عودة لأوجاع الوطن والأمة

الشاعر السوري نزار قباني:

 

د-وليد بوعديلة /جامعة20 أوت 1955- سكيكدة

    

من يطلع على الشعر السوري الحديث والمعاصر سيكتشف الكثير من الأسماء التي تختلف فيما بنيها في الاتجاه الشعري، كما تختلف في الأساليب والموضوعات، فسيجد القارئ تجارب أدونيس، محمد الماغوط، على الجندي، محمد عمران، علي كنعان، فايز خضور…. وتعتبر تجربة نزار قباني من أبرز التجارب الشعرية، فما هي ملامحها ؟و ما خصائص الكتابة عنده؟وما هي الموضوعات التي كتب فيها؟…هذه وقفة عن دلالات الوطن والأمة العربية في شعره.

أ-الاستبداد العربي:

 كتب الشاعر عن الأنظمة العربية و فضح ممارساتها وطريقة تحكمها في رقاب الشعوب ، عبر كل وسائل الترهيب والبطش، فكانت مساحات الاستبداد كبيرة، وقدم الشاعر نصوصا تبحث عن التحول والتغيير وتطالب الشعوب بالنهوض رفضا للواقع.

يقول نزار:

حين تصير خوذة كالرب في السماء

تصنع بالعباد ما تشاء

يختنق الأطفال في أرحامهم

وتجهض النساء

وتسقط الشمس على مساحتنا مشنقة سوداء

يرمز لفظة الخوذة للنظم العسكرية الانقلابية، وهي تعتمد الاستبداد و التسلط في إدارة الممارسة السياسية، ومن ثمة غياب الديموقراطية والتعددية السياسية و الاعلامية و الفكرية، يقول حسين العوري:” لفظة الرب مكتنزة قوة وعنفا لاجتماع خاصية التكرير في حرف الراء والشدة في حرب الباء إلى جانب التضعيف والتفخيم، هذا من الناحية الصوتية البحث، فإذا التفتنا على الأبعاد المعنوية طالعتنا الأسماء الحسنى، ومن ثم القدرة الالهية المطلقة والسيطرة الكاملة”(كتاب الرفض في شعر نزار قباني).

يقول الشاعر:

“حين تصير نسمة الهواء /  تأتي بمرسوم من السلطان/  وحبة القمح التي نأكلها /

وقطرة الماء التي نشربها تأتي بمرسوم من السلطان”…

وقد سعت الدراسات النقدية لدراسة ملامح شخصية الطاغية المستبد ووجدت أنه يركز على الذات النرجسية العنيفة، بالاعجاب بها وإنكار غيرها، كما وجدت حضور الشعور الفردي للعيش في الحاضر ونفي الماضي والمستقبل معا،مع غلبة العاطفة على العقل والانفعال على المنطق و غلبة الوجود النفسي على الموضوعي…

وهي سمات تحضر في الانسان العربي بعامة وليس الحاكم فقط، يقول نزار قباني:

“أنظر كالمشدوه في خريطة العروبة /  في كل شبر أعلنت خلافة /

وحاكم بأمره / وخيمة منصوبة”.

ويدخل الشاعر في مشاهد من المعاني الساخرة من الحكام العرب، ويستعمل معجما ساخرا من كل الملامح الاجتماعية العربية في الشرق والغرب، ويحيل على خصوصيات الخليج العربي ، عندما يتحدث عن الممالك التي تعتمد النفط وتتحكم في الشعوب ولا تمنح التعددية السياسية و الفكرية.

ب- عن الذل والعار..عندنا:

إن السلوك الاجتماعي في ظل الاستبداد يكون سلبيا/ جامد/ انهزاميا، ومن خصائصه التهرب والخضوع للآخر،وهي سمات ارتبط عند بعض الأفراد والجماعات، كما هو الأمر مع الانسان العربي لسنوات عديدة عبر الخارطة السياسية العربية، و”عاش الشاعر لبلاده تهزه أفراحها وتبكيه مصائبها، وغنى البطولة، وهاجم التخاذل والضعف،إنه يلخص عصرا بكامله، عاشته أمتنا عبر إشراقاته وانهياراته، تمرد على التقاليد واختط طريقا فيه الحب هو العنوان وكان مدرسة تستعصي على التقليد لأنه ساكن في قصائده.” ( عبد الله شاهر،الوطن في شعر نزار قباني،مجلة الموقف الأدبي)

ونقرأ في قصيدة “استجواب” لنزار قباني أسلوبا قصصيا يبرز العلاقة بين الحاكم و المحكوم، من خلال استنطاق مواطن اتهم بقتل إمام وجاء فعل القتل في نهاية القصيدة بعد مقاطع شعرية تصف هذا الإنسان العربي وخضوعه السياسي والاجتماعي والفكري، لدرجة استعمل فيها شاعرنا السخرية من الدين :” أُعيد كالببغاء كل ما يقول حضرة الإمام”، إلى أن يصل للنهاية:

“طعنته باسمي أنا/  واسم الملايين من الأغنام”.

ويقول في سياق آخر ،من ديوان “لا”:

وعلمونا..كالقرود الرقص /  والعزف على المزمار/

ودربونا   ككلاب الصيد /كيف ننحني /

للقادم المسكون بالدهشة والأسرار”.

وبعد هزيمة 1967 امام الكيان الصهيوني جسد شعر نزار الكثير من الوقفات الشعرية ذات التعبير النفسي الفكري عن الشخصية العربية، و سار في طريقين:

1-السخرية من الذاكرة القصيرة و سطحية الانفعال أمام الهزيمة ثم مواصلة الحياة بصورة عادية (اعلاميا، اجتماعيا ،فكريا… )،وكأن المجتمع العربي لم يشهد هزيمة مدوية مذلة؟؟

2-التحسر من الذات المضيعة، لأن الشاعر جزء من الواقع المهزوم.

ومن الدلالات الشعرية لكل ما سبق نقرأ هذا النموذج:

جرائد الصباح ما تغيرت

الأحرف الكبيرة الحمراء ما تغيرت

الصور العارية النكراء ما تغيرت

حرب حزيران انتهت

لكننا باقون في محطة الاذاعة

صوت فيروز من الفردوس يأتي

نحن راجعون

ج- الدعوة للثورة و التحول:

    وقف الشاعر موقف الرافض لكل فكر هروبي ولكل صوت ذليل، فتحدى الأفكار الرجعية الانتهازية ورفض الانتماء للفكر التقدمي النخبوي البعيد عن الجماهير وآلامها وجراحاتها. وقصيدته مرسوم بأقالة خالد بن وليد يكتب شعر الهوان وكلمات السخرية من العرب وألفاظ الاعتذار لكل رموز البطولة في التاريخ(طارق بن زياد، خالد…) و رموز الشرف العربي (الكوفية، ، السلاح، الزيتون..)،فكانت نصوصه تعلن صوت رفض الشعر المردد لأصوات الماضي والدافع عن الحكام والذي لا يقف مع الشعوب، يقول

ما هو الشعر إنْ غدا بهلوانا  يتسلى برقصه الخلفاء؟

ما هو الشعر حين يصبح فأرا  كِسرة الخبز همُه والغذاء؟

    ويقول كذلك:

قصائدنا بلا لون/  بلا طعم ،بلا صوت/

إذا لم يفهم البسطاء  معانيها / فأولى أن نذرّيها /  ونخلد نحن للصمت”.

و يلتفت الشاعر للماضي ويكتب نص التمرد عليه، كما نقرأ في قصيدة “الوصية” من ديوان ” لا”، حيث تحمل لفظة الصندوق دلالات التراث المعوق القاصر، ومعه كل أبجديات حصار المواطن العربي، يقول:

أفتح صندوق أبي/  أمزق الوصية/ أبيع في المزاد ما ورثته /

 مجموعة المسابيح العاجية/ طربوشه التركي والجوارب الصوفية/”.

ويعلق الناقد حسين العروي على النموذج:” والوصية تتخذ في هذا السياق معنى انقياد الخلق للسلف ،ومن ثم تنفيذ إرادة الأموات في الأحياء”، وهو ما  يرفضه نزار الشاعر و الانسان، وكتبه  شعرا متمردا صارخا، عبر دلالة صيغة “أسحب سيفي غاضبا” في مقاطع شعرية أخرى من النص، وما هو ما يقوله في قصيدة “قراءة أخيرة على أضرحة المجاذيب”، نقرأ

حاولت أن أنقذكم /من الحجابات على صدوركم/

من القراءات التي تتلى على قبوركم/ 

 من حلقات الذكر/ من قراءة الكف/  ورقص الزار”

كما كتب الشعر كلمات الرفض والثورة، بمعاني البحث عن جيل الغضب وتغيير اللحظة التاريخية الذليلة، وتحويلها لوقائع العزة والشموخ، فتحول بشعره نحو الثورة السياسية والتغير الاجتماعي وتحدي المحتل الصهيوني الغاصب، كتب على سبيل المثال:

“تقدموا/ تقدموا /فقصة السلام مسرحية /والعدل مسرحية /

إلى فلسطين طريق واحد/ يمر من فوهة بندقية”.

  و يقول: 

وطني / يا أيها الصدر المغطى بالجراح/ 

وطني..

من أنت إن لم تنفجر  

 تحت إسرائيل صندوق سلاح”

وتغنى كثيرا شاعرنا بالنضال الفلسطيني وكتب شعرا يمزج السخرية بالحزن والأمل بالحلم والصراخ بالوجع، وهو ما جسدته قصيدته المشهورة “المهرولون”، ويتميز شعر المقاومة عنده بملامح خاصة، ومنها :العودة للتراث، رمزية الشهيد، صورة العدو الظالم، شعرية المرأة ،شعرية الأرض، الطفولة و المقاومة…

ولعل أهم نص يختصر تحول تجربة الكتابة عند نزار هو قوله:

” يا وطني الحزين/ حولتني بلحظة/

من شاعر يكتب شعر الحب والحنين / لشاعر يكتب بالسكين”.

ولا يمكن للقارئ أن يتجاهل قصيدة بلقيس المشهورة التي تضمن الكثير من المعاني حول الرفض والسخرية، بعد مقتل زوجته في تفجير السفارة العراقية ببيروت، وقد نشرتها مجلة المستقبل بخط الشاعر، في عدد259، فبراير 1982، وخصصت المجلة واجهتها لصورة نزار وزوجته وعنوان القصيدة، من دون أي صور أو عناوين أخرى، لأهمية النص والحدث والشاعر. ونحن لا نقف لجانب الباحث الكاتب عبد الله شاهر  الذي اعتبر الشاعر قد فقد صوابه في القصيدة وبأنه قد قال ما لا جوز،بل نرى قصيدة بلقيس قالت الحقيقة وكشف فيها نزار زيف التاريخ العربي وسخافة المواقف السياسية-الفكرية-المذهبية العربية، تلك التي تتصارع داخليا ولا تعرف أولوياتها، تلك التي تدوس شعوبها بطشا وظلما و تصمت أمام إسرائيل،

لقد كان مطلع القصيدة:

شكرا لكم 

شكرا لكم

 فحبيبتي قتلت ..  وصار بوسعكم أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة 

وقصيدتي اغتيلت..

 وهل من أمة في الأرض -إلا نحن- تغتال القصيدة

ثالثا-ملامح فنية وفكرية:

يتميز شعره بملامح لغوية خاصة، منها:

  -سهولة المفردة والتركيب.

-الصورة الحسية الواضحة.

-اعتماد القافية المتنوعة.

-عدم ولوج مجاهيل اللغة والرموز المعقدة.

-الابتعاد عن الموضوعات الفلسفية الصعبة

أخيرا…

هي بعض من نصوص الشاعر العربي نزار قباني، وهي بعض من ملامح هويته الشعرية، ويمكن التعمق في تجربته من خلال كتب كثيرة عنه ومنها:

– رفيقة البحوري: المرأة ولعبة الحرف في شعر نوار قباني.

-حسين العروي: الرفض في شعر نوار قباني.

-صلاح فضل: تحولات الشعرية العربية.

ومن خلال مقالات في المجلات والصحف العربية وفي مواقع الانترنت..فكل النقاد العرب قاربوا النص النزاري..فمن يكتب اليوم شعرا ثائرا عن الراهن العربي بكل ما فيه… كما كتب نزار قباني.. من… من؟؟؟؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك