عمليات منهجية لتدمير حياة ملايين البشر

الإيغور

بقلم: صالح عوض

 

من أصبح لا يهمه أمر المسلمين فليس منهم.. في ظل صمت عربي وإسلامي مطبق تتم عملية إبادة بأبشع الوسائل لوجود شعب مسلم أصيل من قبل دولة عظمى لا تكتفي بسجن ملايين منهم أو قتل واعتقال من ترى فيه خطرا بمقياسها بل اتجهت إلى عمل منهجي لقطع نسلهم والتشنيع بهم و غسيل أدمغتهم..

عنصرية وحيوانية لا مثيل لها تمارس في محتشدات تضم فيها ملايين الإيغور المسلمين فيما تبادرنا الابتسامات الصينية الرسمية وهي تحمل صفقات تجارية بالمليارات تهجم على أسواقنا بأردأ البضائع فتدمر منتوجاتنا المحدودة وتعطل طموحنا في الإنتاج، ونحن نبسط لهم بساط الصداقة والتجارة وذهبنا لإحياء طريق الحرير لتستعبد الصين ومعها الكيان الصهيوني العالم الإسلامي كله بتجارتها ظنا منّا ان هذا طريق الخلاص من هيمنة الغرب الاستعماري..

 لا تسمع همسة عتاب ولا صرخة احتجاج فيما ملايين الناس المعذبين يواجهون أبشع حرب عنصرية شهدها بشر.. لا يوجد توقيع دولة عربية او إسلامية من ضمن توقيع ٢٢ دولة ضد ممارسات الصين مع أقلية الإيغور: أستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، والدنمرك، واستونيا، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وأيسلندا، وايرلندا، واليابان، ولاتفيا، وليتوانيا، ولوكسمبورغ، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا، والمملكة المتحدة.. ولقد قال الزعيم السياسي الماليزي أنور إبراهيم هذا الأسبوع بأن “المسلمين خائفون، لا أحد يرغب في قول أي شيء”،  

ومرة أخرى نقع في التيه وحالنا كالمستجير من الرمضاء بالنار.. فهل يعني عدم قبولنا بهيمنة الاستعمار الأمريكي والفرنسي السكوت عن جرائم الصين واستبداله بغزوها الاقتصادي.. سيقول البعض ان نقد الصين يفيد امريكا!! هؤلاء يحتاجون قراءة الواقع السياسي أكثر، فالكيان الصهيوني له ثقله في طريق الحرير الذي يمر بميناء حيفا.. ثم نحن ننتقد الصين في قضية تخصنا نحن فلا داع للفوضى.. في محاولة لتسليط الضوء على ما يحصل لابد من محاولة تقصي تاريخي وواقعي لتشكيل رأي عام عربي وإسلامي ليتحمل كل إنسان وكل جهة المسئولية أمام الله والتاريخ. 

الإيغور:

تشير إحصاءات رسمية إلى وجود 30 مليون مسلم في الصين، 23 مليونا منهم من الإيغور، في حين تؤكد تقارير غير رسمية أن أعداد المسلمين أكثر من 100 مليون، أي نحو 10% من مجموع السكان..الإيغور مسلمون وتعود أصولهم إلى الشعوب التركية ( التركستان)،يتحدثون بلغة شديدة القرب من التركية.. 

بعد قرن من بعثته وصل الإسلام إلى غرب الصين لتتأسس قاعدة جديدة له تعرف بـ”تركستان الشرقية”، أنجبت تركستان الإسلامية الكثير من العلماء والفقهاء الأجلاء الذين أثروا الحضارة الإنسانية، في شتى صنوف العلم والمعرفة، وصنعوا العصر الذهبي للدعوة الإسلامية كالبخاري والفارابي والترمذي وغيرهم.وظلت هذه المنطقة جزءا من العالم الإسلامي حتى غزو الصين لها عام 1759 ثم عام 1876..   

وقد شهدت البلاد نحو 42 ثورة وطنية عارمة ضد الحكم الصيني ، وابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، وتقاسم الصين وروسيا الأراضي العثمانية شن المسلمون التركستانيون ما بين خمس إلى سبع ثورات كبرى وقعت في سنوات 1820- 1830م و 1847- 1857م وتواصلت – بعدها صدامات، خلفت وراءها ملايين القتلى في صفوف المسلمين، لكنهم نجحوا في تحرير البلاد مرتين، وأقاموا دولة مسلمة لهم الأولى ابتداء من عام 1863م، والثانية 1933 و 1944م التي لم تصمد كثيرا أمام زحف الحزب الشيوعي الصيني 1949الذي أطلق عليها اسم”شينجيانغ”..

تصنف الصين إقليم شينجيانغ كمنطقة “خاصة” تتمتع بحكم ذاتي نظريا وهو إقليم صناعي يُشكل سدس مساحة البلاد ويساهم بقدر كبير في ثروتها تحتوي على 118نوعًا من المعادن، من بين 148 نوع تنتجها الصين، واحتياطي من البترول يربو على 8 مليار طن، ويُنقل كله إلى الصين دون استفادة أبناء البلاد بأي شيء!! وبها نصف احتياطي الصين من الفحم (حوالي 2 تريليون طن)، كما يتم استخراج الذهب من 56 منطقة،. كما أن بها أيضًا مناجم الملح، والكريتال، ومعادن ملونة متنوعة، ومناجم للحديد. وظل اقتصاد المنطقة لقرون قائما على الزراعة والتجارة، إذ كانت بعض المدن مثل كاشغار مراكز رئيسية على طريق الحرير الشهير.. وتشكل هاجسا أمنيا بالنسبة للسلطات الصينية لتجاورها مع خمس دول مسلمة: كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيستان، ومن الجنوب: أفغانستان وباكستان.

عداء للإسلام:

في ٢٢-٧-٢٠١٩ صدر تقرير رسمي أصدرته الدولة الصينية حول أقلية الإيغور يقول:” إن الديانة الإسلامية ليست الديانة الأصلية للإيغور، وأنها فرضت عليها بالقوة في القرن العاشر أثناء الحروب الدينية التي قضت على هيمنة البوذية في تلك المنطقة”، كما يذكر التقرير “أن إقليم شنجيانغ تم تشويهه ثقافيًا عبر سلسلة من التدخلات الخارجية التي تحمل أفكارًا متطرفة وانفصالية”.

 لهذا كما يقول أليان بيرسون Elaine Pearson مدير أستراليا لمرصد حقوق الإنسان: “إن الصين رسمت مخططًا مخيفًا لمحو الهوية الإسلامية بهدف إذابة هذه الأقلية”  وفي تقرير اخر للمدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس: “بينما تحتجز الصين مليون مسلم من الأيغور فإنها تخلق عددا لا يحصى من الأيتام، أطفال يتم احتجاز والديهم وينقلون هم قسرا إلى مراكز حيث يتم فصلهم عن جذورهم الإسلامية والعرقية”.

اتخذ العمل المنهجي  لمحو الإسلام في الصين خطوات مدروسة وبمراحل بدأت مرحلة تحويل الهوية الإسلامية إلى هوية شيوعية عبر موجة العنف الأولى بين عامي 1958 و1966 ولم تفلح تلك السياسات فبدأت الدولة تعطيل الشعائر الدينية ومنع الحج وإغلاق المعاهد الإسلامية أما المرحلة الأخطر فجاءت مع انطلاق الثورة الثقافية ما بين عامي 1966 و1976 حيث حرقت المصاحب وأغلقت المساجد في شتى أنحاء الصين وفي شينجيانغ “تركستان الشرقية” جرى تدمير وإغلاق 97.5% من المساجد لينخفض عددها من 20 ألفا إلى أقل من 500.

ومع نهاية السبعينيات بدأت مرحلة أخرى وبالتوازي مع الثورة الإسلامية الإيرانية وبدايات الجهاد الأفغاني جاءت مرحلة الصلح فقد أعلنت الصين احترامها لمكانة جميع الأديان وأعادت فتح أكثر من 1900 مسجد في شينجيانغ وحدها بل وساهمت بنفقات إصلاح بعض المساجد وأعادت بعثات الحج والعطلات الإسلامية.

وتنص الإجراءات الصينية التي تحولت في مطلع أبريل / نيسان عام 2017 إلى قوانين على أن الموظفين في الأماكن العامة، من بينها المحطات والمطارات، سيكون لزاما عليهم منع النساء اللائي يغطين أجسامهن كاملة، بما في ذلك وجوههن، من الدخول، وإبلاغ الشرطة عنهن.

كما تشتد الإجراءات لمحو الهوية وإذابة الإسلام في تركستان الشرقية بدءا من الاعتقالات وإجبار الناس على أكل لحم الخنزير وشرب الخمور لاسيما بعد عودة الحجاج من موسم الحج وهتك حرمة شهر الصيام بإجبارهم على الإفطار.. التهجير والترحيل والعبث بالتركيبة الديموغرافية فحتى عام 1949 كان الإيغور يمثلون 80% من سكان إقليم تركستان الشرقية، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم إلى الدول والمناطق المجاورة.

وفي تفسير اقامة محتشدات لمليون شخص أفادت صحيفة تابعة للحزب الشيوعي بأن الإقليم قام بتعديل تشريعات من شأنها السماح للسلطات المحلية بتعليم وتعديل سلوك الأشخاص المتأثرين بالتطرف في مراكز التدريب المهني.. ويسمح القانون الجديد “بتوفير التربية العقائدية ضد التطرف، والعلاج النفسي وتصحيح السلوكيات”.. ووفق تقرير نشرته الجزيرة.نت فإن السلطات الصينية أغلقت خلال العقدين الماضيين أكثر من ستة آلاف مسجد، وسرحت عشرات الآلاف من الأئمة الإيغور.. وقد حذرت المسلمين الذين يعملون في المؤسسات والدوائر الحكومية من الصوم خلال شهر رمضان، كما طالبت أيضا الطلاب والمدرسين بعدم الصوم، ومنع تداول المصاحف والكتب الدينية..وعدم رفع الاذان، و منع تطبيق الأحكام الشرعية في تنظيم الأحوال الشخصية التي تتعلق بالزواج والطلاق والميراث..وحظر استخدام الحروف العربية.

قالت الأمم المتحدة إنها تلقت تقارير موثوقة عن وجود نحو مليوني شخص من أقلية الإيغور المسلمة في معسكرات صينية سرية في إقليم شينغيانغ، تطلق عليها السلطات “معسكرات التلقين السياسي” أو “إعادة التأهيل”، وقالت صوفي ريتشاردسون مديرة الصين في هيومن رايتس ووتش غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن “السلطات الصينية وضعت بقساوة أطفال بعض المعتقلين السياسيين في شينغيانغ في مؤسسات للدولة”. 

ومن الممارسات التي تجري في المعسكرات ضد المحتجزين:منع الاتصال مع الأقارب في الخارج.فصل الأطفال عن ذويهم المحتجزين مما يجعلهم عرضة للانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي.تعريض المحتجزين لبرامج غسل الأدمغة وتعديل سلوك، بحجة مكافحة الأفكار المتشددة والتطرف.كما يتعرض المحتجزون لصنوف مختلفة من التعذيب، من بينها الإيهام بالغرق. واكدت: لقد تحول إقليم شينغيانغ إلى دولة بوليسية ويعتقل الناس فيه لمجرد سفرهم للخارج، أو ممارستهم لشعائرهم الدينية، أو حتى لأنهم لا يتكلمون الصينية، وقالت إن التكلفة البشرية على المسلمين بالإقليم باهظة.. فحجم الاعتقالات، تصل أحيانا إلى 40% من سكان بعض القرى والبلدات، بما في ذلك 100% من المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاما. وكما أفادت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية الصينية: “يمكننا اللجوء إلى كل الإجراءات التي تحقق استقرار الصين إلى الحد الذي يبدو فيه القتل الجماعي والإبادة غير مستبعدين” وقالت رابطة الشباب بالحزب الشيوعي بالإقليم في إعلان لها هذا الشهر لتهدئة مخاوف السكان إن هذه المعسكرات “تعالج وتطهر عقول الناس من الفيروسات التي ألمت بها”.

وأشار قليلون ممن خرجوا من المعسكرات إلى استخدام تقنيات متعددة من وسائل غسل الأدمغة والتلقين ، وإلى قسرهم على ترديد شعارات محددة ودراسة النصوص الكونفوشيوسية ، والتخلي عن الإسلام، وكتابة نصوص النقد الذاتي. أما من يتمكن من الهرب فإن الاعتقال هو مصير أهله وذويه وأن أفرادا من تلك الأسر “أرسلوا إلى مراكز التلقين لمدة ثلاثة أشهر”.

والشهر الماضي، قالت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إن الصين تحتجز ما يصل إلى مليون شخص من الإيغور الذين يتحدثون التركية في “معسكرات اعتقال” في شنغيانغ حيث “يخضعون لتعليم سياسي”.. وقالت ووتش إن السلطات الصينية تستخدم تكنولوجيات في مواجهتها للخصوصية الدينية لمسلميها مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.. 

أصدرت السلطات الصينية في منطقة هوتان التابعة لإقليم شنغيانغ ذي الأغلبية المسلمة، قرارا بحظر 22 اسما إسلاميا عربيا على المواليد وطالبت السلطات أهالي من يحملون الأسماء المحظورة بتغييرها لتفادي العقوبات أو حرمان أطفالهم من التسجيل في المدارس ورياض الأطفال.

تواطؤ الرأسمالية:

ومسلمو الإيغور المحشّدون في معسكرات العزل الكبير “يجبرون على العمل بمصانع ل”علامات تجارية غربية” وهذا ما يدفع بعض الشركات الغربية الى مساندة الإجراءات الصينية ضد الإيغور حيث يتوفر لهم منتوجات بأسعار زهيدة وقد ذكر تقرير موسع لصحيفة وول ستريت جورنال أن شركات غربية -من ضمنها علامات تجارية رائجة في صناعة الملابس وشركات المواد الغذائية- متورطة في حملة الصين لاستيعاب سكانها المسلمين الإيغور بالقوة. وتعد “أديداس أي جي” و”هينز آند مورتيتس أي بي” و”كرافت هاينز” و”كوكاكولا” و”غاب” من بين أبرز الشركات المنتشرة عبر منطقة شنغيانغ الإيغورية ذاتية الحكم بشمال غرب الصين حيث يجبر سكانها بشكل روتيني على برامج التدريب.

ويذهب غزل الشركة إلى مصانع أخرى بالصين وبنغلاديش وكمبوديا حيث ينسج قمصانا لسلسلة متاجر “هينز أند مورتيز” للبيع بالتجزئة. وتبين أيضا أن الغزل يذهب لشركة أديداس وإسبريت القابضة المحدودة.. وهناك تراجعات واضحة نظريا على الأقل من قبل هذه الشركات حيث بدأت في التحقيق بظروف حقوق الإنسان في تركستان الشرقية، حيث يتم حشد مليون إيغوري في محتشدات يتم تشغيلهم في الخياطة ومهمات حرفية أخرى ارغاما. وقد أعربت الأمم المتحدة أكثر من مرة عن قلقها بعد ورود تقارير عن اعتقالات جماعية للإيغور، ودعت لإطلاق سراح أولئك المحتجزين في معسكرات “مكافحة الإرهاب”. هذا والصين “تجبر نساء الإيغور على منع الحمل” للحد من تعداد الأقلية المسلمة بل وصل الأمر ببيع شعر النساء الإيغوريات بمئات ملايين الدولارات في فضيحة تم الكشف عنها في الأسبوع الأخير.

الموقف العربي:

لمن يعتقد أن الصين صديق العرب يكفي الإشارة الى انه في عام 2000 قام الرئيس الصينِي بزيارة تاريخية للكيان الصهيوني، وفي عام 2007 زارَ رئيس الوزراء الصهيوني السابق أيهود أولمرت بكين؛ حيث تَمَّ خلال الزيارة إبرام العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية والدخول في شركات تكنولوجية وبيع أسلحة.. والآن عشرات المشاريع تقوم بها المؤسسات الصهيونية في الصين على أمل أن يكون لها سطوة على طريق الحرير.. في مقابل عقود تمنح الصين الاستثمار في ميناء حيفا.

ليس المطلوب حربا ضد الصين ولكن أيضا من غير المعقول ان تستمر في قمع المسلمين وتحرمهم حقوقهم الانسانية فيما هي تحظى بتبادل تجاري مع العرب يتخطى 266 مليار دولار سنويا.. الامر لن يتطلب اكثر من تلويح بوقف استيراد الخردة الصينية التي تسيء للبيئة وللذوق العام وتشكل خطرا على الانتاج الوطني العربي.. ولكن للاسف عكس ذلك تماما يحدث حيث قامت بعض الدول العربية بتسليم المعارضة الايغورية للصين وطردت المواطنين الايغوريين من الدول العربية.. فهل نستعيد مكانتنا في العالم الاسلامي ونصبح نحن العرب مغناطيسه الجوهري ذلك ماينبغي والله غالب على امره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك