عن الحب والاقتصاد

بقلم:جمال نصرالله

 

لا زال المجتمع الجزائري يعاني من الفوارق الاجتماعية الفظيعة، وتباعد الطبقات الأسرية  فيما بينها تباعدا مُرا،وقد صارت فاعلية وقوة الشهادات العلمية والأدبية،مع التسليم بأنها كالمعدن النفيس منها الذهب الخالص ومنها التي بقيمة الكرتون ؟ا صارت أقل تأثيرا وفي بعض المرات لا أثر لها على الإطلاق مع كثير من التجمعات البشرية والتي لسان حالها الثقافة التجارية والسعي الحثيث نحو الاستغناء والثراء،وقد قيل زمانا(التاجر والفنان خطان لا يلتقيان).

لقد كانت وظلت أغلب المدن الجزائرية وكذا القرى ذات تراكيب عروشية وقبلية لأسباب استعمارية لا مجال للخوض فيه هنا..وحين توجهت نحو التمدن والتهيئة..لم تجلب لنفسها إلا نوع من التنظيم العمراني والتجاري الحديثين ،أي على المستوى الفورمولوجي الشكلي،لكن أفكار الغالبية لم تتغير أو قل أنها لم تعي كيفية نفض الغبار من حولها ومحاولة التخلص من براثن  كثير من التقاليد البالية ،التي عاشت وعششت مع أصحابها وتحكمت في سلوكاتهم وطموحاتهم…وفقدان كثير من سبل التخطيط والتدبير لمحو آثارها لم يكن ضرورة قصوى. بل تُركت على نمطيتها حتى وهي من جلبت لهم ولنا الويل تلوى الآخر ؟ا 

فليس عيبا أن نقوم بدراسة كرونولوجية تاريخية للحب في الجزائر ولو من باب المسح الشامل وذلك  عقب الاستقلال مباشرة إلى يومنا هذا…كيف تدرّج وترعرع بل كيف ارتبط بالحياة العامة للأفراد..وعلى الرغم من وجود قصص رائعة تحمل معاني التضحية.عاشها معظم الجزائريين وقد تداولتها الألسن والمدونات الكتابية وتغنت بها ألمع الحناجر ودفاتر الشعراء..إلا أن الحب يشبه حسبنا دورة الحضارات  والإمبراطوريات  التي  تنمو وتزدهر في حقب زمنية ما ثم سرعان ما تتهاوى رويدا رويدا …وربما يأتي عليه زمان كي يعود بقيمه السامية المتعارف عليها . وذلك بفعل تأثير عوامل عدة على رأسها الماديات والمقصود(المال) وعلاقة البشر به وكيف يوجهونه ويوظفونه وكيف يصنعون به أحوال يومياتهم…الحب الذي يعني العلاقات العفيفة المبنية على نوايا حسنة وغايات بناء أسرة…كان هدفا نبيلا  وغاياته معلومة.

لكنه اليوم فلا أحد ينكر بأن جل الشباب  حتى لا نقول كلهم إلا من رحم ربك أثرت فيهم وبشكل عميق عوالم الغناء( وأي غناء)سوى ذاكم الذي تصدح ترهاته وتفاهته من جحور الملاهي التي يكون المال كذلك محورها المحرك ونبضها الأساسي..الأغنية هي التي من خلالها يستطيع أي باحث أن يلج إلى مستوى وحجم العواطف والمشاعر الصادرة من الطرفين..لأنه يستحيل أن تتوجه 

 

نحو مؤسسات أخرى كالجامعة والإدارة أو الثانويات.بل تنحو نحو المواقع الأكثر قربا من الواقع الجاري والحي .فمن هذه المرابض الحرة تخرج بخلاصة حتمية وهي أن عوامل التأثير والتأثر بدت ناصعة للعيان.فيوم كانت الأغاني الملتزمة تملأ البيوت.كان للعلاقات العاطفية شأن يؤخذ به؟ا وكانت هذه الموجات الدخيلة والتي مفصلها  وعصبها هو الراي ممنوعة وتخدش الحياء…. إلى غاية أن تميّعت الحياة العامة باسم الحريات الفردية والتقليد الأعمى فلاهي أصبحت كالمُقلّدين ولا هي حافظت على أصالتها ومحليتها..ضف إلى ذلك التطور المادي والتكنولوجي الذي شتت الإنسان وجعله عبارة عن قشة تذهب بها الرياح حيثما شاءت وأبت..وكذا بروز نماذج وطرائق جديدة للتجارة والتوظيف والسياحة ودخول الأنترنات والفايسبوك والتويتر واليوتوب حتى وجد الجميع نفسه بين مخالب اللافهم والتيهان..وكأنه والعياذ بالله انقرضت كل الحميميات. من وجدانه وأصبح كل شيء يسير كما يطلب الأقوياء ماديا(عفوا) الأثرياء الذين استغلوا هذا الظرف أو ذاك… ليؤسسوا لنا نوع جديد من الليبرالية الرأسمالية ..حتى وأن بلدنا العزيز يتحاشى دوما أن يُكنى بالرأسمالي..لكن حقيقة الواقع على الأرض فرضت نفسها بقدرة قادر… وعدنا إلى عهود الإقطاع والاستعباد ….وصارت حياتنا تشبه المحيط الشاسع … سمك يأكل سمكا..وسمك يتمازج  ويتلاقح مع نوع آخر …لتخرج للوجود مخلوقات غريبة ..لا هي شرقية ولاهي غربية كما يقال .. بل هي نتاج الفوضى والخلط الجهنمي الكبير..الذي التهمنا كصغار السردين … ولم يترك إلا تلك الوحوش المستوحشة أصحاب الأنياب والمخالب الحادة ؟ا تعبث بجميع القدرات والكفاءات الأصيلة وتجعل منها مجرد قشور تُداس تحت أقدامها؟ا ويصبح الحب كأحد رموز النفوس البشرية يسير أعرجا ومغشوشا وتنقلب عليه مفاهيمه الصحيحة…ونصير بعدها مجرد مشاهدين مندهشين من أرقام الطلاق والخلع…لأن كل شيء بُني بوسائل مغشوشة ووُلد بطرائق قيصرية ؟ا وأصبح مصطلح (أصلي) مفقود وغريب بل عملة نادرة

 

شاعر وصحفي جزائري

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك