عشر سنوات كافية لتحول اقتصادي صانع للثروة

الدكتور خضري حمزة لـ"الوسط":

* مواصلة تغيير وتحيين الترسانة القانونية لمؤسسات الدولة

 

توقع أستاذ القانون العام بجامعة المسيلة، الدكتور خضري حمزة، أمس، أن الجزائر ستتحول إلى دولة فلاحية، وصناعية رائدة خلال السنوات العشر القادمة، في حال عكفت على تحقيق الاستراتيجيات المتنوعة المسطرة، في جميع مؤسسات الدولة على اختلافها، للوصول إلى تمويل بديل للإنفاق العام، خارج المحروقات، وهو الأمر الذي لن يتحقق، إلا من خلال إحداث اقتصاد متنوع و منتج، قائم على قوانين استثمار مرنة، تتماشى مع متطلبات السوق الإقليمية والدولية.

حيث أطلع الدكتور خضري في تصريح خص به جريدة “الوسط”، أن الجباية البترولية تشكل 65% من تمويل الإنفاق العام في الجزائر، بعد أن عرفت نسبة مساهمة عائدات النفط في تمويل الميزانية، تزايدا خلال السنوات الماضية، بسبب الاعتماد على توسيع الإنفاق العام لدعم برامج  النمو الاقتصادي، مشيرا أن الحكومات المتعاقبة، خلال الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى سنة 2015، وضعت العديد من  البرامج التنموية، تحت مسميات مختلفة، لكن تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية منذ 2014 إلى يومنا هذا، أدى إلى عجز متزايد، في ميزانية الدولة، الأمر الذي سيجبرنا لا محالة، على مواصلة تغيير وتعديل وتحيين الترسانة القانونية، لمختلف مؤسسات الدولة، لبناء اقتصاد رقمي جديد، قوي ومتين، يضمن حياة كريمة للأجيال القادمة.

 

التنويع الاقتصادي هو الحلّ لزيادة مصادر الدخل الحكومي

 

كما لفت المتحدث، في السياق ذاته، أن البلاد تواجه تحديات كبرى، لتعزيز مصادر تمويل عجز الميزانية، في ظل تراجع أسعار المحروقات، وهذا لن يتم حسبه، إلا من خلال عملها على تنويع مصادر الإنفاق العام، عبر آليات اقتصادية و مالية  متعددة، مضيفا بالمناسبة، أنه خلال دراسته للجانب القانوني للأنظمة الاقتصادية والمالية الجديدة، التي تسعى الدولة لتطبيقها، تعزيزا لمصادر تمويل الميزانية، وجد أنها تنقسم إلى خمس محاور أساسية، هي ترشيد الإنفاق العام ومكافحة التبذير، تبني خطة التمويل غير التقليدي للميزانية، الاستدانة الداخلية، إصلاح الجبائي، مع التوجه نحو الاقتصاد المنتج للثروة.

وفيما تعلق ترشيد الإنفاق العام و مكافحة التبذير،قال عميد كلية العلوم القانونية بجامعة المسيلة، أن الحكومة الجزائرية، اعتمدت بموجب  القوانين و التنظيمات والتعليمات الصادرة عن السيد رئيس الجمهورية، و السادة أعضاء الحكومة، سياسة ترشيد الإنفاق العام، مع المحافظة على الفعالية والنجاعة، في تلبية الطلبات العمومية للمواطنين في مختلف القطاعات الوزارية، بما في ذلك الجماعات المحلية، حيث ألزم تشريع البلدية المجالس المنتخبة، بالتكفل الحصري بالطلبات العمومية، التي تكتسي طابع الأولوية فقط، حتى يتم تقليص أكبر قدر ممكن في ميزانية الإنفاق العمومي، و في هذا الصدد نصت المادة 11 من القانون رقم 10-11 المؤرخ في 22 جوان سنة 2010، المتضمن قانون البلدية على أن المجالس المنتخبة ملزمة باتخاذ كافة التدابير الضرورية، لاستشارة المواطنين حول الطلبات التي تكتسي طابع الأولوية، حتى يتم التكفل بها سنويا، عن طريق ميزانية الجماعات المحلية ، و في السياق نفسه، جعل قانون الولاية المجلس الشعبي الولائي المنتخب، الإطار الذي يستشار فيه ممثلو الشعب حول أولويات التنمية المحلية .     

أما بخصوص تبني خطة التمويل غير التقليدي للميزانية، أفصح نفس المصدر، أن الجزائر عدلت قانون النقد و القرض سنة 2019، و سمحت للبنك المركزي بالقيام بإصدارات نقدية، خارج الأطر التقليدية بشرط واحد، هو قيام بنك الجزائر بشراء السندات الصادرة عنه، و ذلك لمدة محدودة قدرها  خمس سنوات، كما خصصت العملة الصادرة، في إطار التمويل غير التقليدي، للتكفل بتمويل الميزانية، و تسديد الدين الداخلي، و تمويل الصندوق الوطني للاستثمار، و ذلك بنص قانون النقد و القرض المعدل سنة2019، مبرزا بالمناسبة، إن التمويل التقليدي، شكل مصدرا مهما من مصادر الإنفاق العام، خلال السنتين الماليتين الماضيتين 2019/2020، غير أن جملة من الانتقادات وجهت لأسلوب التمويل غير التقليدي، خاصة ما تعلق بتراجع قيمة الدينار الجزائري، بالنسبة للعملات الأجنبية الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار و تراجع المستوى المعيشي للفرد، لذلك عبرت مؤسسات الدولة عن إرادتها القوية لتوقيف العمل بالتمويل غير التقليدي، والبحث عن مصادر أخرى، أكثر فعالية و أقل خسائر، على الفرد و على الاقتصاد الوطني.

 

فشل الاستدانة الداخلية و استحالة العودة للاستدانة الخارجية

 

أوضح عضو اللجنة العلمية لمجلة العلوم السياسية و القانون، التي تصدر عن المركز الديمقراطي العربي في برلين، أن الجزائر مازالت ترفض رفضا مطلقا اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، مرجعا ذلك للتجربة المريرة لها، مع المؤسسات المالية الكبرى في العالم، خاصة صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، أين اضطرت  إلى إعادة جدولة الديون أكثر من مرة تحت شروط تعسفية، لاسيما ما تعلق بشروط تسريح العمال، و حل المؤسسات الاقتصادية العمومية، و هي الشروط  التي كانت لها نتائج كارثية، على الاقتصاد الوطني، مبينا بالمقابل أن البلاد اختارت نهج الاستدانة الداخلية، عن طريق إحداث القروض العامة، أو القروض السندية، غير أن القرض السندي لسنة 2017 ، حقق 568 مليار دينار فقط، وهو مبلغ زهيد بالنظر إلى الأهداف التي سطرتها الحكومة آنذاك، حيث يعود عدم إقبال الجزائريين على هذه القروض السندية، إلى أسباب عديدة اجتماعية و اقتصادية و مالية، مبرزا في ذات السياق، أن الدولة تعمل في السنوات الأخيرة، على الرفع من مردودية الجباية العادية، وجعلها كفيلة بتغطية الإنفاق العمومي، سعيا منها لتحل محل الجباية البترولية، التي لازالت تسيطر بشكل كبير على ميزانية الدولة، و من أجل تحقيق ذلك  جاء  قانون المالية التكميلي لسنة 2020، بجملة من التدابير الضريبية، منها زيادة تسعيرة الرسم على المنتجات البترولية،  بــ 03 دينار جزائري، و رفع قيمة الرسم المطبق على السيارات السياحية، و استبدال الضريبة على الأملاك بالضريبة على الثروة، مع توسيع نطاق الخاضعين لها، و الرفع من قيمتها، وفق سلم تصاعدي باعتماد المعدل النسبي 0.1 % ، على كل الأملاك التي تفوق قيمتها 100 مليون دينار جزائري، مقترحا ضرورة الإسراع في رقمنة النظام الضريبي، لأجل إضفاء الشفافية، على عملية تحصيل الضرائب، و تعزيز آليات مكافحة الغش والتهرب الضريبي، و ضمان المساواة في تطبيق مبدأ الإلزام في دفع الضرائب على الجميع، لتحقيق الإصلاح الجبائي المنشود.

 

التوجه نحو اقتصاد منتج للثروة يتطلب قوانين استثمار مرنة

 

في حين، شرح رئيس الجمعية الوطنية للدراسات الدستورية والقانونية، خلال حديثه مع “الوسط”، أن الجزائر بدأت بتنفيذ خطة اقتصادية، لتكوين اقتصاد منتج للثروة، و هذا من خلال التركيز على العديد من النشاطات التي ترتبط أساسا بالاستثمار الفلاحي، واستغلال الإمكانيات الكبرى، لاسيما الأراضي الفلاحية الشاسعة، و اليد العاملة الفنية و المتخصصة، التي تحظى بتكوين عال في  الجامعات الجزائرية، و المدارس العليا الفلاحية المتخصصة،  زيادة على  الثروة المائية المعتبرة في الجنوب الجزائري، لتحقيق الاكتفاء الذاتي، و توفير مناصب العمل، و تحقيق عائدات من العملة الصعبة، نتيجة عمليات التصدير إلى أوروبا، و بعض دول الجوار، لافتا أن المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و المؤسسات الناشئة، تعد من  القطاعات المهمة، التي تولي لها الحكومة الجزائرية، الاهتمام الكبير لجلب الثروة، خاصة بعد استحداث ثلاث صناديق عمومية، لتمويل مشاريع المؤسسات الصغيرة و المتوسطة، بهامش فائدة لا يتجاوز 01%، كما خصصت قوانين المالية المتعاقبة حوافز جبائية، و شبه جبائية، للراغبين في الاستثمار في مثل هذا النوع من المؤسسات، متوقعا في الأخير، أن الجزائر، دون أدنى شك، ستتحول إلى دولة فلاحية، وصناعية رائدة خلال السنوات العشر القادمة.

 

مريم خميسة

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك