علي اسوايحي قائد الولاية الأولى أوراس النمامشة

" الشهيد الرائد "

 

بقلم الإعلامي مباركي الربيعي

ولد الشهيد علي اسوايحي أو سوايعي كما ينطقه البعض ، في 16 مارس 1932 بمدينة تبسة من أب يسمى زين العابدين بن محمد وأم تدعى إبراهيمي العطرة بنت أحمد ، كانت عائلة الشهيد كبيرة ، إذ تتكون من 16 أخا بين البنين و البنات .

تعتبر الأسرة متوسطة الأحوال المادية مقارنة بباقي الأسر الجزائرية في تلك الآونة ،فقد كانت تمتهن حرفة الخياطة و الطرز ، مما يدر عليها مداخيل تكفي لتلبية متطلبات الأسرة.

بدأ الشهيد تعليمه بالتردد على جامع سيدي بن سعيد بمدينة تبسة أين تعلم القرآن الكريم ، ثم التحق بمدرسة التهذيب التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، و كان يشرف عليها الشهيد الآخر “الشيخ العربي التبسي” وفيها تعلم الشهيد علي اسوايحي مبادئ اللغة العربية ، كما زاول تعليمه بالمدرسة الفرنسية “مدرسة الذكور” و تحصل فيها على الشهادة الابتدائية ، مما أهله للالتحاق بالتعليم المتوسط ، ولكنه سرعان ما أرغم على التوقف عن الدراسة فيها، و ذلك في شهر مارس سنة 1950 بسبب اعتقال أخيه الأكبر “نور الدين اسوايحي” ، بعد انكشاف أمر التنظيم السري على إثر ما عرف بحادثة “تبسة ” أو حادثة “خياري ارحيم ” بن مدينة تبسة الذي كان من المناضلين البارزين في المدينة وكان مسؤولا للحركة الوطنية و المنظمة الخاصة فيها ، وبسبب ارتباطه الوثيق بالعضو القيادي المفصول عن الحركة لمين دباغين و تعاطفه معه ، عوقب من طرف قيادة الحركة ،فاتهم بإفشاء أسرار المنظمة للشرطة.

كان “نور الدين أسوايحي “من أعضاء المنظمة الخاصة ، مهيكل في خلية يرأسها الشهيد “فارس يحي” ، و لما ألقي عليه القبض ، تمت محاكمته و حكم عليه بعامين سجنا و مائة ألف فرنك غرامة و خمس سنوات نفي و خمس سنوات حرمان من الحقوق المدنية .

 

تربية وتأهيل

 

كان الشهيد علي اسوايحي منخرطا مبكرا في صفوف الكشافة الإسلامية و كان ينشط في فوج يؤطره ” أحمد شاوش الشريف ” ، في تلك الفترة بالذات تفتحت عينا الشهيد على معاناة الشعب الجزائري وعلى الوطنية وفيها تعلم الفضيلة و الإخلاص و الإيثار و حب التضحية ، فقد كان الفتى دوما في الطليعة لما حباه الله من نعم الذكاء وبعد النظر وهي خصائل ظهرت للعيان منذ نعومة أظافره،كما لعب الشهيد في صف الأشبال التابع للفريق الرياضي المحلي المسمى ” الشبيبة الإسلامية الرياضية لمدينة تبسة”.

تحمل الشهيد مسؤولية التكفل بالعائلة و هو شاب لم يتم عقده الثاني ، فقد بدأت أوضاع العائلة تسوء بعد سجن أخيه “نور الدين “، و لم يكن أمامه غير السعي لإعالة العائلة و التكفل باحتياجاتها في تلك الأيام الصعبة ، وأمام ضغط الحاجة باع الشهيد محل الخياطة العائلي و محتوياته و قفل قاصدا مدينة عنابة سعيا لتوسيع الرزق ، و في عنابة واصل ممارسة حرفة العائلة ” الخياطة ” و لكنه لم يطل مقامه فيها فغادرها متجها إلى مدينة سوق أهراس أين التأم شمله بصديقه “حشاني أحسن” الذي كان على سابق معرفة و صداقة وطيدة به ، لما كان يعمل نجارا بمدينة تبسة قبل مغادرته لها قاصدا سوق اهراس .

الانضمام للثورة

و عن طريق صديقه هذا ” حشاني احسن ” انظم الشهيد للثورة في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر 1955 في مدينة “سوق أهراس “، و كان مجال نشاطه جلب الأسلحة و التبشير برسالة الثورة المقدسة و الدعاية لها في المدينة و المناطق المحاذية لها ، ولما انكشف أمره من طرف مخبري جيش العدو ، التحق بالجبل وأصبح عضوا في صفوف جيش التحرير الوطني بجنب رفاقه “احسن حشاني” و “الطيب بوراس” و “رابح نوار” و غيرهم كثير ، وأدى مهامه المتمثلة في جلب الأسلحة و الذخيرة من الحدود و من العاصمة التونسية على أكمل وجه ، و ذلك ما شهد به قادته وقد عرف بالخفة و الحيوية و التفاني .

وخلال إضراب الطلبة التحق أخوه “الشريف اسوايحي ” بجيش التحرير ، مما عرض العائلة للنهب و التشريد و أقسى أنواع القهر و الإذلال الممارس من قبل العدو ضد أسر الثوار .

في سنة 1958 انتقل الشهيد إلى المنطقة الصحراوية الشرقية بالتراب الوطني في مهمة ضمن فرقة تشكلت بأمر من “كريم بلقاسم “، أسند قيادتها “للرائد ايدير” ، ثم تحولت مهمة الفرقة إلى أقصى الجنوب في جبال “الأهقار” ، وبعد مدة عادت عن طريق ” فزان ” ، و رقي الشهيد “علي اسوايحي” بعد هذه المهمة إلى رتبة ضابط ، و كان الحنين إلى الأهل قد اشتد بالشهيد فسارع إلى الانتقال إلى تامغزة بالحدود التونسية باحثا عن أخبار أخيه ” المداني “الذي كان هو الأخر في صفوف جيش التحرير وكانت أخباره قد انقطعت عنه لمدة.

 

عضوا في قيادة الولاية الأولى

 

أصبح الشهيد عضوا في قيادة الولاية الأولى بتونس مكلفا بالتموين ، تحت قيادة العقيد “محمد لعموري ” و من بعده العقيد ” أحمد انواورة ” ، و تولى كذلك مسؤولية مركز التموين لجيش التحرير” بتاجروين ” بالحدود التونسية لفترة قصيرة .

كما رقي من قبل هيئة الأركان إلى رتبة رائد ، مما أهله تلقائيا لعضوية المجلس الوطني للثورة الجزائرية ، و يذكر أنه أثناء انعقاد دورة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس ، كان الشهيد من الملحين على ضرورة دخول قيادة الثورة إلى التراب الوطني و مشاركة الشعب همومه و صموده .

في شهر جوان سنة 1960،عهد إليه بمسؤولية قائد الولاية الأولى ، و كان ذلك في أحلك الظروف التي مرت بها.

قبل التنقل من تونس إلى الولاية الأولى ، شكل الشهيد فرقة من الجنود لمرافقته وقادها بنفسه ، مكلفا رفيقه “مساني لعجال” بالنيابة عنه في حالة استشهاده .

رغم أن الطريق كان شاقا و وعرا، إلا أن الشهيد أصر على الوصول إلى الهدف متحديا خط موريس المكهرب و المحفوف بالألغام ، مستهينا بكل الأخطار و المجازفات إلى أن استقر به المقام في قمة جبل “راس فورار” بغابة ” لبراجة و بني ملول” ، أين يتواجد مركز قيادة الولاية الأولى .

 

أولى مهام القائد الجديد

 

كان أول ما قام به القائد الجديد للولاية هو زيارات تفقد المناطق والوقوف على إمكانياتها و قدرات وحداتها القتالية والسماع لشكاوي المجاهدين فيها ، وآلمه أيما إيلام ما سمعه من بعض المجاهدين عن ممارسات بعض المسؤولين السابقين الذين أضروا عن جهل بمعنويات المجاهدين الصابرين المرابطين ، كما تأسف كثيرا لما وجد عليه حال بعض المناطق التي أباد فيها العدو المجاهدين ، و لم يبق بها غير بعض الجنود الناجين بأنفسهم .

بعد تقييم الوضع دعا المسؤولين إلى اجتماع تلقى فيه عرض حال عن الأوضاع في كافة مناطق الولاية ، ثم أصدر تعليمات للمسؤولين لمجابهة الأوضاع في حدود المعلومات والإمكانيات المتوفرة ، فقام سريعا بتعيين مراقبين للجيش ، ومدربين على السلاح في مستوى الكتائب و الفصائل ، كما أمر الكتائب بالتوزع في مجموعات صغيرة لا يتعدى عدد أفرادها عشرة أفراد لمجابهة الحملة المدمرة لجنود الحلف الأطلسي ، و وجه تعليمات بخصوص تنظيم مقادير و كيفيات تموين المجاهدين و التكفل بالجرحى و المرضى.

بعد ذلك الاجتماع بأسبوعين ، عقد اجتماعا عاما ضم مسؤولي المناطق و إطارات الولاية لدراسة الأوضاع في ظل الحملة الشرسة الرهيبة المسماة هجمة “الحلف الأطلسي” ، و قد حضر هذا الاجتماع كل من الرائد الطاهر الزبيري و محمد الصالح بن عباس و محمد الصالح يحياوي و عثمان جلالي و عبد الواحد و قادة آخرين ، وتقرر إعادة هيكلة المناطق و تعيين مسؤولييها و تعويض القادة الشهداء بمسؤولين جدد في كل المستويات ، كما تمت دراسة بعض القضايا التنظيمية للولاية .

في خضم تلك الظروف العصيبة بدأ الأمل يبرق في نفوس المجاهدين الذين عانوا في الداخل الكثير ، بل أصبح الكثير منهم يستبشر خيرا بالأيام القادمة التي قد تعيد للولاية بريقها و عنفوانها ، و لكن أيام الأمل لم تطل ، فقد جند العدو قوة لا حصر لها للقضاء على قائد الولاية و رفاقه و اتجهت إلى غابة “لبراجة” و “بني ملول ” بكامل عدتها و عتادها .

 

معركة “أمان احمد اونصر”

 

عرفت هذه المعركة الشهيرة بمعركة “أمان احمد اونصر”، وقعت في يوم 07 / 02 / 1961 ، بدأت بتحليق الطائرات المقنبلة في المنطقة ثم إفراغ حمولاتها من القنابل على مركز قيادة الولاية و مركز الاتصال و مستشفى الولاية ، في هذه المعركة الغير متكافئة رد رجال جيش التحرير الوطني و كان عددهم يقارب 300 مجاهد على الطائرات بما عندهم من سلاح مدافعين عن مواقعهم ، وقامت مروحيات العدو بإنزال المظليين داخل الغابة ، و تقدم خلفهم الجنود المشاة تحت تغطية من سلاح المدفعية .

تفطن قادة جيش التحرير إلى وضعهم الخطير، فقد تم تطوق مواقعهم بآلاف الجنود من المشاة و المظليين ، و في الحين بدأت الاشتباكات في كل جهة وحمي وطيس المعركة التي استمرت حتى الساعة العاشرة ليلا ،حينها تمكن المجاهدون من فك الطوق والخروج من الحصار .

النزوح إلى غرب “واد الما”

اجتمع القائد الشهيد ” علي اسوايحي “ليلا بمعاونيه من العارفين بأسرار الغابة من أمثال “الشريف جلالي” و “أحمد بكرون” و “فرحاتي محمد” و تدارسوا خطورة الوضع ، ثم تقرر النزوح إلى غرب “واد الما” في محاولة لتفادي الاصطدام مع القوة الهائلة المدعمة بالمدفعية و الطائرات، و في صباح 08 / 02 / 1961 ، تقدم جيش العدو زاحفا على المراكز الثلاثة لقيادة الولاية التي كان المجاهدون قد أخلوها ليلا ، و تمركزوا في موقعي ” تينمر ” و “ماء أحمد أونصر” غرب ” واد الما” ، و بحلول الليل اجتمع القادة لتقييم الموقف الصعب، و رأوا أنه أمام إغلاق العدو لكل المنافذ ، لم يبق لهم غير المواجهة والتصادم مع العدو، فانتشرت فصائل المجاهدين بين “واد سيدي فتح الله” و “واد الما” منتظرة القتال ، و في صباح 09 / 02 / 1961 توجهت فصائل منهم للاستطلاع ، فاشتبكت من جديد مع القوات الفرنسية ، و في تلك الآونة اندلعت معركة شديدة بين الجيش الفرنسي و المجاهدين المرابطين غرب “واد الما” بقيادة الشهيد “علي اسوايحي” الذي أصيب بجروح بالغة على مستوى الركبة أعاقته عن التحرك ليضطر إلى الاحتماء ب”شعبة” في موقع المعركة، ، ثم كتبت له الشهادة في سبيل الوطن ، و كان رشاشه مصوبا باتجاه طائرة العدو .

نهاية المعركة

استبسل الثوار في القتال حتى حلول الظلام و انسحب الناجون منهم صوب كيمل و في اتجاهات أخرى ، و كانت حصيلة المعركة ثقيلة جدا ، فقد سقط فيها 98 شهيدا ، منهم قائد الولاية و الشهداء “فرحاتي محمد بن الدراجي” و “ميلود قوجيل” و”السعيد عبابسة” إضافة إلى “براهيم كابرين” و “قوارف لخضر” و “عبد العزيز عشي” إلى جانب “احمد خوشة” و”لزهر قوجيل” و “الشريف جلالي” و “أحمد شكريت” كما أسفرت المعركة عن جرح ما يقارب 30 جريحا من المجاهدين منهم العقيد “الطاهر الزبيري” و”محمد الصالح الدراجي” و”الطيب بلالي” و”موسى نواصري” و”ميلود صراوي” و كثير ممن لم نذكر أسمائهم من الصديقين الصادقين.

خسائر العدو 275 قتيلا

أما خسائر العدو فقد أذاع ” راديو مونتي كارلو” أن خسائر الجيش الفرنسي قدرت ب 275 قتيلا و عدد هائل من الجرحى ، و قد روى بعض ممن حضروا المعركة أن عدد قتلى العدو تجاوز 500 قتيل ، و أن المروحيات ظلت تنقل القتلى و الجرحى لأيام بعد المعركة .

نقلت قوات الاحتلال جثته الشهيد الطاهرة إلى مسقط رأسه بتبسة وعرضتها أمام السكان ، أملا في أن يحدث ذلك المنظر المهول الأثر العميق في الأنفس و يدفعها إلى الاستسلام ، و لكن هيهات.

وهكذا لم يخل سماء “الأوراس ـ النمامشة ” طيلة السبع سنوات و النصف من دخان المعارك الطاحنة التي يقر العدو بشراستها وبعزيمة الرجال الذين خاضوها أمام أعتى قوة كولونيالية في القرنين الماضيين ،فكان الكثير منهم نفس طينة العظماء كالشهداء قرين بلقاسم و لزهر شريط و عباس لغرور .

تم اختيار الاسم الخالد “علي سوايحي” لتسمية دار الثقافة بخنشلة اعترافا و تمجيدا للشهيد قائد الولاية بالنيابة إبان الثورة التحريرية .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك