فجائية الموقف الغامض،وجهود الوساطة

الجزائر وتداعيات الإحتلال العراقي للكويت

أ.د.رضوان شافو- جامعة الوادي

قبل الحديث عن الاحتلال العراقي للكويت في الثاني من شهر أوت 1990، او ما يعرف بأزمة الخليج الثانية،ومعرفة الموقف الجزائري من هذه الأزمة، لابد من معرفة طبيعة العلاقات التاريخية بين الجزائر والكويت قبل الازمة، وحتى نتفهم موقف التوازن الذي اتخذته الجزائر حيال الإجتياح العسكري العراقي للكويت.

سبق وقد أشرت أن العلاقة الأخوية بين الجزائر والكويت تجلت في ذلك الدعم القوي للثورة الجزائرية من خلال المساعدات المادية والمعنوية وفي جميع المجالات،وعلى كافة الأصعدة، واعتقد بأن القواسم المشركة دينيا وتاريخيا كانت هي المحرك الأول والاساسي وراء التعاون المشترك في مواجهة سياسات الإستدمار الأوروبي الفرنسي والانجليزي،وبفضل تظافر عوامل الكفاح المشترك استطاعت كلا من الجزائر والكويت التحرر من ربقة الإستدمار الأوربي،وأن تسترجعا سيادتهما الوطنية المغتصبة.

 

تعاون مشترك

 

وخلال مرحلة الاستقلال استمرت جهود التعاون بين البلدين من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية،وإعادة بناء دولتهما من جديد وفق نظم سياسية جديدة تتماشى مع مختلف التحولات السياسية والاقتصادية الدولية آنذاك،ولعل الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين،والدور الذي لعبه الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية منذ سنة 1961 في دعم الجزائر، لدليل على متانة عمق العلاقات بين الجزائر والكويت،حيث كانت أول زيارة رسمية للكويت في عهد الجزائر المستقلة من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين في 8 مارس 1973،حيث استقبله أمير الكويت آنذاك الشيخ صباح السالم الصباح،وقد تضمن محتوى الزيارة تعزيز العلاقات بين البلدين من خلال دعم قضايا التحرر في العالم العربي وإحلال الأمن والسلام في العلاقات العربية العربية،وخلال أواخر شهر نوفمبر من نفس السنة كانت أول زيارة رسمية لأمير الكويت للجزائر برفقة وفد رفيع المستوى،وذلك في إطار المؤتمر السادس للقمة العربية، وكان اهم تصريح لأمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح عقب إنتهاء مؤتمر القمة العربية قوله:” لقد بحثنا في مؤتمرنا قضايانا المصيرية وعالجنا بروح من الأخوة والجدية والصراحة سبل تعزيز قدراتنا واستمرار تضامننا، واتخذنا القرارات اللازمة لدعم جبهاتنا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية، ولحشد طاقتنا لمواجهة عدونا المشترك،مؤكدين تصميم الشعب العربي على النضال من أجل تحرير اراضيه واستعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني”،وضمن تصريحة خص الرئيس هواري بومدين بالتقدير والعرفان على الحفاوة البالغة التي تلقها من طرفه،ومن طرف الشعب الجزائري.

 

الشاذلي بن جديد والشيخ جابر

 

وفي عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد والشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت، عرفت العلاقات الجزائرية الكويتية تطورا كبيرا،وخصوصا في المجال الاقتصادي، حيث ارتفع مستوى الاستثمارات الكويتية في الجزائر بشهادة المسؤولين الجزائريين انذاك،زيادة على ذلك قام الرئيس الشاذلي بن جديد بزيارة رسمية ثانية الى الكويت في مارس 1980،من أجل تعزيز المشاورات السياسية والاقتصادية فيما يخدم مصالح البلدين،وتوحيد جهود الوساطة في حل العديد من الازمات السياسية التي تعاني منها الأمة العربية وفقاً لمبادئ جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة،وبناءً على هذه الزيارة، قام ولي العهد الأمير الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح للجزائر في ديسمبر 1981، حيث توجت هذه الزيارة بإنشاء لجنة مشتركة للتعاون بين البلدين،وتأسيس شركات مشتركة في مجال الاستثمارات والتعاون النفطي.

 

ما قبل الاجتياح العسكري العراقي للكويت

 

ما تجدر الإشارة إليه هو أن الفترة مابين مرحلة استقلال البلدين ،وما قبل الإجتياح العسكري العراقي للكويت سنة 1990، اعطت العلاقات  الجزائرية الكويتية نموذجا رائعا للعلاقات العربية العربية، لكونهما كانا يعملان على مبادئ موحدة منبثقة من مواثيق الجامعة العربية والأمم المتحدة، أهمها احترام إرادة الشعوب وسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية وحل النزعات والخلافات بطرق ودية وسلمية، ورفض أي عمل عسكري يمس بأمن واستقرار الأمة العربية.

غير أن متانة العلاقات بين البلدين شهدت فتوراً وتراجعا خلال فترة التسعينات، وذلك على خلفية الموقف المتوازن للجزائر من الإجتياح العسكري العراقي للكويت في 2 اوت 1990،حيث رفضت غزو العراق للكويت ،وفى الوقت نفسه رفضت ما قامت به دول التحالف العربي-الغربي ضد العراق،وكذا رفض كل العقوبات التى فرضتها الأمم المتحدة على العراق.

 

خبايا الموقف الجزائري

 

قبل الخوض في خبايا الموقف الجزائري من الغزو العراقي للكويت، لابدا من الإشارة الى دوافع هذا الغزو والاحتلال، والذي تعود جدوره الى العهد العثماني،وبقي سجال هذا الخلاف يتجدد في كل مرة وفقا للمتغيرات السياسية للدولتين خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين،وكان أول اجتياح عراقي للحدود الكويتية سنة 1973،حينما سيطرت القوات العراقية على المركز الحدودي الصامتة،ودخلت الأراضي الكويتية،إلا ان جهود الوساطة العربية استطاعت ان تحل هذه الازمة سلميا، ولكن العلاقات العراقية الكويتية لم تشهد إستقرارا على الرغم مما بذلته الكويت من جهود  في سبيل ابعاد منطقة الخليج العربي من شبح الحرب.

والمتتبع للشأن الدولي آنذاك فسيلاحظ بأن المتغيرات الدولية آنذاك لم تكن في صالح استقرار منطقة الخليج العربي،حيث حدثت الحرب العراقية الايرانية (1980-1988)التي انهكت العراق طيلة ثمانية سنوات،وتذبدبت اسعار البترول بسبب الزيادة في الانتاج ويخالف الحصص المقررة من طرف منظمة الأوبك،مما جدد التوتر من جديد بين الكويت والعراق باتهامٍ من هذا الأخير للكويت بأنه يتسبب في تدمير اقتصاده، وقد انتهى هذا الاتهام  بحتمية غزو العراق للكويت صبيحة 2 اوت 1990م،وما هو مؤكد ورغم تعدد دوافع الغزو،فإن القاسم المشترك في تجدد سجالات الصراع بين البلدين هو مشكل الحدود الذي أثير في كل الخلافات السابقة.

 

الغزو العراقي للكويت

 

وبقراءة متفحصة للظروف آنذاك، ومهما كانت الأسباب والمبررات للغزو العراقي للكويت،فهو عمل غير أخلاقي وغير مقبولا شرعا،من منطلق الروابط العربية والإسلامية والضوابط الشرعية التي تحكم العلاقات الإنسانية مصداقا لقوله تعالى “إنما المؤمنون إخوة”، وأيضا من منطلق أنه يخالف مواثيق وعهود جامعة الدول العربية  الداعية الى الوحدة العربية،ومواثيق الأمم المتحدة الداعية الى عدم الاعتداء على سيادة الدول،واحترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها،وحل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية،واعتقد أن الموقف الجزائري من الإحتلال العراقي للكويت كان منطلقه هذه المواثيق والمبادئ،فبعد الإجتياح أصدرت الجزائر بياناً، نددت فيه بالعدوان على الكويت، وطالبت بالانسحاب الفوري للقوات العراقية، من دون قيد أو شرط،وأكدت سيادة الكويت واستقلالها،وخلال اجتماع مؤتمر القمة العربية في دورة استثنائية غير عادية في 3 اوت 1990، إمتعنت الجزائر برئاسة الرئيس الشاذلي بن جديد عن التصويت والموافقة على قرارات القمة العربية ،وطالبت بإدخال بعض التعديلات على نص القرارات،وخلال مؤتمر القمة العربي الثامن الغير العادي الذي عقد بالقاهرة (9 – 10 أوت 1990) ،إمتنعت الجزائر عن التصويت مرة اخرى على قرارات المؤتمر،ورفضت أن تستخدم بعض أراضي الدول العربية كقواعد عسكرية للقوات الأمريكية وحلفائها، للهجوم على العراق،هذا بالإضافة الى البحث عن حلول أخرى تحل الأزمة سلميا دون اللجوء الى استخدام السلاح،ومحاولة إبعاد أي تدخل اجنبي في الشؤون العربية، واعتقد ان هذا الامتناع الجزائري مبني على مجموعة من المبادئ الثابتة للسياسة الخارجية الجزائرية التي لم تتغير الى يومنا هذا.

 

جهود التسوية والوساطة

 

وفي إطار جهود التسوية والوساطة والمصالحة لحل هذه الأزمة سلميا، لعبت الجزائر دورا دبلوماسيا عربيا متوازنا،حيث قام الرئيس الشاذلي بن جديد بزيارات ماراطونية لمختلف الدول العربية،ووجه العديد من الرسائل لقادة الدول من أجل تدخلها لوقف العدوان والاحتلال،وعقد العديد من اللقاءات مع زعماء العرب بهدف إحلال السلام بين العراق والكويت،حيث استقبل الرئيس الشاذلي بن جديد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بمدينة وهران في 19 اوت 1990، من اجل وضع خارطة طريق عربية لحل الازمة تحظى بتأييد دولي، كما سافر مبعوث جزائري بعدها  الى بغداد لمقابلة الرئيس العراقي وحثه على فتح باب التفاوض مع الكويت لإنهاء الحرب.

وفي مقال لأحد الإعلاميين الذين رافقوا الشاذلي في احدى رحلاته يقول :أن الرئيس قام بجولة زار فيها كل من إيران والأردن وسوريا ومصر وسلطنة عمان، من أجل إقناع مسؤولي هذه الدول بألا تتخذ أراضيهم نقاط انطلاق للقوات العسكرية الأمريكية وحلفائها، في ضرب العراق، كما زار العراق وحث رئيسها الراحل، صدام حسين، للانسحاب من الكويت لتجنيب بلاده الدمار، اما بخصوص زيارته للسعودية فقد فشلت بسبب  إصرار السعودية على اشتراط الانسحاب العراقي من الكويت قبل الشروع في أية مبادرة للسلام.

على كل حال لم تحقق الوساطة الجزائرية أي تقدم نحو المصالحة بين البلدين بسبب تعنت الرئيس صدام حسين،وحدث ما كانت تخشاه الجزائر من تدخل أجنبي في الشؤون العربية، حيث تدخلت قوات التحالف العربي – الغربي بقيادة أمريكا عسكريا جوياً وبرياً في 17 جانفي 1991،ولم يرفع هذا التدخل إلا بتحرير الكويت في 26 فيفري 1991،والذي اصبح عيدا وطنيا تحتفل به الكويت سنويا

وبعد تحرير الكويت،وعلى الرغم من امتعاض الكويت من الموقف الجزائري تجاه الإحتلال العراقي للكويت، إلا أن ذلك لم يكن عائقا أمام إنطلاقة جديدة لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين ،وخاصة بعد تجاوز أزمة الارهاب التي عرفتها الجزائر خلال فترة التسعينات،حيث شهدت بداية الالفية الجديدة تعاون مثمر بين البلدين نتج عنه التوقيع على العديد من الإتفاقيات الثنائية على مستوى كافة الأصعدة،وفي مختلف  المجالات،وتبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين،وتنسيق الجهود من أجل الثبات على مواقف موحدة تخدم قضايا الأمة العربية في مختلف المحافل الدولية.

 

تقرت في 30/07/2020

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك