فرنسا التي لا تحب الأضواء

قوانين جديدة مكبلة للحريات

بقلم احسن خلاص

لم يكد يمر شهر على الجدل الذي عرفته الساحة الفرنسية حول موضوعات تتعلق بالدفاع عن حرية التعبير بمقابل الحرص على احترام المقدسات لاسيما الدينية منها من خلال دفاع الرئيس إيمانويل ماكرون عن استمرار نشر الرسومات المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يخمد بعد ذلك الجدل حول قداسة مبادئ الجمهورية والديمقراطية والعلمانية في فرنسا وسموها على نزعات الانعزال التي تغذيها الجماعات الدينية المتطرفة عبر المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية، ولم يجف حبر تلك النقاشات القديمة الجديدة حتى دخلت الساحة الفرنسية حلبة نقاش جديدة صاحبها تصعيد وعنف كمؤشر، هذه المرة، على بداية أزمة سياسية وأخلاقية من شأنها أن تهز أركان الجمهورية وتعصف بالمبادئ الديمقراطية وعلى رأسها مبدأ حرية التعبير نفسه الذي تغنى به ماكرون قرابة شهر كامل عندما تعلق الأمر بالمقدسات الدينية.

ويأتي هذا التصعيد وقد تزامن إعداد وزير الداخلية جيرالد دارمانان مشروع قانون حول “الأمن الشامل” مع حوادث وتجاوزات ارتكبها عناصر من الشرطة الفرنسية وهي الأفعال التي تأبي القوى الاجتماعية في فرنسا اعتبارها أفعالا معزولة فقد أظهرت صور كاميرات المراقبة اعتداء مجموعة من رجال الشرطة على ميشال زيكلير وهو منتج في مجال الموسيقى في الساحة العامة وداخل مكان عمله تحت أعين مجموعة أخرى من عناصر الأمن التي ظلت متفرجة دون أن تحرك ساكنا. وهي الصور التي ما إن تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي حتى تهاطلت ردود الفعل المستنكرة من مواطنين ورياضيين ورجال فن اعتبروا ما حدث خزيا وعارا على بلد يعتبر نفسه عنوانا لحرية التعبير.

وغذى هذا التصعيد ما ورد في المواد 21 و22 و24 من قانون الأمن الشامل هذا، من تشديد على منع تصوير رجال الشرطة أثناء أداء مهامهم بالإضافة إلى تعميم نشر كاميرات المراقبة وتكثيف الرقابة على الاتصالات بدعوى إعطاء دفع للمخططات الأمنية للدولة الهادفة إلى مكافحة الإرهاب والجريمة والتخفيف من روح الكراهية والسخط تجاه رجال الشرطة والتي عادة ما يجلبها نشر صور لرجال أمن وهم يؤدون مهامهم المتعلقة بحفظ النظام العام والمداهمات وعمليات مطاردة المجرمين.

لكن العديد من المراقبين يرون أن هذه الحوادث وتزامنها مع نصوص تشريعية تشدد الرقابة على المجتمع وتمنع الرقابة ذاتها على رجال الشرطة هي بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس إذ أن الضغوط من هذا النوع والتي يعيشها المجتمع في فرنسا ليست اكتشافا جديدا يعود إلى يوم الخميس الماضي بل هي تراكم وامتداد لسنوات عديدة. لقد وضعت الحكومات الفرنسية المجتمع منذ تنامي العمليات الإرهابية في المدن الفرنسية ولاسيما العاصمة باريس بين أمرين أحلاهما مر، إذ لم يعد الحفاظ على الحريات العامة الفردية والجماعية أمرا بديهيا ومقدسا أمام الضغوط التي ظلت الحكومات تتلقاها من المواطنين ومن المعارضة السياسية من أجل بلورة مخططات أمنية محكمة لمكافحة الإرهاب. وصارت الحكومات تتكيف مع أي موجة جديدة من العنف لتميل إلى ربح مساحات جديدة في مجال التضييق على الحريات مقابل ضمان أكبر قدر من الأمن.

وقد ساعدت التفجيرات الأخيرة الحكومة على منح الشرعية اللازمة لدعم الترسانة القانونية المتعلقة بالأمن العام وهو ما تجسد في المشروع الذي تقدم به دارمانان. هذا الأخير، بالرغم من وعوده بتوقيف رجال الشرطة وتقديمهم للعدالة وتعبير الرئيس ماكرون عن “الصدمة” تجاه تلك التجاوزات إلا أن قانونه أثار أزمة سياسية بين النخب السياسية امتدت إلى الحزب الحاكم بالنظر إلى تناقض توجهاته مع ردود الأفعال ذاتها إذ لا يعقل في نظر المراقبين أن تتحرك الحكومة الفرنسية لمعاقبة أفراد الشرطة بناء على صور منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الذي أنزلت مشروع قانون يمنع أي تصوير لوقائع تصدر منهم فضلا عن بثها على الشبكة الاجتماعية. وتنص المادة 24 من قانون الأمن الشامل على فرض عقوبة السجن لسنة واحدة وغرامة قدرها 45 ألف يورو لنشر “صورة وجه أو أي عنصر آخر لتحديد هوية” أفراد في قوات الأمن خلال عملهم، عندما يسبب ذلك “ضررا” لـ”سلامتهم الجسدية أو العقلية”.

وأمام ما تعيشه فرنسا منذ ما يقرب من عامين من احتجاجات لاسيما مع مظاهرات السترات الصفراء يبدو أن الحكومة الفرنسية تتجه تدريجيا إلى إطفاء الأضواء التي تسلط المزيد من الشفافية على تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات وقد وصف اليسار الفرنسي ماكرون بالمستبد والمعادي لحرية الصحافة وقد نالت هذه التهمة التأييد بعد أن تعرض الصحافيون للاعتداء وهم يقومون بتغطية عملية تفكيك عنيفة لمخيم للمهاجرين في إحدى ساحات باريس.

وتظهر جليا ازدواجية التعامل من قبل الرئيس ماكرون والحكومة الفرنسية حيال مسألة حرية التعبير فقد كانت منذ ما يقرب من شهر معتقدا مقدسا للجمهورية الفرنسية العلمانية قبل أن تتحول إلى عامل مغذي للكراهية اليوم عندما يتعلق بنقل التجاوزات التي يرتكبها رجال الشرطة. ومع توجس الحكومة الفرنسية إزاء العودة المحتملة للعمليات الإرهابية على أراضيها فإن حرية التعبير والإعلام تتجه أكثر فأكثر نحو التقلص لتترك مكانها لشعار مفاده ابتعد ولا تصور فنحن نعتدي ونقمع.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك