقبة في الضفة الشمالية.

كان الرئيس شيراك، وهو الذي يحمل حنينا خاصة إلى الجزائر، من الحريصين على ترقية علاقات متينة مع مستعمَر الأمس، علاقات لا تنغصها جراح الذاكرة الجماعية المتعلقة ب132 سنة من الاحتلال. واقترح على الجزائر معاهدة صداقة في خطاب له أمام البرلمان الجزائري عام 2005، لكنه مقترحه اصطدم برفض داخلي عنيف عبرت عنه منظمة المجاهدين وأوساط من المجتمع المدني المؤذون، لاسيما وأن عرض شيراك لم يكن يحمل مزايا استثنائية للجزائر بالمقارنة بالمستوى الذي بلغته العلاقات بين فرنسا ودول الجوار فضلا عن الحساسيات التي يمكن أن ترافق أي امتيازات تقدم لفرنسا على حساب بلدان أوروبية أخرى، وقد ظهر ذلك من خلال الضغط الذي ظلت تمارسه فرنسا لكي تحظى بالحصرية في المجالات الخدماتية وصد مشاريع أوروبية كبرى مثل مشروع ديزيتيك الألماني الذي اكتُشف مؤخرا أن فرنسا تصدت لتجسيده.

وبعد فترة من الركود سادتها توترات بين البلدين في عهد الرئيس ساركوزي، أعاد هولاند تنشيط العلاقات مع الجزائر. كان ساركوزي قد اقترب من الجزائر كثيرا حتى قبل توليه رئاسة بلاده فقد زار الجزائر وزيرا للمالية ووزيرا للداخلية وحظي باستقبالات تليق بمقام الرؤساء، غير أن صعوده إلى سدة الرئاسة في 2007 تزامن مع بروز نزعة اقتصادية محافظة لدى الحكومة الجزائرية وقد تجسد ذلك من خلال قاعدة 49/51، وقد حاول ساركوزي مرارا تذليل العقبات أمام المستمرين الفرنسيين من خلال مبعوثه “المسهل” السيناتور رافاران، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل. يضاف إليها تصعيد في الخطاب بين فرنسا والجزائر تجاه ملف الذاكرة لاسيما بعد تصريحات لوزير المجاهدين محمد الشريف عباس آنذاك بشأن الأصل اليهودي للرئيس الفرنسي وتصريحات وزير الخارجية الفرنسي الذي أكد أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا لن تعرف طريقها للاستقرار والنمو إلا بذهاب جيل الحركة الوطنية والثورة التحريرية. يضاف إلى هذه المؤشرات تورط فرنسا مباشرة في مستنقعات ثورات الربيع العربي ولاسيما في ليبيا وسوريا وتونس وهو ما أنتج تباينا وشرخا في وجهات النظر إزاء الأوضاع في هذه البلدان. وكانت الجزائر تتوجس من أن تلتفت سياسة ساركوزي الجديدة إلى الجزائر في مرحلة ثانية إلا أن فشل ساركوزي في نيل ولاية ثانية وصعود ساركوزي عام 2012 أعاد الهدوء إلى العلاقات الثنائية وبدأ التفكير في مشروع تنميتها.

وكما كان الحال مع شيراك، لم يكن هولاند “غريبا” عن الجزائر، فقد زارها في فترة دراسته وأجرى تربصه بالسفارة الفرنسية بالجزائر وكانت تربطه علاقات متينة مع شخصيات مثل احمد بن بله وعبد العزيز بوتفليقة وإطارات قديمة من حزب جبهة التحرير الوطني لاسيما ضمن مساعي هذا الأخير للانخراط في الأممية الاشتراكية عندما كان هولاند رئيسا للحزب الاشتراكي الفرنسي. وبهذا الرصيد قرر إنهاء حالة الجفاء التي ظلت تميز العلاقات مع الجزائر خلال فترة ساركوزي الرئاسية. فمنذ وصوله إلى الحكم في ماي 2012 استنفر حكومته لتحضير زيارة كبيرة له إلى الجزائر من أجل تنشيط العلاقات معها في جميع المجالات مع بحث عنوان وإطار سلسين لإيواء هذه العلاقات. فكانت زيارته في ديسمبر 2012 محاولة لفتح صفحة جديدة تزاوج بين خطاب أكثر تفتحا على ملفات الذاكرة كمطية لتنشيط شراكة واسعة بين البلدين. فقد ألقى خطابا أمام البرلمان الجزائري تحدث عن “الآلام المشتركة” التي أورثتها الحقبة الاستعمارية، وأقر، في ما يشبه الاعتراف، بتجاوزات النظام الاستعماري في الجزائر دون إبداء أي استعداد لفتح الملفات المزعجة مثل ملفي مجازر 8 ماي 1945 والتجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية.

وما يجمع القيادات الفرنسية المتعاقبة في الحقيقة هو نظرتها إلى الجزائر كسوق للسلع الفرنسية ولاستثمارات في مجال الخدمات في أحسن الأحوال ومجال حيوي للتأثير الثقافي لاسيما من خلال النسيج البشري الجزائري المتواجد على أرضها وأصبح يطرح إشكالات ديمغرافية وثقافبة جادة. هذا التأثير الذي لا يزال يصطدم، بعد 58 من بداية الاستقلال، بملف تاريخي ثقيل يصعب على جيل إيمانويل ماكرون تجاوزه وهو الذي يطمح لعلاقات متميزة مع الجزائر، وكيف لا وهو يغتنم فرصة عودة الجزائر إلى المسار الانتخابي ليبعث بوزير خارجيته إلى الجزائر ليفتح معها جميع الملفات العالقة منذ أكثر من سنة.

بقلم: احسن خلاص      

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك