فاتورة الحرب لا تجد من يدفعها

نيابة عن المغرب

بقلم: عبد الله بونة

هل وقعت الرباط في الفخ الصحراوي المحبوك جيدا في الكركرات ؟ الوضع الراهن يؤكد ذلك.

لعبت الرباط لعبة الوقت طيلة 30 عاما وفرغت اتفاقية وقف إطلاق النار من محتواها ؛ وألغت أي دور للأمم المتحدة عبر تحويل بعثتها للإشراف على استفتاء مزعوم إلى شرطة مرور بلا صلاحيات ؛ ثم ألغت الرباط الاتفاقيات الملحقة التي تحدد حدود المناطق المنزوعة السلاح وتمنع أي مساس بها ؛ فباشرت الرباط تنفيذ خطة النفاذ إلى افريقيا عبر بوابة تشكل خرقا سافرا للاتفاقيات ؛ ومد طريق نحو البوابة الموريتانية.

واجتهدت الرباط لنسج شبكة أمان لمعبرها غير القانوني عبر تنسيق دبلوماسي سري مع دول أوروبية برعاية فرنسية لتصور تلك الدول لموريتانيا خصوصا أن المعبر مهم لأوروبا وعلى انواكشوط الحرص على سلامة واستمرار نشاطه ؛ رغم خرقه لجوهر اتفاق وقف إطلاق النار وللاتفاقيات الملحقة ،ولاشك أن المغرب أدار ظهره لبنود الحل السلمي وانتهج سياسة جديدة تركز على الحل برؤية مغربية بحته.

تكتيكات من كل نوع راهن المغرب عليها ؛ بعضها يتعلق بإحداث انشقاق داخل النخبة الصحراوية المقاومة مقابل يأس من النخب الصحراوية تحت الاحتلال التي لم تؤثر في مسار النزاع رغم حصولها على تمويلات وتسهيلات ضخمة ؛ وعادت الرباط لمحاولات غزو العواصم الافريقية بحثا عن شهود زور يفتتحون قنصليات بالصحراء الغربية المحتلة بمقابل مادي ؛ أو شهود زور براغماتيين من المشرق العربي الذي يشهد اختلالا بارزا في ثوابته وفقدانا لبوصلته السليمة مقابل خدمات مغربية في الصراعات العبثية المحتدمة بين محاور عربية مرتبكة الأداء.

كما برزت استراتيجية مغربية جديدة بالأراضي المحتلة تضخ تمويلا ضخما لمشاريع بنوية بحرية ؛ وكأن المغرب حسم الملف الصحراوي تماما .

 

أوهام مغربية تراكمت لتصنع وهم النصر الحاسم !

 

بالمقابل كان الصحراويون يعدون العدة بهدوء للعودة للكفاح المسلح بزخم أكبر وأشد تأثيرا ؛ وكان الوعي الصحراوي لضرورة كسر دورة جمود القضية وتحولها إلى بيانات بلامعنى تصدر بين الفينة والأخرى من جلسات غير جدية للأمم المتحدة ؛ فحركوا بدهاء ورقة سياسية وقانونية هي ورقة معبر الكركرات ؛ لدفع المغرب لارتكاب خطإ استراتيجي ؛ فوقع المغرب في الفخ الصحراوي بسرعة .

إن مابين الصحراويين والمغرب أكبر من قصة الكركرات ؛ فهناك قضية تصفية آخر استعمار بإفريقيا كسبه الشعب الصحراوي في أروقة المحاكم الأممية ومجلس الأمن ؛ ولم يعد يمكن شطب شعب بكامله ومصادرة ثرواته ونفيه للشتات.

 

لقد تحولت الجاليات الصحراوية عبر العالم إلى شبكة أمان اجتماعي وسياسي واقتصادي للقضية الصحراوية ؛ ونجحت البوليساريو في إدارة لعبة الكركرات ؛ وأعلنت العودة للكفاح المسلح في وضع مريح تتسع فيه وحدة الشعب الصحراوي على موقف موحد هو كل الوطن أو الشهادة ؛ وكانت الرباط هي المسؤولة عن شطب اتفاق وقف إطلاق النار باختراقها لكل بنود الاتفاق علنا.

ولقد وقعت الرباط كعادتها في متاهة حسابتها الخاطئة ؛ فهي لم تنتبه للفخ الصحراوي ؛ وهي ليست جاهزة بكل تأكيد لحرب استنزاف جديدة مع جيش صحراوي متمرس تدرك الرباط جيدا خطورته وبسالته وقدرته على التحمل والمباغتة .

وجدت الرباط نفسها في مأزق من صناعتها ؛ فلا مظلة سياسية أو عسكرية ستوفر لها مددا في دورة نزاع قد تطول .

الصحراويون يبدون في موقف أكثر تماسكا وإصرارا على نيل الاستقلال كاملا غير منقوص ؛ وبدت الرباط مرتبكة ولم تصدق بعد أنها وقعت في فخ النيران الصحراوية من كل حدب وصوب.

الاحتفال بالنصر الوهمي في الكركرات مستمر ؛ والجميع يدرك أن إعلان البوليساريو أن تلك المنطقة منطقة عسكرية مغلقة له معناه ؛ فلن تكون الحركة باتجاه المعبر الموريتاني آمنة ؛ ولن يخاطر الناس بحياتهم من أجل ذلك ؛ بل أن الحركة بين مدن الصحراء الغربية والمدن المغربية لن تكون آمنة ؛ فالحرب قد دارت رحاها ودفنت أوهام الرباط في فخ الكركرات.

فاتورة الحرب هذه المرة قد لا تجد من يدفعها نيابة عن المغرب ؛ فالدول الخليجية لها أولوياتها العسكرية والأمنية الملحة ؛ والاقتصاد المغربي كسيح وغارق في الديون ؛ وأوروبا كذلك لها أولوياتها الأهم من تعويم الرباط في نزاع غرقت فيه مبكرا وتعيد إغراق نفسها كلما منحت فرصة للسلام.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك