عنوسة المرأة في مجتمع ذكوري بامتياز

قنبلة موقوتة تهدد التماسك الاجتماعي

* علاقة الاستقلالية الذاتية بالخيارات المصيرية

 

بقلم الأستاذة النفسانية: هابط ملعيد

 

ظلمت في العصر الجاهلي , ظلمت في العصور الوسطى ظلمت في عصر النهضة و مازلت تظلم ليومنا هذا كانت في يوم ما تباع كجواري في سوق النخاسة, يتاجر بها كما يُتاجر بأي سلعة في السوق , كانوا إن رُزِقوا بولد فرحوا و أقاموا له الولائم و المذابح و إن كانت طفلة دفنت و هي حية خوفا من العار و خشية الإملاق ( و إذا الموءودة  سئلت بأي ذنب قتلت ) سورة التكوير الآية 08 نعم لقد كانت مخلوقا ضعيفا يعيش الاضطهاد بكل أنواعه باسم الدين و العرف والاستعمار الذكوري , و كأن الله قد خلق حواء لتكون آمة الرجل و خليلته لتشبع غرائزه الذكورية و لتسهيل حياته فقط.

تصورا أنه في سنة 1967 اجتمع علماء الكنيسة الإنجليزية ليحددوا ما إذا كانت المرأة إنسانا أم حيوانا أين لقبت آنذاك بالشيطان و القانون نفسه قد صرح عن حق الرجل في بيع زوجته و قبض ثمنها و في الهند كانت تجبر على الحرق مع جثة زوجها و هي حية ترزق , هكذا عاشت الأحقاب الزمنية التي مضت أين عرفت كل أنواع الظلمات من العصر الجاهلي حتى مجيء الإسلام

حواء الحساسة الجميلة الرقيقة التي لا طالما تغنى بجمالها الشعراء و كانت البطل لكل أساطير و روايات العشق و الهيام و سببا في شن الحروب و عداوة الرجال ,  قد أجبرتها موجة الوباء الذكورية أن تكون دائما تحت رحمة الرجل و عقدته في فرض الذات و حب  التملك , وإنّ مجيء الإسلام غير بعض المفاهيم الخاطئة  عن المرأة فكرمها في عدة مجالس و أصبح لها مكانة مقدسة تليق بدورها العظيم في بناء الشعوب و تكاثر البشرية و التربية و غيرها من مقومات الحياة الأساسية فكفلها حقها وجعلها مثل الرجل لها ماله وعليها ماعليه.

 

عقول فارغة

 

 لكن هذا لم يمنع أصحاب  العقول الفارغة من فهم الدين بطريقة خاطئة فكل الآيات و الأحاديث الصحيحة رغم كثرتها و ثرائها  لم يؤخذ منها للأسف سوى عبارات { ناقصات عقل و دين و أن الشرع حلل أربعة و أن الطيبون للطيبات و كيدهن عظيم و أنّ على المرأة أن تطيع زوجها و تستر نفسها تجاهلا منه واجبه في غض البصر. فمن لا يقرا و لا يتمعن بدقة في كتاب الله لن يدرك ماهية الحكمة من تلك الآيات الكريمة و الأحاديث فكل شئ له تفسير منطقي مقنع حتى الحديث الذي ينص على أن النساء ناقصات عقل و دين لم يكن أبدا بالمفهوم الذي يُردد اليوم على ألسنة من هب و دب , فالمرأة أُمًا كانت أو شقيقةً أو زوجةً فهي جديرة بالاحترام كيف لا؟ و الجنة تحت قدميها

فرحلة الكفاح من أجل البقاء و إثبات الذات و التحرر من العبودية الفكرية لا تزال متواصلة  في وقتٍ تُغتصب فيه المرأة تحت منظور الحلال ,  فكونها قد خلقت من ضلع الرجل يفسر مفهوم الآية الكريمة في هذه العبارة بنية الاقتباس { و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة } سورة الروم الآية 21 هذا إن دل على شيء فهو يدل على علاقة التكامل الموجودة بين الرجل و المرأة فكل منهما يكمل الثاني

اليوم اختلف الوضع فحواء تحررت على جميع الأصعدة و لها مكانة لا يستهان بها و غزت جميع المجالات التي كانت في الماضي حكرا على الرجل و أثبتت جداراتها في كل القطاعات الطب الهندسة و العمران التعليم الإدارة المناصب العليا في الدولة التجارة و ضباط جيش …………..و لا شك أنها كفؤ في أي وظيفة تنسب لها لكن الاستقلالية التي اكتسبتها المرأة الموظفة جعلها تواجه مشكلا آخر يؤرقها هو كابوس العنوسة بين الحتمية و الاختيارية.

 

هل العنوسة اختيار شخصي؟

 

العنوسة في الجزائر ظاهرة استفحلت و أرقام ازدادت يوم بعد يوم أو إعاقة كما أطلق عليها البعض على النساء اللواتي مازلن يمكثن بيوت الأهل بعد بلوغهن سن الزواج , فهي تكملة للمشاكل التي عاشتها الأنثى فحتى لو كانت هذه الظاهرة لكلا الجنسين إلا أن عنوسة الرجل تختلف عن عنوسة المرأة فالرجل صاحب القرار لأن عزوفه عن الزواج قرار شخصي عكس المرأة التي تكون تحت رحمة الرجل و تنتظر إشارة منه . فهذا المصطلح ليس مصطلحا علمي بل اجتماعي محض فكلمة عانس أو بايرة باللغة العامية مأخوذ من بارت أي فسدت وهو التعبير الذي يقال للأرض  غير الصالحة للزراعة و هنا المرأة العانس تكون قليلة الحظ للإنجاب وقليلة الخصوبة بسبب كبر سنها. هنا السن يختلف من مجتمع لآخر و يختلف حتى في نطاق المجتمع الواحد من شريحة لأخرى فالتحديد يرجع للعرف و نظرة المجتمع و على مدى تقدمه من عدمه ففي الريف مثلا ترى المرأة على أنها عانس ابتداء من سن الثلاثين أما في المدينة فقد تصل حتى سن ال 50 سنة حسب المنظور الديموغرافي  و معطيات الحالة المدنية . و على ضوء الأرقام المفزعة التي كشف عنها المركز الوطني للإحصاء الذي يؤكد تزايد عدد النساء غير المتزوجات في الجزائر بنحو 200 ألف سنويا حيث ارتفع عددهن الى 11 مليون عانس و هو رقم مرتفع و مخيف و إن حاولنا الوصول لأسباب تزايد هذا العدد كل سنة نجد تباين الظروف  بين  مبدأ الحتمية و الإختيار الشخصي.

 

علاقة العنوسة باستقلالية المرأة

 

العنوسة الاختيارية كانت وليدة الاستقلالية التي اكتسبتها المرأة سواء إزاء أسرتها أو ظروفها المادية و أحيانا تكون نتيجة التحولات الاجتماعية الناتجة عن التأثر الغربي , فبعد الاستقلال و مجانية التعليم فُتِحت آفاق جديدة للمرأة فتغير مفهومها للزواج و أصبحت تراه مُكمِلا بعد أن كان ضرورة حتمية و السبيل الوحيد للتحرر من قيود و استغلال و رقابة الأسرة . هنا توسع مجال اختيار شريك الحياة فتعدى الواقع و أصبح مزيجا من الخيال و المسلسلات المكسيكية و التركية و الشخصيات المشهورة , وباتت تحلم بمهر غالي و زوج وسيم و لما لا من جنسية أخرى من أجل إشباع المظاهر الإجتماعية .

عندما تعود للواقع و تصدم به و تتأكد أن الزواج بعيد كل البعد عن رفاهية و برستيج المسلسلات او بالأحرى لا يوازيه , هنا  يُرفض الزواج لأنه لا يستوفي الشروط المطلوبة للأسف المرأة في مجتمعنا أبسط حقوقها في اختيار زوج مناسب يُعينها على عقبات الحياة و يضمن  لها العيش الكريم و مستقبل لأولادها أفضل من ماضيها , أصبح حلما , إن أخفته يبقى مشروعا بعيد الانجاز لعدم وجود مؤهلات و إن جهرت به تكون مبالِغة و تحب المال و ما تبغيش الزوالي و تخرج عن طينة بنات الفاميلية اللواتي يرون الزواج المهم السترة بعكس الرجل الذي لديه كل الحق في اختيار الزوجة من أي قطاع يريد و لِما لا أن يكون لها منزل و سيارة .

 

العنوسة الحتمية

 

أما النوع الثاني و الأكثر استفحالا هي العنوسة الحتمية التي تعني عدم زواج الفتاة لأسباب شخصية و اجتماعية اغلبها عدم وجود عريس يتقدم و يطلب يدها للزواج حسب العرف و العادات و التقاليد والنمو الديموغرافي الهائل للإناث الذي يعتبر ضعف نمو الذكور أين  فاقت نسبة  النساء اللواتي وصلن سن الإنجاب 51 % 

و هذا النوع من العنوسة غالبا ما يشمل ماكثات البيوت اللواتي أوتين حظا قليل من العلم فقط و لم تتسن لهن الفرصة للخروج و التعلم . هذا النوع من النساء  أعطين أهمية بالغة للزواج و أن عدم الظفر بعريس مع التقدم في العمر يسبب مشاكل نفسية بالغة كالدخول في موجة الإكتئاب و انخفاض مستوى تقدير الذات و بالتالي القلق و الاحباك و كل هذا يخلق في المرأة فوبيا اجتماعية و عزلة خوفا من نظرات المجتمع و الأقارب و كأنها نظرات شفقة تحت عنوان { وقتاش نفرحو بيك } و هذا النوع من العنوسة ليس حتمية فقط على ماكثات البيت  و غير المتعلمات,  بل تصيب أيضا الفئة الأخرى المثقفة لكن بنسبة أقل فالرجل اليوم يشترط في الزواج المرأة العاملة بعد أن كانت في الماضي أغلب أسباب الطلاق تكون نتيجة لعبارة  { ما خلانيش نخدم } اليوم انقلبت الموازين فالرجل يريدها عاملة و يا فرحتاه إن كانت في سلك التعليم و الطب هذان المجالين هما الأكثر استقطابا للعرسان.

 

تداعيات العنوسة

 

 من المشاكل الاجتماعية التي سببتها العنوسة نجد الانحراف فهنالك من يستغل الفتاة التي قلت حظوظها في الزواج و يطمعها بالعش الزوجية  فتتمسك ببصيص الأمل المعروض عليها تحت بساط من وعود كاذبة استغل الظرف الحساس الذي تعيشه الفتاة التي تأخر نصيبها و كلها أمل في النجاة من كلمة عانس القاسية التي أطلقها عليها المجتمع فتكون رهن إشارته و هنا يبدأ مسلسل فلة و البريء

لكن رغم كل المعطيات و الأرقام التي وصلت إليها الدراسات من أجل تحديد النسب المضبوطة لهذه الظاهرة و بالتالي حلول لها إلا أن هذه المعطيات تبقى مغلوطة لأن الطريقة التي تبنوها في ذلك تعتمد على مقاييس بدائية لا تليق بالمعطيات الاجتماعية الجديدة و منحنيات المجتمع التي تختلف عن سنوات الستينات و السبعينات , أين كان سن الزواج محددا ب 16 سنة و بعض الأسئلة تبقى مطروحة حول ما إذا كانت فئة المطلقات تؤخذ بعين الإعتبار ما بين سن 18 و 19 و هل تدرج ضمن قائمة العوانس و أمور أخرى تشكك في مصداقية الإحصائيات فهناك من يرفض إدخال فئة الرافضين للزواج ضمن القائمة أيضا هنا يمكن القول أن العنوسة لا ترتبط بالأوضاع الاقتصادية و الأمنية و المالية و إنما تنحصر ما بين القرارات الشخصية و الحالات الحتمية و بالوضع العام للمجتمع .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك